يشهد العالم اليوم تحولاً حقيقياً في دور الحكومات من مقدّم للخدمات العامة إلى منظّم للإطار العام لتقديم الخدمات ومحفّز نحو التطوير والتغيير الإيجابي، فقد شهدنا في العقود الماضية تحول الإدارة الحكومية في الدول المتقدمة وانتقالها من الإدارة التقليدية إلى ما يسمى بالإدارة العامة الحديثة.
وقد كان هذا التحول مدفوعاً بتغيّر المحيط العام من محيط مستقر إلى محيط تنافسي يحكمه التغيّير المستمر، وقد تحوّلت طبيعة المشكلات والتحديات من كونها واضحة وسهلة التحديد إلى تحديات معقدة ومتقلبة وسريعة التأثر بالمتغيرات العالمية.
أضف إلى ذلك الثورة التي شهدناها في عالم تكنولوجيا المعلومات والحوسبة وتأثيرات ذلك على أساليب إدارة المؤسسات والمجتمعات هذا التحول العالمي كان له الأثر الواضح على الإدارات والبيروقراطيات العربية التي بدأت تشعر بالضغط والحاجة إلى التطور والإصلاح.
فالحكومات العربية المتحفظة في معالجة الموضوعات ذات الطابع السياسي قامت عموماً بتركيز اهتمامها على أمور تتعلق بالتغيير الإداري، سواءً في محاربة الفساد، أو تحسين طبيعة ونوعية الخدمات المقدمة وبالرغم من أهمية هذه التغيرات فهي لم تعد كافية ولم تمكّن الحكومات من تحقيق أهداف الإصلاح.
فبين هذين الوضعين المتباعدين، وانطلاقاً من ضرورة التكيّف بدلاً من معارضة التغيير لضمان النجاح في عالم اليوم، تبرز أهمية «الابتكار في الإدارة الحكومية»، والذي هو توجّه جديد يتمحور حول أن إدارة الدولة وتقديم الخدمات الاجتماعية والتنمية الاقتصادية لم تعد حكراً على القطاع الحكومي، ولا يمكن اليوم تقديم الحلول الفعّالة والسياسات الناجحة من طرف واحد؛ لابد من تعاون وثيق ومستمر مبني على قيام الشراكات بين القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني، ومن هنا يبرز مفهوم الابتكار.
إن الابتكار في الإدارة الحكومية هو أداة تهدف إلى «إعادة الثقة» بالحكومات، وهو أمر مطلوب في العالم بشكل عام والعالم العربي بشكل خاص، ونظراً إلى ضعف التواصل مع الحكومة في المنطقة العربية، تحتاج الحكومات إلى ابتكار أنظمة وطرق جديدة لتلبية احتياجات مواطنيها.
ومن ضمن التغييرات الرئيسية المطلوبة حالياً تطوير هيكلية الحكومات وأنظمتها الإدارية لجعل الحكومة جزءاً من الحل بدلاً من أن تكون هي المشكلة والمعوّق الرئيسي للتنمية، ولتتمكن الحكومة من تحقيق التغييرات المطلوبة والإنجازات الإيجابية بإرادتها لا رغماً عنها.
في العالم العربي، تسببت البيروقراطيات غير الفعالة وضعف كفاءة شبكات الأمان الاجتماعي والأنظمة غير المرنة، إلى الحد من شرعية الحكومة في نظر المجتمع.
لهذا، فإن الابتكار في الإدارة الحكومية يمثل توجهاً ثورياً للحوكمة، لأنه من جهة، أداة ناجحة تسمح بتولد آفاق جديدة، ومن جهة أخرى يبعث بإشارات واضحة للشعوب لإعادة الثقة بحكوماتها كجهة مؤسسية تخدمها وتلبي احتياجاتها.
الأمثلة على ذلك كثيرة ونراها في كثير من دول العالم ولابد من البدء بالتعرف على هذه التجارب ودراستها بهدف تطوير كفاءة أنظمة الإدارة مثل تجربة إدارة المخلفات بالتعاون مع شركات القطاع الخاص في البرازيل وتجربة إشراك المواطنين في التصويت على أولويات وأوجه صرف الموازنة في بلدية المكسيك إلى تجربة مؤشر قياس رضا المتعاملين في حكومة دبي.
فالإدارة التقليدية كانت تصلح في محيط مستقر تغلب عليه الحماية الجمركية والسيطرة على الأنظمة الإعلامية وانغلاق الدول على نفسها. لكن ذلك تغيّر بدخول ثورة المعلومات والتكنولوجيا واتفاقيات التجارة العالمية وكافة نواحي ما يسمى بالعولمة. المحيط الحالي متغيّر، وبشكل سريع، وخاضع للمنافسة من دول وحكومات أخرى.
أضف إلى ذلك التطورات الهائلة التي حصلت في المجتمعات من ناحية النظم والعلاقات والأعمال والنهوض الكبير الذي حصل في العقود الأخيرة لمؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات العالمية التي تركز على «الإدارة الرشيدة في الحكومات» ومكافحة الفساد، والتي باتت تصنّف الدول حسب مؤشرات اقتصادية واجتماعية وتسلّط الضوء على نواحي القصور والضعف بشكل لم يسبق له مثيل.
في هذا المحيط، لم يعد بإمكان الحكومات إدارة أنظمتها اعتماداً على مفاهيم الإدارة العامة التقليدية المرتكزة على إدارة الممتلكات العامة واتباع موازنات غير مرنة وتقديم خدمات متدنية الجودة مقارنة بالقطاع الخاص.
العميد التنفيذي لكلية دبي للإدارة الحكومية