شهد سوق السفر العالمي الذي عقد في العاصمة البريطانية لندن مؤخرا تسليط الأضواء على المشكلات الهيكلية التي يعانيها قطاع السياحة العربي مثل التوترات السياسية وعدم الاستقرار الأمني والاقتصادي وغياب التشريعات والتسهيلات والمرافق السياحية الجاذبة، وهي جميعها جعلت الدول العربية لا تستحوذ إلا على أقل من 3% من عائدات السياحة العالمية التي تبلغ أكثر من 450 مليار دولار سنويا.

والسياحة البينية بين العرب لا تتجاوز حاليا 42% من إجمالي حركة السياحية مع أن السياحة العربية الأكثر ايرادا للدخل السياحي، فالسائح العربي أطول اقامة واكثر انفاقا، يضاف الى ذلك الآثار الايجابية للسياحة البينية العربية في زيادة اواصر الاخوة والتواصل الثقافي والاجتماعي وزيادة التعاون التجاري والصناعي بين ابناء هذا الوطن الواحد. وتشير منظمة السياحة العالمية الى ان السياحة البينية، داخل الاقليم الواحد، تشكل 82% على مستوى العالم وداخل اوروبا وحدها تشكل السياحة البينية 88%، بينما في البلاد العربية تشكل 42% وستنخفض عام 2020 حسب بيانات المنظمة الى 37% فقط فيما تزداد نسبة السياحة العربية البعيدة لتصل الى 63% .

وعلى ضوء الارقام المتوقعة وارقام الواقع الحالي ونظرا للاتجاه العالمي نحو تحرير تجارة الخدمات مع حلول عام 2020 فإن تعزيز السياحة العربية البينية لن يساهم فقط في زيادة حصة العالم العربي من عائدات السياحة العالمية ولكن سيكفل ايضا حماية عوائد القطاع السياحي في كل بلد عربي على حدة. ويلعب الدور المطلوب من القطاع الخاص كركيزة أساسية في هذه المهمة الاقتصادية الحيوية.

ولا يفصلنا عن عام 2020 سوى أربعة عشر عاما، وهي سنوات تقترب من العد على الأصابع، ولكنها مع ذلك كافية لبناء خطط تنموية سياحية عربية تؤسس على رؤية محددة واضحة وخلاقة، وتهدف إلى إرساء وتفعيل المقومات السياحية العربية لتصل مردوداتها إلى حجم يتناسب مع الحجم الطبيعي والقائم فعلا، لتلك المقومات، وينتقل بالاقليم السياحي العربي من موقعه قبل الأخير(جنوب آسيا) حسبما تفيد ارقام منظمة السياحة العالمية إلى موقع أكثر تقدما على خريطة السياحة العالمية، خصوصا أن منظمة السياحة العالمية تتوقع أن يزيد عدد القادمين الدوليين على 56 ,1 مليار مسافر بحلول عام 2020 من بينهم 2 ,1 مليار بين الاقاليم نفسها و 4 ,0 مليار زائر من خارج الاقاليم، وتتصدر الاقاليم المستقبلة للزوار في ذلك العام كل من اوروبا (717 مليون سائح) وشرق آسيا والباسفيك (397مليون سائح) والاميركتين (282 مليون سائح) تليها بحصص اقل على التوالي افريقيا (منها دول شمال افريقيا العربية) فالشرق الاوسط ثم اقليم جنوب آسيا.

ومع ان الارقام المتوقعة لحركة السياحة في عام 2020 تشير إلى معدلات نمو قياسية تسجلها الاقاليم الخمسة الأخيرة ومنها دول العالم العربي الآسيوية والافريقية تصل الى 5% سنويا بالمقارنة مع معدل النمو العالمي 1 ,4% وكذلك ما تشير اليه تلك الارقام من أن اوروبا والاميركتين سوف تسجلان معدل نمو اقل من المعدل العالمي وايضا ستسجلان تراجعا بنسبة 46% عام 2020 في اعداد السياح الوافدين من المجموع العالمي الذي كانت حصة هذين الاقليمين منه تصل إلى نسبة 60% في عام 1995، مع ذلك نقول ان هذه المؤشرات تظل تنبه إلى ان المنطقة العربية وإن كانت ستسجل نموا ملحوظا الا ان حصتها من الحركة الاجمالية لأعداد السياح على الخريطة العالمية (5 ,68 مليون سائح) عام 2020 تظهر عدة حقائق من أبرز عناوينها أن هناك تقصيرا (حتى الآن) في ايلاء قطاع السياحة العربية الاهتمام المطلوب ليصبح قطاعا مؤثرا وفاعلا في مجمل عمليات التنمية الشاملة العربية وفي رفد الناتج القومي العربي بما يحقق التطور المنشود لمستويات الدخل والمعيشة في المجتمعات العربية كافة.

