يُعتبر الفيلم العراقي « أحلام » من أهم الأفلام الطويلة المرشحة لنيل جائزة مهرجان «أيام قرطاج السينمائية»، لأن مخرجه محمد الدراجي استطاع أن ينقل للجمهور صورة واقعية تعاش يومياً في العراق وتتمثل بفقر قاتل، ودمار نفسي وروحي شامل، ونسف وحشي لكل معاني الحياة،
وذلك من خلال قصة «أحلام» التي يُختطف عريسها يوم الزفاف، فيتم نقلها إلى مستشفى للأمراض النفسية والعصبية لتُعالج، وقصة «علي» الذي يكون الشاهد الوحيد على مقتل صديقه المقرب في قصف أميركي ، ويدخل هو الآخر إثر ذلك إلى المستشفى ذاتها، وتدور الأحداث إلى أن يُقصف المستشفى ويتوه الاثنان في شوارع بغداد. واللافت أن مخرج الفيلم وطاقمه تعرضوا لعملية اختطاف أثناء التصوير .. وفيما يلي حوار مع المخرج محمد الدراجي وبطل الفيلم خالد كحيل: * في البداية، ماذا عن الأجواء التي رافقت التصوير ؟ بادرنا الدراجي بالقول : أيام التصوير كانت متعبة جداً، والموت كان يتربص بنا في كل خطوة ، خاصةً وأننا دخلنا إلى قلب المعركة، وصورنا في أيام عصبية مرت بها بغداد، وقد حاول الطيران الأميركي أن يقصف موقع التصوير أكثر من مرة لولا ألطاف الله.
وحول الموقف ذاته، حدثنا الممثل خالد كحيل قائلاً: «كنت أودع والدتي قبل خروجي من البيت، وأقول في نفسي إن ذلك سيكون الوداع الأخير، لأننا كنا نصور في مناطق خطرة، وفي فترة يعاني فيها العراق من الاحتقان الطائفي وغيره، وقد تعرضنا فعلاً لعملية اختطاف، وضُربنا، ثم تركونا بعد أن اقتنعوا بأننا نصور الفيلم لنتحدث عن معاناة العراقيين، وننقل وجعهم إلى الخارج» .
* وهل انتهت الأزمة عند هذا الحد ؟
الدراجي: تعرضنا لعملية اختطاف أخرى بعد أيام، وقادونا إلى المحتل الأميركي ليحبسنا هو بدوره في أحد سجونه، وبعد أن أمضينا أياماً مريرة عدة في السجن أطلقوا سراحنا ، بعد أن عرفوا أنني أحمل الجنسية الهولندية. كحيل : لقد عرضوا علينا صور سجن أبو غريب، وكانوا يقولون لنا إنهم سيفعلون بنا مافعلوه بسجنائه.
* وعلى الرغم من كل ذلك لم تستسلموا ؟
كحيل : قررت ألا أستسلم، خاصةً وأن صديقي المقرب قُتل أيام التصوير والسبب هو أن جواز سفره كان يحمل التأشيرة الأميركية حضرها قبل أن يتجول مع طاقم مسرحيته في العديد من الدول ومنها الولايات المتحدة، ولكن الموت خطفه قبل سفره بأيام، ومن سخرية القدر أنني أحمل التأشيرة ذاتها، ولكن الخاطفين لم ينتبهوا لها، فقررت مواصلة المشوار، فنحن كلنا معرضون للموت في كل دقيقة، ولا ننكر أن المخرج محمد الدراجي كان يشد من أزرنا ويشجعنا على الاستمرار، ويحاول أن يخفف من جو التوتر الذي كنا نعيشه خلال التصوير .
* أستاذ محمد الدراجي ، طرحت في الفيلم قصة (أحلام) وقلت إن القصة حقيقية، فكيف تعرفت إليها وأنت مقيم في هولندا ؟
- شاهدت تحقيقا على قناة الـ « .. » كان يحكي عن مستشفى الأمراض النفسية في العراق، وظهرت في التحقيق فتاة اسمها «أحلام » ترتدي ثوباً أبيض تحدثت بلغة غير مفهمومة،
وفي الليلة ذاتها، حلمت بـ «أحلام» الحقيقية تتجول تائهة في شوارع بغداد، وتتعرض للاغتصاب، فقمت بكتابة الحلم، وبعد شهر عدت إلى العراق، وقصدت المستشفى ورأيت احلام، وقرأت ملفها النفسي وبقيت هناك لمدة ثلاثة أسابيع درست فيها حالة المرضى بصفة عامة، وعايشت معاناتهم اليومية .
كما أردت أن أنقل للمشاهد قصة من ألف قصة تحدث كل يوم في عراقنا المحتل، وبدأت فكرة الفيلم تسكنني إلى أن قررت تنفيذها، فكتبت الحوار واخترت الممثلين وأخرجت الفيلم وأنتجته بنفسي .
* وكيف تم التعامل بينك وبين الموسيقي نصير شمة في الفيلم ؟
- الأستاذ نصير هو من أعظم الموسيقيين خلقاً وفناً، وعرضت عليه القصة وقد أعجب بها وقرر أن يساعدني في الموسيقى التصويرية للفيلم، وقد كان حضوره إلى تونس للعرض الأول للفيلم بمثابة الوسام الذي سأعلقه على صدري طوال حياتي.
* خالد ، نعرف أنك رفضت اللجوء السياسي إلى أميركا وكندا، وقررت العودة إلى العراق بعد أن عرضت إحدى مسرحياتك هناك ؟
- نعم، فموت صديقي هزني من الداخل، ولا أستطيع أن أبتعد عن بلدي مهما كانت الإغراءات، فعندما أخرج من البيت أقول في نفسي إنني سأموت بنسبة 95بالمئة، ومع ذلك فبغداد هي أجمل أماكن الأرض، والعمل عبادة ففني وعملي هما أساس حياتي .
* محمد ، شعرنا أنك ركزت على استبداد صدام بالعراقيين، وتجاهلت استبداد المحتل الأميركي نوعاً ما ؟
- الفيلم أدان الاثنين معاً وما فعله صدام على مدار 35 سنة جعل العراق لقمة سهلة في فم المحتل الأميركي، وقد أظهرت مساوئ الاثنين معاً ولا يجب أن ننسى أنني تناولت قصة من ألف قصة تحدث يومياً في العراق.
* بعد أن نجح فيلمك جماهيرياً في تونس خلال المهرجان، هل تتوقع أن يفوز بالجائزة؟
- جائزتي نلتها من الجمهور الذي ساندني وصفق لي بشدة بمجرد انتهاء الفيلم، وهذا يكفيني وتبقى الجائزة شيئاً مادياً وثانوياً .
تونس - ضحى السعفي:

