لم يتناول أغلب الذين كتبوا عن بنك جيرامين بعد حصوله على جائزة نوبل للسلام ـ مناصفة مع مؤسسه الدكتور محمد يونس ـ العوامل الحقيقية التي جعلت البنك يحصل على هذه الجائزة، ولا الأسس والقواعد التي تحكم عمليات البنك وجعلته ينجح في محاربة الفقر في بنغلاديش - البلد الذي يعيش فيه 36% من سكانه البالغ عددهم 131 مليون نسمة تحت خط الفقر المدقع حيث يقل دخل الفرد منهم عن دولار واحد في اليوم، بالإضافة إلى 20% آخرون على حافة الفقر المطلق.

وقبل عرض الأسباب التي أدت إلى نجاح البنك وتفعيل الأسس التي قام عليها بكفاءة عالية جعلته أول بنك في العالم ينجح في معالجة الفقر ويحصل على جائزة فيها عن اقتدار، يهمني الإشارة إلى بعض الملاحظات الضرورية التي بثتها هذه الجائزة:

ـ إن مجرد الإقراض لإنشاء المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر ليس أساساً لمعالجة الفقر كما يعتقد البعض، وإنما قد يساعد فقط في الحد منه، بينما الأساس الذي يؤدي فعلاً إلى معالجة الفقر بنسبة كبيرة هو توجيه الفقير إلى الإنتاج وتمويله بكل ما يساعد عليه ـ من أموال وتدريب وتعليم وتسويق لهذا الإنتاج، وهي دورة متكاملة تنقل الفقير من وضع سيئ إلى وضع حيوي يستطيع فيه أن يعيش بكرامة وباحترام، وأن يحصل على الحد الأدنى من لوازمه الحياتية الضرورية، وهي الفكرة التي اعتمد عليها الدكتور محمد يونس الذي أنشأ البنك.

ـ إدارة بنك له رسالة في معالجة الفقر يتعين أن تكون إدارة إنسانية، أمينة، متدينة، ومتعاطفة مع الفقراء مثلما كان عليه الحال بالنسبة للدكتور محمد يونس حيث تحلى بكل الصفات الإنسانية التي جعلته يصر على مساعدة الفقراء المعدومين الذين رآهم يتساقطون أمامه بعد مجاعة انتشرت في البلاد عام 1974 عندما مات ما يقرب من مليون نسمة لعدم توافر أساسيات ما يعيشون به ـ فلا مأكل ولا ملبس ولا مأوى، في حين أنهم يملكون قدراتهم التي وهبها الله لهم لكي يعيشوا مثل غيرهم من البشر ، ولكن كانت تنقصهم الخامات التي وفرها البنك لهم في ضوء الدراسات الشاملة التي أعدها مؤسسه أستاذ الاقتصاد.

ـ هناك عشرات الملايين من المستثمرين ورجال الأعمال الذين يمتلكون الوفرة والتعليم والتدريب التي يمكن أن تمد الفقراء باحتياجاتهم، ليس للعيش ولكن للعمل والإنتاج، غير أن أغلب هؤلاء الأثرياء يقومون بالمساعدة عن طريق مؤسسات خيرية تمدهم بالغذاء والاحتياجات الضرورية للعيش، وفي مقدمة هذه المؤسسات الخيرية مؤسسة «بيل جيتس وميلندا» التي تأسست عام 2000. ومؤسسة «بيتى وجوردن» التي تبرع لها مور وزوجته بنصف أسهم شركة انتل العالمية التي يملكونها حيث بلغت جملة تبرعاتهما حوالي خمسة مليارات دولار.

ـ السلام الحقيقي والتعايش السلمي بين جميع البشر، أغنياء وفقراء، أقوياء وضعفاء، لا يتحقق طالما هناك فقراء معدومين لا يجدون لقمة العيش بينما هناك أغنياء يمشون في الأرض مرحاً بعيداً عنهم، لأن الفقراء من حقهم العيش من عملهم ولكن أغلبهم لا يوافقون على المعونات والاعتماد على إعانات يحصلون عليها من الأغنياء، وهم يتطلعون إلى العمل والإنتاج وسط فرص تتاح لهم من القادرين عليها في مؤسسات وشركات وآليات وجمعيات أهلية وعليهم التقاط هذه الفرص والبحث عنها والتوجه إليها في ضوء الإمكانيات التي وهبها الله لهم.

من هنا تبدو أهمية هذه الجائزة التي تحمل بالتأكيد فكرا عالميا جديدا في معالجة الفقر، فطالما أريد للعالم أن يعيش في سلام وآمان فإن قضيته الأولى يتعين أن تتركز في القضاء على الفقر، ليس بتقديم المنح والمعونات من الأغنياء وإنما بوسائل جديدة وبالاعتماد على جهود الفقراء الذاتية ودفعهم إلى الأعمال المنتجة، وقد استخدم بنك جرامين هذه الوسائل العملية التي أنجزت الكثير في القضاء على الفقر بطرق عملية وبأيدي الفقراء أنفسهم، وذلك بتوجيه وقيادة الدكتور محمد يونس الذي بدأت فكرته في التنفيذ بإنشاء (بنك جرامين) عام 1976 وامتدت فيما بعد إلى 22 دولة عن طريق شبكة عالمية شملت 52 شريكاً.

وقد رأيت من المناسب أن أعرض فيما يلي الأسس الذي قام عليها بنك الفقراء والتي استخدمها في تأدية أعماله ولتحقيق أهدافه حتى تكون واضحة أمام المؤسسات المثيلة وخاصة التي يدعي منها أنه يقوم بمعالجة الفقر:

ـ يتعامل البنك مع مجموعات وليس مع أفراد، تضم المجموعة خمسة أفراد في المتوسط ويقدم قروضه إلى أفراد المجموعة كوحدة واحدة، فإذا مرض واحد في المجموعة أو تعثر في إنتاج السلعة التي حصل على القرض من أجل إنتاجها أعانه باقي أفراد المجموعة في العمل بحيث تكون المجموعة قادرة ومتضامنة في سداد القرض بأكمله، وهو ما ساعد على وصول نسبة السداد إلى 98% من مجموع المتعاملين.

ـ أقام البنك شركة لتسويق السلع التي تنتجها هذه المجموعات إلى الدول الأجنبية واستطاع في العام قبل الأخير أن يصدر أربعة ملايين متر من المنسوجات وحدها إلى إيطاليا وألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية وغيرها مما كانت تعود بعائد مجزٍ على أفراد المجموعات التي ساهمت في الإنتاج ساعدها في سداد القرض والحصول على ربح مجزٍ لكل فرد فيها.

ـ المقترضون الفقراء الذين يتعاملون مع البنك أصبحوا هم أنفسهم الذين يملكون البنك حيث وضع الدكتور محمد يونس الذي أنشأ البنك نظاما يؤدي إلى بيع سهم في رأس مال البنك قيمته عشرة دولارات للمقترض الذي يبدأ أحواله في التحسن ويقوم بسداد القرض، وبذلك فإن قروض البنك ساعدت النسبة الكبرى على تملك نصيب في رأس مال البنك يفوق ما تملكه الدولة.

ـ ان البنك هو الذي يذهب إلى الفقراء غير القادرين والعاطلين والذين لم يتعاملوا مع بنوك من قبل، وهو ما يختلف كثيرا عن البنوك التي نعاصرها اليوم في الشرق والغرب، حيث كان يعرض على هؤلاء الفقراء النشاط الإنتاجي والمال والخبرة لحين الوقوف على إقدامهم وإنجاحهم في الأنشطة التي يقومون بها ويواصلونها بعد ذلك ذاتيا، كما يساعدهم في عمليات التسويق.

ـ بلغ عدد المتعاملين مع البنك على مدى السنوات القليلة الماضية أكثر من عشرة ملايين وبلغت نسبة السداد في قروضهم حوالي 98% وهى نسبة لم يصل إليها بنك آخر في العالم، ولم يكن ذلك عن خوف العملاء من أي شروط للبنك، بينما توجد إقرارات عددها 12 إقراراً منها إقرار بأن يلتزم المقترض بإرسال أولاده إلى المدارس عندما يبلغون سن التعليم، وأن يعلم الأميين في عائلته القراءة والكتابة، وأن يلتزم بتنظيم النسل، وكل ذلك من الأمور الأولية التي تساعد الأفراد على التقديم للحصول على التمويل وتبعث فيهم روح التعاون والقضاء على التخلف وهذه هي الرسالة الاجتماعية للبنك والتي نجح فيها بشكل واضح.

أقول إن هذه الجائزة أكدت ان النظرة إلى معالجة الفقر بدأت تتغير خاصة وان هذا البنك نجح في مهمته ببنغلاديش وحول الفقراء بطرق علمية وعملية من العدم إلى العيش الكريم، وبذلك يعتبر أول مؤسسة تنجح في تأدية رسالتها في معالجة الفقر ليس بالمنح والعطاء المادي كما هو سائد في كثير من الدول الفقيرة، ولكن بتحويل الفقراء إلى منتجين ومنافسين وهو ما يبعدهم عن التفكير في أعمال إجرامية لا يقرها دين أو تشريع، خاصة وأن الحروب والكراهية والخلافات الإقليمية والصدامات العسكرية كانت بسبب الفقر وفقا لما أكده تقرير التنمية البشرية الصادر عن منظمة الأمم المتحدة للتنمية عام 2005.

إن وسائل مساعدة الفقراء كثيرة ويلجأ إليها كثير من أغنياء العالم ، ولكن وسائل معالجة الفقر قليلة ولم ينجح فيها إلا بنك جرامين وبالأساليب التي تم عرضها، وإذا امتدت هذه الأساليب إلى مؤسسات التنمية البشرية في كل البلاد الفقيرة فإن تحقيق الهدف الذي وضعته الأمم المتحدة للقضاء على نصف الفقر في العالم بحلول عام 2015 ستتحقق بالتأكيد، وعلينا في المنطقة العربية أن نعمل على تطبيق هذه الأساليب العملية سواء عن طريق مؤسسات الخير التي تساعد الفقراء أو عن طريق مؤسسات جديدة تنشأ لتحقيق هذا الغرض، وليس من الضروري أن تكون بنوكا تخضع لإشراف البنوك المركزية والحكومات التقليدية .

ومجاراة لعمل هذا البنك طالبت دراسة حديثة لأحد المستثمرين السعوديين بإنشاء بنك تكافل اجتماعي يساهم في القضاء على ظاهرة الفقر وتكون موارده من أموال الزكاة عند المسلمين والعشور عند المسيحيين بالإضافة إلى المستفيدين من موارد المشاريع الصغيرة التي يمولها البنك الذي انشأ مؤسسة لها فروع في 22 دولة مساهمة في تقديم العيش الكريم إلى حوالي 300 مليون شخص فقير معدم أغلبهم في الدول الإسلامية والعربية، غير أن مشروع البنك المقترح لن ينجح ما لم يتم على أسس وقواعد مثيلة لبنك جيرامين والتي لم يتناولها كثير من الكتاب .

إنها دعوة إلى كل القادة وكبار المسؤولين في الدول العربية ورجال الأعمال والمستثمرين العرب، دعوة لترتيب اجتماع لمجموعة عمل من ممثلين لهؤلاء جميعاً، تبحث في إنشاء مؤسسة كبرى تقوم على أسس ناجحة لمعالجة الفقر العربي وتحويل الفقراء والعاطلين في الدول العربية من معدمين إلى منتجين.

نقول لهم إن أحسن ذكرى يتركها الإنسان هو الانجازات التي يقوم بها لمعاونة الفقراء والمحتاجين ودفعهم إلى الحياة الكريمة،لأن الجميع مصيرهم إلى زوال وتبقى منهم الذكرى الطيبة والعمل الخيّر وليس هناك من يخلد لأكثر ما كتبه الله له.

كاتب اقتصادي مصري

moc.liamtoh@000yrsamley