«توشيات المهرج» هو عنوان العرض الذي شاركت به المغرب في مهرجان «طرطوشة» المسرحي «بين الثقافات»، عرض مسرحي حاز على إعجاب الجمهور والنقاد تناول حكاية خمسة مهرجين ملوا إضحاك الناس والأداء الكوميدي وحياة السرك الذي يعملون فيه، فقرروا ان يذهبوا إلى جمهور مختلف وان يجربوا خوض غمار حكاية مسرحية حزينة مغايرة، تضعهم في مناخات المأساة، ليعيشوا الوجه الآخر من هذا الفن.
في عرض من تأليف محمد مشتي ومن إخراج مولاي الحسن الإدريسي بدأ المهرجون الخمسة يدخلون إلى مكان العرض الجديد واحداً تلو الآخر، محاولين التخلص من الأداء الكاريكاتوري للذهاب باتجاه الأداء والعرض المختلف الذي ينقلهم إلى مناخات مختلفة اعتقدوا أنهم بذلك سيتخلصون من أسلوب الإضحاك الذي ملوا ممارسته، لهذا قرروا ان تكون حكايتهم حكاية مأساوية فيها الكثير من الحزن والبكاء، واشترطوا ان يكون فيها بحر من الدم وكثير من الأداء الشكسبيري، كما اقترح أحد الممثلين.
يقرر المهرجون الخمسة أداء حكاية الملك الذي تزوج من فتاة من عامة الناس ثم أنجب ولداً لتنتهي الحكاية بموت الملك الأب والملك الابن بعد حياة مليئة بالخيانات، لكن هذه الحكاية ستنقلب على مأساويتها لأنها ستتحول إلى حالات من التهكم ومن السخرية ولتحيل العرض إلى عرض كوميدي على عكس ما أرادوه. وما تعرض له المهرجون داخل مسرحيتهم هو مسرحية أخرى كان سببها اختلافهم ونزاعهم الدائم على من يقوم بدور البطولة أو دور الملك.
لعب المخرج الإدريسي لعبة ذكية خلال العرض من خلال اعتماد أسلوب المسرح داخل المسرح حيث تداخلت خطوط السرد والمتخيل ودلالاتهما لتنتج فرجة مستمرة في خلق المشاهد البصرية المختلفة والمتنوعة، وبهذا استطاع العرض أن يسيطر على جمهور الصالة الذي قاوم صعوبة اللهجة المغاربية بالتواصل مع الأداء والحركة والتشكيلات التي صنعها الأسلوب الإخراجي، الذي مال إلى التجريد والتجريب في نواح كثيرة.
مسرحية «توشيات المهرج» تفتح نافذة جميلة على شيء من تجليات الحداثة في المسرح العربي، فالعرض طاله شيء كثير من كسر الأساليب النمطية في السرد والأداء وأسلوبية الأفكار الإخراجية المعتادة، كما استطاع كسر الحاجز الرابع والالتحام بالجمهور من خلال المداخلات التي كان يطلقها الممثلون، وتجلت فنتازية العرض في الانتقال الزمني والمكاني والاختزال الشديد في مفردات الديكور التي تخلص من أحمالها وأثقالها باتجاه فكرة التبسيط، فالديكور لم يكن إلا مجرد شجرة جرداء، استخدم الممثلون أغصانها الخالية ليعلقوا عليها ملابسهم وإكسسواراتهم تموقعت على يسار عمق الخشبة، وكرسي خشبي تم توظيفه في صور معددة، فتارة يتحول إلى سجن، وتارة يتم تحويله إلى منصة خطابة، وتارة ثالثة يتم تحويله إلى برج استطلاع.
اختزال كبير اعتمدته فكرة الإدريسي المخرج وصولاً إلى فكرة البساطة التي فتحت مجالاً واسعاً للاعتماد على الأداء التمثيلي، الذي حمل الإيماء الفردي والجماعي ترميزات مقصودة، وشخص الممثلون أدوارهم المختلفة دون الابتعاد على الاتكاء الأول والرئيس إلا وهو شخصية المهرج ببنائها الخارجي والداخلي.
في إطار شعار مهرجان طرطوشة المسرحي «بين الثقافات» وشعار إطاره الفكري «المسرح في مقاومة الحرب» يطرح عرض «توشيات المهرج» الكثير من المقولات والرسائل ذات العلاقة بموضعة الحاكم والمحكوم.
تجدر الإشارة إلى أن مهرجان طرطوشة المسرحي يواصل من خلال عقد المزيد من اللقاءات بين الوفود المشاركة لفتح الحوار المسرحي على الواقع، حيث ابتدأت منذ أيام جلسات وحوارات العلاقة بين مسرح الشرق ومسرح الغرب.
طرطوشة ـ مرعي الحليان