ومن واقع الارقام السابقة يتبين لنا ان هناك مسؤولية مشتركة كبرى تقع على عواتق دوائر التخطيط ودوائر صنع القرار على حد سواء في الدول العربية منفردة وفي المؤسسات العربية الجماعية من أجل وضع الخطط المدروسة بعناية وتعزيزها بضمانات تنفيذية من قبل صناع القرار العربي، السياسي والاقتصادي والثقافي لدعم القطاع السياحي في بلدانها.

إن أحد المتطلبات الرئيسية لتطوير قطاع السياحة في الدول العربية بما في ذلك دول مجلس التعاون الخليجي هو إيجاد أجهزة تنفيذية تضم كافة الدوائر والجهات المعنية بقطاع السياحة، وبحيث تعطى هذه الأجهزة كافة الصلاحيات الذي تؤهلها للبث في كل ما يمكن أن يؤدي إلى تطوير هذا القطاع، وتوفير المرافق السياحية وتسهيل الاستثمارات السياحية. كذلك وعلى سبيل المثال، توجد ضرورة لإيجاد مجلس للتسويق السياحي يضم بالإضافة إلى شؤون السياحة ممثلي القطاع الخاص. كما ان الترويج السياحي يمثل عنصرا حاسما في نجاح جهود السياحة في الدول العربية. فلا فائدة من الجهود الجبارة والتسهيلات الضخمة المتوفرة للسياح والسياحة اذا لم يتم الترويج لها بشكل جيد ومتخصص.

ومما لاشك فيه ان تشجيع الاستثمار في القطاع السياحي هو حجر الزاوية في تطوير السياحة وتأهيلها بالمرافق والتسهيلات الجاذبة للسياحة. إن الكثير من الدول التي اهتمت بتطوير قطاعها السياحي قامت بتخصيص مواقع شاسعة من الأراضي والبلاجات للمستثمرين السياحيين، وقامت بتوفير البنية التحتية الضرورية (الطرق ـ الشوارع ـ الاتصالات ـ المواصلات - الخ) لها. وقامت بتزويد خرائط كاملة لهذه الأراضي والبلاجات للدائرة أو الجهاز المسؤول عن السياحة في بلدها وأعطته الصلاحية الكاملة لعرضه على المستثمرين والترويج له داخليا وخارجيا من خلال عمل دراسات الجدوى للعائد على الاستثمار في هذه المشروعات. كما انها تعرض أيضا ترتيبات قامت بإعدادها مسبقا لتوفير تسهيلات الحصول على شريك محلي أو قروض أجنبية أو محلية لتشجيع المستثمرين للاستثمار في هذه المشروعات.

كما أن التسهيلات المقدمة للمستثمرين السياحيين تعتبر ضرورية. فعلى سبيل المثال تتضمن اتفاقيات الاستثمار السياحي الجديدة في بعض دول المجلس تسهيلات بشأن إيجار الأراضي الممنوحة كالإعفاء من الإيجار أو تقديمه بأسعار لفترة زمنية محددة ، وكذلك أن تكون مدة الإيجار طويلة نسبيا لضمان المستثمرين تحقيق العائد المطلوب، وهناك جانب لا يقل أهمية عما ذكرنا وهو يخص اللوائح والقوانين الميسرة والجاذبة للاستثمار السياحي.

وفي هذا الجانب، يلاحظ أن العديد من الدول العربية قامت بسن ووضع جميع التشريعات الضرورية الخاصة بجذب الاستثمار بكافة أشكاله بما في ذلك الاستثمار السياحي حيث رفعت القيود على نسبة مساهمة الاستثمار الأجنبي، ويسرت إجراءات التسجيل والتأسيس، كما وفرت البنية الأساسية المتطورة اللازمة لتأسيس المشروعات الجديدة علاوة على توفير الكوادر البشرية المدربة.

ولابد أن نشير إلى تواضع الدور الذي لا يزال يلعبه القطاع الخاص في الاستثمار السياحي في الكثير من الدول العربية على الرغم من وجود الإمكانات الكبيرة لدى هذا القطاع من جهة، والمغريات الكثيرة التي يوفرها الاستثمار السياحي من جهة أخرى. وما يجب التأكيد عليه هنا هو أن المستثمرين الأجانب لن يقبلوا على الاستثمار في بلداننا اذا ما وجدوا ان أهل البلد مترددون في وضع استثماراتهم في بلدهم. وهذا ينطبق على الصناعة والسياحة وكافة الأنشطة الأخرى.

كما ان الممولين الخارجيين سوف يترددون في تقديم القروض لمشروع سياحي اذا ما وجدوا ان البنوك المحلية ترفض تقديم مثل هذا التمويل. لذلك لابد أن يبادر القطاع الخاص سواء المستثمرون أو الممولون من البنوك إلى إعطاء إشارات قوية واضحة للمستثمرين الأجانب على استعدادهم للاستثمار في السياحة بصورة مشتركة وجماعية.

كاتب ومحلل اقتصادي