مع النجاح الكبير لمؤتمر المانحين في لندن الذي رعته دول الخليج العربية لتنمية الاقتصاد اليمني، يكون مجلس التعاون لدول الخليج العربية قد خطا خطوة تاريخية واسعة في الاتجاه المطلوب لتجسيد الشراكة الاستراتيجية في التنمية الإقليمية في الخليج وشبه الجزيرة العربية، انطلاقا من الإدراك الواقعي البعيد النظر بأن التكامل الاقتصادي الإقليمي هو المقدمة الضرورية لضمان الأمن السياسي الإقليمي.

وجاءت هذه الخطوة الصحيحة دليلا على إدراك الجانبين الخليجي واليمني أن اليمن هو الظهير الجنوبي لمجلس التعاون وأن الخليج هو العمق الإستراتيجي لليمن، وأن المدخل الطبيعي لعضوية اليمن في مجلس التعاون وبتأهيل الاقتصاد اليمني يمكن تحقيق التكامل والاندماج الاقتصادي كمدخل لابد منه لتحقيق التكامل السياسي.

ولما كان ذلك أمرا منطقيا، فإن الدعم الخليجي العربي للاقتصاد اليمني العربي ليس أمرا يفرضه الواجب الإسلامي ولا العربي فقط وإنما هو استجابة لضرورات سياسية وأمنية واقتصادية ليس لليمن فقط ولكن لدول الخليج أيضا ومن هنا تأكيد الرئيس اليمني علي عبد الله صالح في افتتاح مؤتمر لندن.

ومن هنا أيضا تأكيد عبد الرحمن العطية الأمين العام لمجلس التعاون «إن اليمن هو العمق الاستراتيجي لمجلس التعاون وأن قادة دول المجلس حريصون على تعزيز التعاون معه»، وإذا كان العطية هو الذي لعب دورا نشطا في الوصل بين الجانبين إلى هذه المرحلة المتقدمة في الطريق لتحقيق الاندماج الاقتصادي فإنه أيضا لعب دورا نشطا مع الأطراف الدولية المشاركة في مؤتمر المانحين مما مكن من التوصل إلى نتائج فاقت التوقعات.

وحصل الاقتصاد اليمنى على تعهدات من الداعمين بما يتجاوز 4 مليارات دولار، قدمت منها خمس من دول مجلس التعاون نصف هذا الدعم الدولي، إذ قدمت السعودية وحدها نحو 25 % من الدعم الإجمالي بما قيمته مليار دولار، وقدمت الإمارات 500 مليون دولار، وقطر 500 مليون، وعمان 100 مليون، والكويت 200 مليون فيما أعلنت البحرين تقديم منح تدريبية وفنية.

ومع التقدير الكبير للدعم الخليجي المشكور للشقيقة اليمن، فإن هذا الدعم لا يعد شيئا غير مألوف في العلاقات الاقتصادية في المناطق الإقليمية المتكاملة بقدر ما هو مصلحة اقتصادية وسياسية مشتركة والأمثلة عديدة في عالمنا، فقد ساعدت الولايات المتحدة أوروبا الغربية عقب الحرب العالمية بمشروع مارشال، كما ساعدت المكسيك بهدف وقف تدفق المهاجرين غير الشرعيين، و ساعدت أوروبا الغربية أوروبا الشرقية بعد انتهاء الحرب الباردة بهدف تأهيلها اقتصاديا لدخول الاتحاد الأوروبي.

إن السياسة اليمنية التي ثمنها العالم في مؤتمر لندن التي أظهرت بتقاريرها إلى البنك الدولي عزما أكيدا على رفع معدلات التنمية ومكافحة الفساد والشفافية وتشجيع الاستثمار، والسوق اليمنية الكبيرة التي يمكنها استيعاب المنتجات الخليجية السعودية والإماراتية والعمانية، والإمكانات الزراعية والتسهيلات التجارية وقوة العمل البشرية الكبيرة، يمكن أن تكون مشجعة بصورة كبيرة للاستثمارات الخليجية لإقامة المشروعات الاقتصادية الزراعية والصناعية التي تؤسس لشراكة إقليمية عربية خليجية على أسس من المصالح المتبادلة والأخوة الإسلامية التي هي أكبر من كل المصالح .

mamdoh77T@hotmail.com