شارفت خسائر الأسواق المالية على اختتام عامها الأصعب في تاريخها، ورغم الانخفاض الذي أصاب أسعار أسهم الشركات المدرجة، إلا أن النتائج التي خرجت في موعدها بشرت بـ «نمو» نسبي طرأ على الغالبية العظمى، ولكن..
يُنظر إلى بعض هذه النتائج على أنها مضللة، والبعض الآخر يعتبرها بعيدة كل البعد عن أسس الشفافية المنشودة التي لطالما تسعى الجهات المسؤولة لبلوغها إلى أفضل المستويات، وهو ما يدفع إلى التأكيد بضرورة التركيز على الكم، والسرعة في الإفصاح، حيث جاء ذلك على حساب النوعية المرجوة في تلك البيانات الصادرة عن الشركات فيما يتعلق بأرباحها سواء كانت ربعية أو نصف سنوية.
فقد تمكنت بعض الشركات من إخفاء جانب من خسائرها التي تحققت، في الربع المالي بطرق عدة، أكثرها لفتاً للأنظار صب في تهميش أدائها خلال ثلاثة أشهر بالتركيز على أرباحها منذ بداية العام سواء كانت في تسعة أشهر أو في النصف الأول، وهي العبارة التي ترددت بشكل مستمر في عناوين الصحافي والنشرات الإخبارية بدلاً من الإفصاح عن أرباح الربع المالي جنباً إلى جنب مع حصيلة الأداء منذ بداية العام.
هيئة الأوراق المالية والسلع احتفلت بالتزام الشركات وسرعة إفصاحها عن بياناتها المالية خلال الفترة المحددة، ولكن الجانب النوعي كان خارج الحسابات أو إن صح التعبير بعيداً في بعض الحالات عن واقع تمثيل الملاءة المالية للشركة أو وضعها الحقيقي في ظل «انكسارات» أسعار الأسهم الذي أثر بدون أدنى شك على جزء من أرباح أنشطتها الاستثمارية سواء كان التأثير حقيقياً أو ضمن خانة في إعادة التقييم.
ويستطيع المتتبع أن يلحظ عدداً من المخالفات التي وقعت، فبعض الشركات كانت ترسل ميزانيتها الربعية دون توقيع المدقق، المالي خلافاً لما ينص عليه قانون هيئة الأوراق المالية والسلع في الجزء الثاني خاصة البند الرابع المتعلق بإفصاح الجهات والشركات المدرجة لأوراقها المالية في السوق وإدارتها،
الذي ينص في الجزئية السابعة على « تلتزم الجهات أو الشركات التي تم إدراج أوراقها المالية في السوق بإخطار وموافاة كل من الهيئة والسوق بتقارير سنوية ونصف سنوية وربع سنوية عن نشاطها ونتائج أعمالها بما يفصح عن مركزها المالي وذلك حال صدورها، على أن تكون معتمدة من مدقق حساباتها ومتضمنة كافة البيانات التي يطلبها السوق أو الهيئة من آن لآخر».
وبعض الشركات التزمت بجزئية المدقق،ولكنها تمكنت من إخفاء نتائج الربع ذاته بالتركيز على إجمالي الأرباح منذ بداية العام، والبعض الآخر تمكن من تحويل الاهتمام نحو الأرباح التشغيلية بمعزل عن الميزانية العمومية، وأخرى لم توضح طبيعة ميزانيتها إن كانت ربعية أو منذ بداية العام واكتفت بالقول على سبيل المثال «حتى الفترة 30/9/2006».
وفي حالات أخرى، استغلت بعض الشركات «جهل» صغار المستثمرين بالميزانيات المالية وكيفية تحليلها بنشر خبر صحافي معد مسبقاً من جانبهاً لتخفي حقيقة أصل أرباحها المسجلة في الفترة المالية، والتي تشكل عمليات إعادة التقييم 90% منها والتشغيل يكاد لا يكون له أي وجود!
«اللعب» على التأسيس
قال محمد علي ياسين العضو المنتدب والمدير العام لشركة الإمارات للأسهم والسندات، في هذا السياق «بعض الشركات لعبت على وتر التأسيس، إذ خرجت للمستثمرين بأنباء تتحدث عن نشاطها وأدائها المالي منذ تأسيسها وخاصة تلك الشركات الحديثة، لتغطي عجزها أو ضعفها المسجل في الربع المالي».
وأشار ياسين، إلى أن الأمر يتعلق بطبيعة نموذج إفصاح الشركات للهيئة، فنموذج الميزانية يجب أن يعاد توزيعه ونشره ليتضمن نقاطاً مهمة للتعرف على المركز المالي للشركة، بتضمنه، بند المصاريف، والإيرادات التشغيلية، والاستثمارات، وصافي الأرباح، ليتمكن المستثمر من مقارنة كل فترة مع الفترة السابقة بشكل واضح، ودون تعقيدات.
