تناولت أغلب الأفلام العربية المعروضة في «أيام قرطاج السينمائية»، موضوع العنف والتطرف والإرهاب والاغتصاب، وخلا معظمها من تناول العلاقات الاجتماعية والرومانسية العادية، وقد تعودنا على مدى سنوات طويلة أن نرى الوجه السعيد لنهاية قصة الفيلم، إما بزواج الأبطال أو بنجاح الأبناء أو بعودة الغائب، أما اليوم فلقد باتت أغلب النهايات ترمز للموت أو الفراق، حتى فيلم افتتاح المهرجان «الأهالي» كان يجسد النوعية ذاتها من الأفلام، فهل غابت سمة الفرح عن مجتمعاتنا العربية في ظل الظروف الصعبة التي تحيط بنا ؟
يرى الفنان السوري ماهر صليبي أن صور الحرب التي نراها في الأخبار بشكل يومي هي رسالة أصدق وأدق من الصور التي يستطيع أن يصورها المخرج في فيلم، ولاننسى أن الصور ذاتها التي تنقلها لنا المحطات الإخبارية تذاع في العديد من الدول الغربية، هذا لو اعتبرنا أن المخرجين يريدون أن يوصلوا إلى الجمهور الغربي صورة الدمار والخراب والقتل المجاني الذي يمارس على العرب، حتى يتعاطف معنا، ولذلك أعتقد أننا بحاجة إلى طرح من نوع آخر، فأنا لست ضد فكرة أن يُصور الفيلم حجم المأساة التي يعيشها العراقي أو الفلسطيني أو اللبناني.
ولكنني ضد كثرتها وإصرار المخرجين على قتل أبطالهم في نهاية الفيلم، وأتمنى من كل قلبي أن يصور مخرج في العراق أو فلسطين أو لبنان قصة حب عاشها طرفان وسط تلك الحروب، فأنا استمعت إلى العديد من القصص الجميلة والمؤثرة التي حدثت في وسط تلك المشكلات، فالوردة تزهر وسط الشوك، ويجب ألا نقطع الأمل من نفوس أولادنا.
أما الفنان نصير شمة مؤلف الموسيقى التصويرية للفيلم العراقي «أحلام » الذي تناول موضوع الحرب الأميركية على العراق وتداعياتها على المجتمع العراقي، فاعتبر أن الدول العربية والإسلامية ودول العالم الثالث تعيش في وسط حرب مفتوحة سلطها علينا تجار السلاح حتى ينشطوا مصانعهم .
مشيراً إلى أن المبدع لا يستطيع أن يعيش بمعزل عن هذه الجرائم فيبدأ في تناولها، حيث تصبح العملية وكأن حياته الفنية مسكونة بهذا الوجع، وأظن أن كل الحروب التي مر بها العالم على مدار سنوات وقرون تناولها أهم المخرجين في أفلامهم سواء كانوا عرباً أو أجانب، فالحروب العربية ليست موضوع الساعة.
وأضاف شمة قائلاً: لا يجب أن تكون السينما مرآة للحياة فهناك جوانب أخرى نستطيع التطرق إليها، ولكن هذا تأثير الواقع على المبدعين .
والأهوال دائماً ما تشغل بال المبدع والفنان، ولذلك نرى أن أغلب الأفلام باتت تتناول قضايا القتل والحرب والفقر وهكذا..
وتؤكد الفنانة التونسية ربيعة بن عبد الله المقيمة في فرنسا على ضرورة أن تتناول السينما العربية قضايا الساعة، وتقدم صورة واضحة عن الظلم الذي يقع على الإنسان العربي بمجرد أنه يحمل الهوية العربية .
مشيرة إلى أن كل الأفلام الموجودة حالياً في قاعات السينما تحكي قصصاً واقعية عن العنف والظلم، فدور المخرج أن يطرح قضايا بلده ودور المشاهد أن يتعاطف معه ويساعد مجتمعه، فصورة العربي المتهم بالإرهاب يجب أن تلغى من التفكير الغربي الذي بات يعامل أي إنسان عربي على أنه إرهابي، فكيف سنغير الفكرة إذ لم نسع لها، فأفلامنا اليوم تتعرض لتعريف مفهوم الإرهاب من جديد وتسند الدور للآخر فالعربي الذي يدافع عن نفسه أمام المحتل أصبح ينعت بالإرهابي ؟ ولو فكر قليلاً المشاهد الأميركي أو الأوروبي وشاهد أفلامنا سيعرف من هو الإرهابي الحقيقي .
وتتابع ربيعة حديثها قائلة: لا ننسى أن أغلب هذه الأفلام تشارك في مهرجانات عالمية ويشاهدها كل الناس بلا استثناء، وأنا مؤمنة بأن دور الفنان الحقيقي يتمثل بطرح قضايا بلده، وربما لن نشاهد نتيجة هذه الأفلام الآن .
ولكن أحفادنا سيعرفون قيمتها عندما يرون نتائجها الإيجابية مستقبلاً والغرب يجب أن يعرف من هو العربي فبغداد التي دمرت بالكامل كانت مهد الحضارات، وفيلم «الأهالي» الذي افتتح به مهرجان قرطاج أتى في الوقت الذي ثارت فيه فرنسا على من يحمل الأصول المغاربية، فتذكروا حينها أن فرنسا تحررت بدماء عربية وبتضحيات أجدادنا ومحاربينا الأبطال.
وقال الفنان التونسي رؤوف بن عمر إن أيام قرطاج السينمائية تحمل شعار السينما الهادفة وتشجع الأفلام غير التجارية، ولذلك نجد أن أغلب الأفلام باتت تطرح موضوع الساعة أي موضوع الحرب والإرهاب.
وأضاف قائلاً: « أنا لست ضد طرح موضوع الحرب والإرهاب في الأفلام، ولكنني ضد الخلط في تناول المواضيع فالمخرج العربي أصبح مسكوناً بالعديد من المشاكل والقضايا، فنجده يحشر الكثير من القصص في وسط فيلم واحد فيشتت المشاهد عن الفكرة الحقيقة للفيلم ».
وختم بن عمر حديثه قائلاً: من أكثر الأفلام التي شدتني تناولها لموضوع الإرهاب فيلم المخرج النوري بوزيد «آخر فيلم» لأنه استطاع أن يطرح قضية الساعة في شخص الشاب العربي الذي أصبح حائراً في اختيار الطريق السليم في غياب التوجيه، وأعتبر أنه موضوع مهم وجريء يستحق نيل جائزة المهرجان عن جدارة .
