تحسن وضع الموازنات الحكومية في الدول العربية مجتمعة بشكل كبير خلال عام 2005، فقد تم تحقيق فائض قياسي يفوق كثيرا ما تم تحقيقه خلال العامين السابقين، الذي بلغ 100 مليار دولار غير أن هناك تباينا كبيرا في الأداء بين الدول الرئيسية المصدرة للنفط وبقية الدول العربية. تعكس هذه التطورات بدرجة كبيرة الارتفاع الملحوظ في الإيرادات النفطية جراء ارتفاع أسعار النفط، وبدرجة أقل الأداء الجيد في بنود الإيرادات الأخرى. ومثلما كان الحال في عامي 2003 و2004.
فقد صاحب ارتفاع الإيرادات ارتفاع ملحوظ أيضا في النفقات بشقيها ، وللعام الثالث على التوالي، ليبلغ إجمالي النفقات أعلى مستوى له منذ مطلع التسعينات. غير انه وبالرغم من ذلك فقد كانت المحصلة بنهاية عام 2005 تحقيق فائض كلي عال، ليس فقط بالنسبة للدول العربية مجتمعة بل أيضا بالنسبة لغالبية الدول المصدرة للنفط منها فرادي.
ويلاحظ التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 2006 وجود اتجاه توسعي في السياسة المالية في غالبية الدول العربية بشكل عام منذ عام 1999، حيث يعادل إجمالي النفقات في الدول مجتمعة في عام 2005 نحو 167 % مقارنة بعام 1999. وفي ضوء المستويات العالية للإنفاق، فان الدول العربية، بوجه عام، والدول التي حققت فوائض مالية لأعوام متتالية، بوجه خاص، تواجه خيارين صعبين، فمن جانب، تواجه الدول العربية ضغوطا قوية لزيادة الإنفاق لدعم المزيد من الجهود الحثيثة للحد من المستويات العالية للبطالة وتخفيف الفقر وتطوير البنية التحتية وتوفير الخدمات الاجتماعية في ضوء تزايد عدد السكان بنسب عالية.
ومن جانب آخر، فان الدول العربية مدعوة لضبط وترشيد الإنفاق لضمان استمرارية الأوضاع المالية والحد من تفاقم الديون وما يترتب على ذلك من إضعاف الاستقرار الاقتصادي فيها. ويكتسب هذان الخياران أهمية اكبر عند ملاحظة أن الأوضاع المالية تتراجع كثيرا عند استثناء الإيرادات النفطية، وخاصة في الدول المصدرة للنفط، حيث تشير بياناتها إلى وجود عجوزات مرتفعة لا تقل كثيرا عن عجوزات الدول غير النفطية في تلك الحالة.
وتشير البيانات المتاحة إلى إجمالي الإيرادات العامة والمنح في الدول العربية كمجموعة ارتفع بصورة كبيرة للعام الثالث على التوالي ليبلغ نحو 7 ,394 مليار دولار في نهاية عام 2005. وقد بلغت نسبة نمو الإيرادات العامة والمنح نحو 2, 34 % خلال عام 2005، ونحو 28 % في المتوسط خلال السنوات الثلاث السابقة. ويعزى الارتفاع الكبير في الإيرادات، كما كان الحال في العامين السابقين بشكل أساسي، إلى ارتفاع الإيرادات النفطية بدرجة كبيرة في ضوء الارتفاع الملحوظ في أسعار النفط خلال عام 2005، الأمر الذي أدى إلى بلوغ مساهمتها في إجمالي الإيرادات العامة والمنح نحو 9 ,70 % في نهاية العام، وهي النسبة الأعلى لها منذ مطلع عقد التسعينات. وفي المقابل.
تجدر الإشارة إلى أن القيم المطلقة لجميع البنود الأخرى من الإيرادات قد ارتفعت لتبلغ مستويات قياسية بنهاية عام 2005، غير أن مساهمتها في إجمالي الإيرادات تراجعت قليلا في حالة الإيرادات الضريبية والدخل من الاستثمار والمنح، وارتفعت قليلا في حالة الإيرادات غير الضريبية. كما تجدر الإشارة أيضا، إلى أن نسب مختلف بنود الإيرادات إلى الناتج المحلي الإجمالي قد تغيرت في الاتجاه نفسه خلال عام 2005، حيث ارتفعت مساهمة الإيرادات النفطية والإيرادات غير الضريبية في الناتج المحلي الإجمالي، وتراجعت قليلا مساهمة بقية البنود.
وبالنسبة للإيرادات النفطية، فقد انعكس استمرار التحسن في أسعار النفط خلال الأعوام الأربعة السابقة، وعلى وجه الخصوص خلال العامين السابقين، بشكل ايجابي عليها، حيث ارتفعت في الدول العربية مجتمعة بمتوسط بلغ نحو 1 ,38 % سنويا خلال الأعوام الثلاثة السابقة ليبلغ حجمها نحو 9 ,279 مليار دولار بنهاية عام 2005، وهو الأعلى بالنسبة لها منذ مطلع الثمانينات، وقد بلغت نسبتها إلى الناتج المحلي الإجمالي 4 ,27 % خلال 2005، وهي النسبة الأعلى لها كذلك، منذ مطلع الثمانينات.
كما انعكس تحسن أسعار النفط بشكل ايجابي على الإيرادات النفطية بالنسبة للدول الرئيسية المصدرة للنفط وبالنسبة للدول التي يمثل النفط جزءا مهما من إيراداتها، فقد تراوحت الزيادة في الإيرادات النفطية خلال عام 2005 بين ما يربو على نحو 7 مليارات دولار في كل من الإمارات والجزائر والسعودية والكويت وليبيا، وما يساوي مليار دولار أو اقل في البحرين والسودان وعمان وقطر، في الوقت الذي لم تتغير فيه الإيرادات النفطية كثيرا في اليمن نظرا لان إنتاجها النفطي ظل ثابتا عند المستوى المسجل خلال العام السابق. وقد بلغت الإيرادات النفطية بذلك مستويات قياسية جديدة في عدد من الدول مقارنة بالعام السابق.
حيث سجلت ما بين 25 و32 مليار دولار في كل من الإمارات والجزائر والكويت وليبيا، في الوقت الذي بلغت فيه نحو 134 مليار دولار في السعودية. ويلاحظ أن الإيرادات النفطية لهذه الدول مجتمعة تمثل نحو 90 % من إجمالي الدول العربية. بالإضافة، فقد حققت الإيرادات النفطية نسبا عالية تراوحت بين 30 % و45 % من الناتج الإجمالي بالنسبة لكل من الجزائر والسعودية وقطر والكويت، وبلغت نحو 63 % في ليبيا. ويشار إلى أن مستوى هذه النسب مقارنة بما تحقق منذ مطلع التسعينات، يعد قياسيا في حالة الجزائر وليبيا والسودان.
وعلى الرغم من أن ارتفاع الإيرادات النفطية بالمستوى الذي حدث خلال عام 2005 لا يظهر جهود الدول لتقليل الاعتماد الكبير على النفط كمصدر للإيرادات بشكل واضح، فان غالبيتها قد بذلت الكثير من الجهود للاستفادة من الارتفاع الكبير في الإيرادات، بتخفيض الديون العامة وزيادة الاحتياطيات وتغذية صناديق تثبيت الإيرادات وضمان حقوق الأجيال القادمة. فقد بذلت غالبية الدول، وعلى وجه الخصوص الدول المصدرة الرئيسية للنفط، جهودا لدعم إستراتيجية النمو من خلال تطوير وصيانة البنية التحتية وتنمية القطاعات غير النفطية وتعميق الإصلاحات فيها لزيادة مساهمتها في الإيرادات والاقتصاد، بوجه عام، وكذلك الاستثمار في توسيع الطاقة الإنتاجية لقطاع النفط وزيادة إنتاج البتروكيماويات.
وفيما يتعلق بالإيرادات الضريبية، فقد زادت حصيلتها خلال عام 2005 بنحو 8,7 % لتبلغ نحو 0,75 مليار دولار، مع ملاحظة أن نسبتها إلى الناتج الإجمالي قد تراجعت قليلا من جراء الارتفاع الكبير في الناتج المحلي الإجمالي. وتجدر الإشارة إلى أن الإيرادات الضريبية قد تحسنت منذ مطلع الألفية وبشكل واضح خلال السنوات الثلاث الأخيرة، إذ نمت بنحو 7,10 % في المتوسط سنويا خلال الفترة 2003ـ 2005 مقارنة بنحو 3 ,1 % سنويا خلال الفترة 2000ـ 2002، ويعكس ذلك ثمرة جهود الإصلاح الضريبي المستمرة منذ منتصف التسعينات، والتي تمثلت بالعمل على زيادة مرونة الأنظمة الضريبية وتوسيع القاعدة الضريبية وتبسيط الإجراءات وتقوية الإدارة من خلال تحسين إجراءات التقييم والتحصيل والمحاسبة والمراجعة الضريبية وترشيد الإعفاءات واستحداث وتوسيع العمل بضريبة القيمة المضافة.
وعلى صعيد الدول فرادى، فقد ارتفعت الإيرادات الضريبية بدرجة ملحوظة في الأردن والسودان ومصر والمغرب وموريتانيا بنسبة بلغت نحو 19 % في المتوسط، وارتفعت بنسبة اقل بلغت نحو 6 % في كل من جيبوتي وسوريا، في الوقت الذي لم تتغير فيه في تونس وتراجعت بنحو 6 % في لبنان، وذلك خلال عام 2005. وتجدر الإشارة إلى أن الدول المذكورة أعلاه، تمثل فيها الضرائب بندا مهما من بنود الإيرادات حيث تتراوح مساهمتها في هذه الدول بين نحو 41 % في السودان و88 % في تونس، وبالنسبة لبقية الدول العربية، حيث بلغت مساهمة الإيرادات الضريبية في إجمالي الإيرادات نحو 9 % في المتوسط خلال عام 2005، فقد شهدت الإيرادات الضريبية ارتفاعات متباينة في غالبيتها مع تراجع بنحو 17 % في المتوسط في قطر وليبيا وعمان وبنحو 1 % في اليمن خلال العام.
وتنعكس ثمرة جهود الإصلاح الضريبي كذلك، بمقارنة متوسط نمو حصيلة كل بند من البنود الضريبية خلال الفترة 2003ـ 2005 مع الفترة 2000ـ 2002، حيث يظهر ارتفاع معدل نمو حصيلة الضرائب على الدخل والأرباح من نحو 4 ,2 % في المتوسط في الفترة الأولى، إلى نحو 9 ,8 % في المتوسط خلال الفترة الثانية. كما ارتفع معدل نمو حصيلة الضرائب على الإنتاج والاستهلاك من نحو 7 ,2 إلى نحو 0 ,13 % بين الفترتين، في الوقت الذي تحول فيه معدل نمو حصيلة الرسوم الضريبية على التجارة الخارجية والمبادلات من تراجع بنحو (7 ,5) %، في المتوسط خلال الفترة الأولى، إلى نمو بنحو 8 ,7 % خلال الفترة الثانية. يشار إلى أن هذه البنود الثلاثة مجتمعة تمثل نحو 70 % من إجمالي الإيرادات الضريبية في عام 2005. كما يشار أيضا إلى أن النتائج أعلاه في حالة الفترتين 2000ـ 2002 و2003ـ 2005 مماثلة بالنسبة لغالبية الدول فرادى باستثناء اليمن وسوريا وعمان في حالة الضرائب على الدخل والأرباح، واليمن في حالة الضرائب على الإنتاج والاستهلاك والخدمات.
وعلى الرغم من ذلك، لا تزال الحاجة ملحة لمضي الدول العربية قدما في تكثيف جهودها لتعميق الإصلاحات الضريبية لزيادة مرونة الإيرادات الضريبية، وذلك على وجه الخصوص، في جوانب خفض وترشيد الإعفاءات وتوسيع القاعدة الضريبية ونطاق العمل بضريبة القيمة المضافة. وتظهر أهمية إدخال المزيد من الإصلاحات الضريبية من خلال مقارنة تطور أهمية الإيرادات الضريبية في الناتج المحلي الإجمالي.
حيث تراجعت نسبة الإيرادات الضريبية إلى الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية كمجموعة من نحو 2 ,8 % في عام 2004، وهو متوسطها خلال الفترة 2000ـ 2004، إلى نحو 3 ,7 % في عام 2005، مما يشير إلى ان وتيرة التغير في الإيرادات الضريبية تقل عن وتيرة التغير في الناتج المحلي الإجمالي، أي ان الإيرادات الضريبية لا تتسم بالمرونة المطلوبة.
أما بالنسبة للإيرادات غير الضريبية، فقد نمت بشكل ملحوظ في الدول العربية مجتمعة بنحو 35 % خلال عام 2005 لتبلغ حصيلتها 1 ,29 مليار دولار، أي ما يعادل نحو 9 ,2 % من الناتج المحلي الإجمالي ونحو 4 ,7 % من إجمالي الإيرادات العامة. وعلى الرغم من ذلك النمو، يلاحظ ان نسبة الإيرادات غير الضريبية إلى الناتج المحلي قد انخفضت مقارنة بالسنوات السابقة، كما يلاحظ، أيضا انخفاض نسبتها إلى إجمالي الإيرادات العامة.
ويعزى الاتجاه العام نحو التراجع في مساهمة الإيرادات غير الضريبية في الناتج المحلي الإجمالي وفي إجمالي الإيرادات بشكل عام إلى الأثر النسبي لارتفاع حصيلة الإيرادات النفطية، وإلى اتجاه غالبية الدول نحو ترسيخ نهج استقلالية المالية والإدارية في إدارة الموارد في المؤسسات العامة والحد من تحويل مواردها المالية للميزانية العامة، إضافة إلى تزايد وتيرة الخصخصة.
وبالنسبة للدخل من الاستثمار، فقد شهد ارتفاعا بنحو 14 % ليبلغ نحو 2,9 مليارات دولار في عام 2005، ونظرا لان معدل نمو الدخل من الاستثمار لم يرق إلى مستوى نمو إجمالي الإيرادات والناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2004، فقد تراجعت مساهمة الدخل من الاستثمار في كل من الإيرادات والناتج المحلي الإجمالي، وان كان بنسب بسيطة.
وفيما يتعلق بالمنح، التي بلغت نحو 5 ,1 مليار دولار في عام 2005، فان التراجع الذي حدث فيها خلال العام لم يؤد إلى تغيير مساهمتها المتدنية أصلا في إجمالي الإيرادات وفي الناتج المحلي الإجمالي كثيرا، ويعزى معظم التراجع في المنح والبالغ حجمه نحو 488 مليون دولار في العام 2005 إلى التراجع في حجم المنح الواردة إلى الأردن من نحو 1,1 مليار دولار في عام 2004 إلى نحو 700 مليون دولار في عام 2005.
وبلغ إجمالي النفقات العامة للدول العربية مجتمعة خلال عام 2005 نحو 2,299 مليار دولار، وهو المستوى الأعلى لها على الإطلاق. وتجدر الإشارة إلى أن الإنفاق الذي ارتفع بصورة منتظمة منذ بداية الألفية الجديدة وبمتوسط سنوي بلغ نحو 9 ,8 %، باستثناء تراجع بسيط حدث خلال عام 2002، قد وصلت قيمته لتقارب ضعفي قيمته في عام 1999، وذلك في جميع الدول باستثناء لبنان ومصر حيث ارتفعت النفقات فيهما بما يزيد قليلا عن نحو 10 % بين عامي 1999 و2005، إضافة لذلك، فان الارتفاع قد حدث في البندين الرئيسيين، وهما الإنفاق الجاري والإنفاق الرأسمالي اللذين ارتفاعا في الدول العربية مجتمعة بنحو 40 % و72 % على التوالي بين عامي 2000 و2005.
وتوضح هذه التغيرات، بشكل عام، ان السياسة المالية قد أصبحت توسعية منذ مطلع الألفية في غالبية الدول العربية خلافا عن اتجاهها العام خلال النصف الثاني من التسعينات، ويلاحظ ان هذا النهج التوسعي قد ارتبط ومنذ عام 2002 بالقفزات الكبيرة والمتزايدة في قيمة إجمالي الإيرادات وقيمة الناتج المحلي الإجمالي. كما يلاحظ أيضا وجود ارتباط قوي وموجب بين النفقات والإيرادات، وبين النفقات والناتج المحلي الإجمالي على صعيد الدول فرادى، وعلى الرغم من النهج التوسعي في الإنفاق إلا ان علاقات الارتباط المشار إليها توضح ان دور السياسة المالية محدود وان الإنفاق يحدد بشكل عام بناء على حجم الموارد المتاحة في غالبية الدول العربية.
مصر ولبنان وسوريا تتصدر قائمة العجوزات
أدى ارتفاع الإنفاق الاستثماري إلى تحول الفوائض الجارية إلى عجوزات في الميزان الكلي خلال العام 2005. وبذلك قد تم تسجيل عجوزات كلية في مصر ولبنان والمغرب وسوريا بنحو 3 ,8 و2 و7,1 و6 ,1 مليار دولار على التوالي. وفي السودان والأردن بما يقل قليلا عن 700 مليون دولار، وفي تونس بنحو 500 مليون دولار، وفي جيبوتي بنحو 18 مليون دولار، في الوقت الذي تم فيه تسجيل فائض بسيط في موريتانيا بلغ نحو 44 مليون دولار. أما في اليمن، والتي استفادت من التطورات الايجابية في أسعار النفط خلال عامي 2004ـ 2005، فقد سجلت فوائض كلية بلغت نحو 320 مليون دولار في كل من العامين المذكورين.
ولجأت غالبية الدول التي سجلت عجزاً كلياً في موازناتها العامة إلى تمويل هذه العجوزات بشكل أساسي من مصادر التمويل المحلية، حيث بلغت نسبة التمويل المحلي نحو 93 % من الإجمالي، باستثناء لبنان الذي استخدم مصادر التمويل الخارجية ومصادر التمويل المحلية مناصفة تقريبا.
وقد تمثلت غالبية مصادر التمويل في المصارف التجارية والسلطة النقدية عبر الإصدارات من أدوات الدين العام القابلة للتداول. في المقابل، فقد لجأت بعض الدول التي حققت فوائض كلية خلال الأعوام القليلة الماضية إلى استخدام جزء منها في تقليص أحجام ديونها العامة وتخفيف أعبائها، كما حدث على سبيل المثال في ليبيا التي قامت بتسديد كافة ديوانها الداخلية خلال عام 2004، والسعودية التي قامت أيضا بتسديد أجزاء كبيرة من ديونها الداخلية خلال عامي 2004ـ 2005.
وفي ضوء تطورات الموازنات العامة المشار اليها، فقد تراجع إجمالي الدين العام الداخلي بنحو 8,15 % خلال عام 2005 ليبلغ حجمه نحو 289 مليار دولار وتصل نسبته إلى الناتج المحلي الإجمالي نحو 1 ,44 % بالنسبة للدول العربية المتاح حولها بيانات. ويلاحظ على صعيد الدول فرادي ان الرصيد القائم من الدين العام الداخلي قد تراجع بنسبة ملحوظة بلغت 15 % في السعودية، وبنسبة بسيطة تقل عن واحد % في سوريا خلال العام 2005، وارتفع بنسب تراوحت بين بسيطة جدا بمتوسط بلغ نحو 2 % بالنسبة للكويت واليمن والجزائر، ومرتفعة بمتوسط بلغ نحو 17 % بالنسبة للبنان والأردن ومصر.
وبغرض تسليط الضوء على تطورات هيكل الدين العام الإجمالي القائم في ذمة الدول بشقيه الداخلي والخارجي، تجدر الإشارة إلى ان حجم الدين العام الداخلي خلال الفترة 2001ـ 2004 يعادل نحو 228 % من حجم الدين العام الخارجي بالنسبة للدول العربية مجتمعة، وان هذه النسبة بلغت 194 % في عام 2005، كما يلاحظ ان مجموعة الدول العربية المقترضة خارجيا تختلف عن مجموعة الدول المقترضة داخليا، حيث تضم المجموعة الأولى دولتين فقط من بين الدول الرئيسية المصدرة للنفط هما عمان والجزائر، وإضافة لذلك، فان بيانات الدين الداخلي العام لا تتوفر لجميع الدول، الأمر الذي يقلل من جدوى استعراض ومعالجة التطورات على صعيد الدول العربية مجتمعة.
وتوضح البيانات المتاحة حول أرصدة الديون العامة على صعيد الدول فرادى، ان رصيد الدين العام الداخلي سواء في عام 2004 أو عام 2005 يقل عن رصيد الدين العام الخارجي في كل من الأردن وتونس والجزائر وعمان واليمن، حيث تتراوح النسب بين 19 % في اليمن و82 % في الجزائر. ويتساوى الرصيدان تقريبا في لبنان، ويرتفع كثيرا رصيد الدين العام الداخلي عن رصيد الدين العام الخارجي في المغرب ومصر وسوريا حيث تبلغ النسبة 184 % و286 % و297 % على التوالي.
وتمثل متابعة ومعالجة الديون بشكل إجمالي بالأخذ في الاعتبار شقيها الخارجي والداخلي اتجاها جيدا بالنسبة للدول، فمن جانب يوفر ذلك وصفا دقيقا للأعباء التي تترتب على اقتصاد الدولة، الأمر الذي يوضح مدى تناسقها مع إمكانيات واحتياجات الدولة ويعطي إشارات مبكرة حول إمكانية استبدال الدين بين داخلي وخارجي بما يخفف من أعباء خدمته، ومن جانب آخر، يضفي ذلك النهج الشامل في المتابعة والمعالجة الكثير من المرونة لإعادة الهيكلة ليس فقط بالنسبة لشقيه، وانما أيضا فيما بين الديون الداخلية والخارجية، كما يسمح ذلك أيضا بتعزيز قدرة الدول على إدارة المديونية وتفادي تفاقم أعبائها على الاقتصاد الوطني.
أبوظبي ـ أحمد محسن