وأضاف ياسين «بعض الشركات سجلت هبوطاً في أرباحها الربعية بنسبة 45% ولكنها أعلنت عن ارتفاع في أربحها منذ بداية العام بنسبة 90%، وهو ما يضلل المحللين والمستثمرين، كما أن بعض الشركات تحدثت عن أرباح تأمين مرتفعة ولكن الشركة فعلياً خاسرة، كما أظهرت بعض الشركات أرباحها وخسائر في موجوداتها نتيجة إعادة تقييم الاستثمار في الموجودات، ولكن نمو الأرباح المعلن في الميزانية لم يعكس خسارة الموجودات وهو ما لم يظهر حقيقة خسارتها».
وطالب ياسين أن تظهر الشركات معلوماتها ضمن المعايير الدولية وتوعية المستثمرين بكيفية القراءة والبحث في الأرقام، فبعض الشركات شكلت عمليات إعادة التقييم 90% من صافي أرباحها الربعية المعلنة، وهو ما لا يستطيع أي مستثمر صغير أو غير مطلع على كشفه، ولكنه برر قيام بعض الشركات بتجاهل بعض البنود في ميزانيتها بسبب عنصر الوقت الضيق الذي تمنحه الهيئة خاصة إذ ما كانت هذه الشركات قابضة، تضم مجموعة من الشركات والتي تحتاج للوقت والجهد لتتمكن من إعداد ميزانية مجمعة للمجموعة، وهو ما يشكل ضغطاً عليها.
«فورمات» الميزانية
زايد الدباس المستشار في بنك أبوظبي الوطني، أشار إلى أن هيئة الأوراق المالية والسلع هي الجهة الوحيدة المسؤولة عن كيفية ترتيب المعلومات المفصح عنها، وقال «هيئة الأوراق المالية والسلع وضعت «فورمات» خاصة للشركات التي من المفترض التقيد بها، سواء من حيث المعلومات وكيفية الإفصاح،
ويعتبر قطاع البنوك من أكثر القطاعات التزاماً وتوفيراً لأكبر كمية من المعلومات والنتائج المالية والتي تمكنت من مساعدة المستثمرين المتخصصين للحكم على أداء الشركات الربعي والتي عادة ما تكون غير دقيقة قياساً بالميزانية السنوية التي تخضع للتقييم وتدقيق الخارجيين».
وانتقد الدباس اهتمام المستثمرين وخاصة الصغار منهم بصافي الأرباح فقط والنمو المتوقع خلال العام فقط دون التركيز على أداء وأعمال الشركة ووضعها المالي، فمصادر الأرباح يجب أن تكون واضحة للعيان، وعلى المستثمرين التفريق بشكل واضح ما بين النشاط التشغيلي والاستثماري،
مؤكداً أن بعض الشركات تسعى للمحافظة على سعرسهمها مستعينة ببعض الغموض وللأسف فإن مديري الشركات لا يأخذون بعين الاعتبار وضع السوق والمستثمر المحتمل دخوله والذي يبحث بدوره عن بيانات مالية دقيقة وواضحة. وأشار الدباس إلى أن قطاع الخدمات يعتبر بصورة عامة أكثر القطاعات تعقيداً وصعوبة ولابد من الهيئة التركيز عليه لأنه قطاع متشعب النشاط، ومتفرع والمفترض أن يكون لكل قطاع فورمات خاصة به.
مطالب وحلول
من جهته يقارن حمود عبد الله الياسي المدير التنفيذي لمكتب الإمارات الدولي للأوراق المالية، بين طبيعة الأخبار المنشورة عن أداء الشركات وأرباحها خلال العام الحالي مقارنة مع شكلها وطبيعتها في العام الماضي، مشيراً إلى أن الأخبار في العام 2005 كانت تركز وبوضوح على زيادة صافي الأرباح سواء كانت ربعية ومتبعة بأدائها منذ بداية العام الحالي.
أما الآن فيقول الياسي «نلاحظ ميزانيات تتحدث عن أرباح تسعة أشهر ولا تصرح عن أرباحها الربعية، وهو أمر يصب في الحملات الدعائية والمتخصص يستطيع كشف هذه الأمور، أما الصغار فإنهم يضيعون بين الأرباح والنمو الحاصل».
وطالب الياسي أن تقوم الصحافة بدور تثقيفي للمستثمرين، وقيام الهيئة بإخراج ملخص لنتائج الربع الثالث ونموها مقارنة مع الفترة نفسها، مع مراعاة النمو الحاصل في رؤوس أموال الشركات خاصة تلك التي قامت برفعه عن طريق إصدارين مختلفين أو بواسطة قسطين، إلى جانب مراعاة صافي الأرباح التشغيلية الذي تقوم بعض الشركات بتهميشه، وتوضيح فوائد وأرباح الاكتتابات وما إلى ذلك من أنشطة استثمارية تصب في إعادة التقييم للأسهم أو الأراضي والتي لا توضحها بعض الشركات المفصحة.
معايير محاسبية جديدة
من جهته أشار خالد بن كلبان العضو المنتدب والرئيس التنفيذي لشركة دبي للاستثمار، إلى أن المبادئ المحاسبية تتبع نوعاً من المرونة على مقياس 1 إلى 10، ومن خلال هذا المدى يلتزم بعض المراقبين الخارجيين بأخذ أفضل الأسس والمعايير وأقصى درجة من الدقة،
في حين يختار البعض الآخر نسباً أخرى من المعايير بما يتناسب مع توجهاتهم وسياساتهم تجاه الشركات التي يدققونها، وهذه القضية تتمثل في الشركات العقارية بشكل خاص، فبعض الشركات تقوم بإدخال أرباح العقد بأكمله عقب توقيع الشركة مع العميل وحصولها على 10% من قيمة الصفقة،
في حين ترفض شركات أخرى القيام بهذا الإجراء، حتى انتهاء الصفقة وإتمام دفع القيمة الإجمالية للعقد، وهو الأمر الذي خلق خلافاً كبيراً بين شركات التدقيق من جهة والشركات العقارية أو الشركات المدرجة فيما يتعلق بصيغة الأرباح وإظهارها في الميزانيات.
وأشار بن كلبان، إلى توقعات بانعقاد اجتماع على مستوى عالمي في لندن لمناقشة هذا الأمر، وتوحيد الأطر والنظم بين المدققين للخروج بميزانيات واضحة والاتفاق على هذه البنود والأمور، ليتمكنوا من توحيد المعايير وإدخال الأرباح بالشكل الملائم والمناسب وحسابها بطريقة واضحة للمستثمرين.
المادة 36 من قانون الإفصاح
تلتزم الجهات أو الشركات التي تم إدراج أوراقها المالية في السوق بإخطار وموافاة كل من الهيئة والسوق بما يلي:
1 ـ كافة البيانات والإحصائيات التي تطلبها الهيئة أو السوق
2 ـ المعاملات التي تمت على تلك الأوراق خارج السوق، وذلك قبل قيدها في سجل الأسهم.
3 ـ عدد الأسهم التي يملكها أعضاء مجلس إدارة الشركة خلال (15) خمسة عشر يوماً من توليهم العضوية، كذلك في نهاية كل سنة مالية، وعن جميع عمليات التداول التي يقوم بها أعضاء مجلس إدارة الشركة وإدارتها التنفيذية.
4 ـ تفصيلات بيع أو شراء بعض الأصول الكبيرة التي تؤثر على وضع الشركة.
5 ـ الوثائق الخاصة بالتعديلات التي أًدخلت على النظام الأساسي للشركة، وذلك بمجرد إقرارها.
6 ـ أية تغييرات تتعلق بالهيكل الإداري للشركة على مستوى مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية.
7 ـ تقارير سنوية ونصف سنوية وربع سنوية عن نشاطها ونتائج أعمالها بما يًفصح عن مركزها المالي وذلك حال صدورها، على أن تكون معتمدة من مدقق حساباتها ومتضمنة كافة البيانات التي يطلبها السوق أو الهيئة من آن لآخر.
8 ـ نسخ المطبوعات المخصصة لمساهمي الشركة وذلك بمجرد إصدارها.
9 ـ قرار مجلس إدارة الشركة الخاص بتوزيع الأرباح على المساهمين أو بالإعلان عن الأرباح والخسائر لأخذ موافقة السوق على نشره.
10 ـ أسماء من يملكون أو وصلت مساهمتهم مع أولادهم القصر إلى 5% فأكثر من أسهم الشركة، وذلك مع مراعاة التقيد بهذا الالتزام في كل مرة تصل فيها المساهمة إلى 1% من أسهم الشركة علاوة على الـ 5%.
«الهيئة» تحلل البيانات
قالت مصادر مطلعة أن هيئة الأوراق المالية والسلع تستعد لتطوير قسم الإفصاح، باستحداث أنظمة لتحليل بيانات الشركات وعدم اقتصار دور الهيئة على استلام البيانات ونشرها على الموقع، وإصدار نموذج خاص لتلتزم به شركات التدقيق والشركات المدرجة في ميزانياتها الربعية لمراعاة أدنى حد من البيانات المالية المتعلقة بأداء الشركات في الفترة الربعية أو النصفية أو السنوية.
وأشارت المصادر إلى أن هذه الخطوة تصب في إطار أهداف الهيئة والتطوير المستقبلي، خاصة في ظل اتحاد البورصات العربية الجديد، الذي سيفتح الباب واسعاً لهذه البورصات من أجل توحيد قوانينها وتطوير أنشطتها ومتطلبات الإفصاح والشفافية. وأشارت المصادر إلى أن المدة الزمنية التي منحت للشركات في الربع الثالث للإفصاح عن بياناتها المالية كانت مضغوطة بسبب إجازة العيد، ولكن في الوقت ذاته أكدت أن بيانات الربع الثالث يشترط أن تكون مراجعة دون الحاجة لشرط تدقيقها.
تحقيق ـ سمير حماد:
