ما بين دخول العرب إلى إقليم الأندلس وخروجهم منه بعد ثمانية قرون كاملة في عام 1492 ولدت هناك حضارة عربية إسلامية تفوق الوصف من حيث الإبداع الثقافي والعمراني الفريد الذي ما زالت شواهده باقية حتى اليوم مجسدة في معالم عديدة أهمها المسجد الجامع في قرطبة التي كانت عاصمة الخلافة في الأندلس ويسميه الأسبان اليوم «موزكيتا» وتعني المسجد بالأسبانية إضافة إلى قصر أو ان شئت فسمها قصور الحمراء في غرناطة وهما درة التاج في إقليم الأندلس الذي يعد واحدا من أجمل أقاليم أسبانيا وأغناها حضاريا وثقافيا.

شركة لوفتهانزا الألمانية وضمن احتفالاتها بمرور 50 عاما على وجودها في الشرق الأوسط اصطحبت عددا من الصحافيين العرب في رحلة إلى داخل إقليم الأندلس وبالتحديد إلى كل من قرطبة وغرناطة في إشارة تسجل لطائر الكركي كتعبير عن التزامها بالمنطقة العربية واحترامها لذلك الإرث الحضاري والثقافي الذي خلفه العرب هناك.

يتميز إقليم الأندلس بطابعه المتوسطي وطقسه المعتدل صيفا وشتاء وهو يضم مدنا عريقة مثل قرطبة وغرناطة واشبيلية وقادش. وإقليم الأندلس غني جدا بالمحاصيل الزراعية خصوصا أشجار الزيتون التي تمتد على مساحات شاسعة بين غرناطة وقرطبة الأمر الذي يجعل من أسبانيا اكبر دولة منتجة لزيت الزيتون في العالم فضلا عن المحاصيل الأخرى في ذلك الإقليم ومنها الحبوب والمحاصيل والقطن والخضروات والأرز وكروم العنب الأمر الذي يجعل من الأندلس جوهرة أسبانيا الحقيقية.

في هذا الإقليم ترك العرب بصماتهم وصوت حضارة طبعت أسبانيا في مجال التقنيات الزراعية والاقتصادية وقد استمرت الأندلس العربية مدة ثمانية قرون، ووصلت أسبانيا آنذاك إلى ذروة المجد والحضارة على جميع الأصعدة والمستويات.

زوار أسبانيا يحرصون على زيارة الأندلس، الزمن العربي الجميل، في قصر الحمراء أشهر وأجمل القصور في أوروبا، ومسجد قرطبة أكبر وأقدم مسجد في أوروبا والذي أضفى على أسبانيا الروح الإسلامية بكل المقاييس، بالإضافة إلى مدينة طليطلة أو توليدو كما ينطقها الأسبان ولاشك أن العرب والمسلمين تركوا بصمة تاريخية في أسبانيا وشيدوا انجازات وآثارا إسلامية عريقة خلدت أمجادهم على مر العصور.

وأسبانيا رغم كل مشاعرها التاريخية تجاه العرب والمسلمين إلا أنها تفتخر بما لديها من تراث معماري إسلامي عظيم ويتمسك بعض أهاليها ببعض العادات والتقاليد التي توارثوها من المسلمين، هناك الكثير من المناطق والشوارع التي تنطق بلغة الضاد وتحمل أسماء عربية، مثل اسم «موزكيتا» أي المسجد وفي بعض المدن عادات قريبة للعادات العربية واحتفالات شبيهة بما يحدث في عيد الأضحى إذ تقوم بعض العائلات المقتدرة في يوم محدد كل سنة بذبح «خروف» ويقول البعض إن هذه العادة قد تكون مكتسبة من المسلمين عندما كانوا يحتفلون بعيد الأضحى المبارك هناك ومع مرور الزمن تغير التاريخ لدى الأسبان وأصبح يوما ثابتا في العرب.

حضارة العرب وعمارتهم في الأندلس فاقت كل ما أنتجته الحضارة العربية الإسلامية في أماكن أخرى، هنا امتزجت الحضارة بالطبيعة فخلقت نموذجا سمحا اعترف بالتعدد والاختلاف وقتما كانت أوروبا لا تزال في عصورها الوسطى.

الماء هو العنصر الغالب والمكون الأوضح في هذه الحضارة، وينقسم المؤرخون في تفسير ذلك:فريق يرى أن العرب الفاتحين القادمين من رحم الصحراء عرفوا قيمة الماء فبرعوا في الاستمتاع به، وآخر يرى أن الأندلس عكست في النفس العربية الصورة المبتغاة لجنات الخلد التي وصفها القرآن فصارت فردوسهم على الأرض.

قرطبة وجامع الألف عمود

كانت قرطبة حاضرة للخلافة الأموية في الأندلس حتى سقوط الخلافة عام 1031 ميلادية، تبقى شيء من جامعتها التي كانت الأولى في أوروبا وأنجبت الوليد بن رشد (أفيروس) وابن باجه وبن طفيل ومحمد الغافقي وابن حزم الأندلسي.

تدلف من الجسر الروماني على نهر «الوادي الكبير» ـ لا يزال محتفظا باسمه العربي ـ فينتابك شعور بالرهبة والحنين أمام المسجد الجامع الذي لا تزال تعلو جدرانه المنيعة نقوشه القرآنية مخلدة عبقرية فنية نادرة وهو مسجد يتألف من ألف عامود ويمتد على مساحة 24 ألف متر مربع. ساحة المسجد الذي تحول إلى كاتدرائية بعد سقوط قرطبة في أيدي الأسبان عام 1236 ميلادية كانت تملؤها أشجار البرتقال والرمان وكان يأكل منها الجائعون والقادمون إلى المدينة من بقاع شتى.

على مساحة 24 ألف متر أقيم المسجد الجامع في قرطبة ليكون واحدا من أكبر مساجد العالم الإسلامي، بدأ بناؤه عبد الرحمن الداخل في عام 755 هجرية وتم توسيعه ثلاث مرات حتى وصل مساحته الحالية.

يقوم المسجد الجامع على أكثر من ألف عمود وكان يتسع يوما لأربعين ألف مصل وقتما كان سكان قرطبة نصف مليون نسمة.

لم يرغب الأسبان في هدم المسجد عقب سقوط قرطبة فحولوه إلى كنيسة تملأ جدرانها النقوش القرآنية تتداخل مع التماثيل والأيقونات المسيحية وشواهد رفات القديسين ورجال الدين الذين دفنوا في المكان.

وبدلا من مسمى المسجد الجامع صار اسمه «موزكيتو ـ كاثدرائيل» أي المسجد الكاثدرائية في إشارة لا تتكرر لمكان عبادة مسيحي، حتى مئذنته الشاهقة أحيطت ببرج مربع تنتصب فوقه أجراس الكنيسة، لإخفاء طابعها الإسلامي.

بيوت يغمرها الضوء والشمس والظلال في الساعات المختلفة للنهار، يقوم البناء حول ساحة فسيحة تتوسطها فسقيات الماء، الذي ينهمر من (مزاريب) الأسطح ليتخلل أرضية يكسوها الحصى ويمر عبر الفسقية في نافورة بديعة وهكذا دواليك.

وعلى بعد خمسة أميال تقريبا من قرطبة القديمة تقف بقايا مدينة الزهراء التي قيل إن الخليفة عبد الرحمن الناصر شرع في بنائها تكريما لجارية شغف بها حبا واستغرق بناؤها 17 عاما، لكنها دمرت بعد خمسين عاما في فتنة قيل إنها قامت بين العرب والبربر.

غرناطة وقصر الحمراء

وهي مدينة مشهورة بجامعتها وأجوائها الثقافية والفنية الراقية وأهم معالمها قصر الحمراء الشهير الذي يشهد على عظمة الحضارة العربية ـ الإسلامية في الأندلس. وهو يقع على هضبة مليئة بالغابات والأشجار ويطل على كل المنطقة.

وتعد غرناطة درة عقد هذه الحضارة التي سقطت بسقوطها وكل شيء فيها يشير إلى ذلك الماضي العربي.

تشق طريقك إلى الميدان الرئيسي لتمر عبر الكاتدرائية الكبرى في المدينة وقد أقيمت وسط الحي التجاري، كان يعرف ب«القيسرية» وهو الاسم الذي تتخذه الأحياء المماثلة في كثير من المدن العربية حتى اليوم.

ملامح المعمار القوطي في الكاتدرائية لا تخفي ما تحتها من معمار إسلامي فقد أقيمت على أنقاض مسجد المدينة القديمة، وفي مواجهتها تقع المدرسة القرآنية التي بناها يوسف الأول في القرن الرابع عشر، لا تزال نقوشها القرآنية غالبة رغم التعديلات المختلفة التي لحقت بها في القرن الثامن عشر.

لكن زيارة غرناطة أو الأندلس عامة لن تكتمل دون إطلالة مطولة على قصور الحمراء، التي شيدها ملوك بني الأحمر في وقت كانت فيه غرناطة تقف واحدة كآخر معاقل المسلمين في الأندلس حتى ان الفندق الذي أقمنا فيه يحمل اسم الناصريين دلالة على إحدى العائلات العربية التي عاشت هناك.

لا تكشف قصور الحمراء عن أسرارها للوهلة الأولى، فأسوارها الشاحبة تخفي داخلها كنوز من الفن المعماري تؤكد بدورها أن الحضارة العربية في الأندلس لم تتخل عن تذوق الجمال والاستمتاع به حتى والانهيار يتهددها وكأنها تعيش أبدا. لكن رؤية كل ذلك تخلف في النفس انطباعات متضاربة إذ لا يخلو جدار واحد داخل الحمراء من نقش لعبارة «لا غالب إلا الله». فهل كان بنو الأحمر يتوقعون الهزيمة بين لحظة وأخرى، وهل ثمة تسليم أكبر بالقدر من تلك العبارة؟

قبل الدخول إلى ساحات القصبة الجديدة ـ تعني القلعة ـ سيجد الزائر نفسه أمام أثر لا يمت للمكان بصلة. قصر على الطراز الروماني بناه الإمبراطور كارلوس الخامس ليبز به قصور الحمراء في عام 1527 ولم يتم حتى القرن الثامن عشر.

ويجتاز الزائر أسوار الحمراء عابرا بمحراب صغير طغت عليه نقوش مسيحية ثم بأقواس خشبية تقود إلى صالة الريان، وهي صالة واسعة لا سقف لها وسطها بركة مستطيلة تمثل مياهها مرآة عاكسة لجمال الجدران والزخارف المحيطة بها.

ولا يتكرر الشكل الواحد مرتين في زخارف الحمراء وهو ما يكسر أي شعور بالملل أثناء التجول فيها، فالمقصورات والأقواس والأعمدة وفسقيات الماء تتخذ أشكالا متنوعة من مكان لآخر. صالة الأسود تشكل لوحة نادرة فهي تقوم على 124 عمودا من الرخام الأبيض الناصع وتتوسطها نافورة يحيطها اثنا عشر أسدا كانت تخرج المياه من أفواهها في أوقات محددة وتحيطها قنوات تشير إلى الاتجاهات الرئيسية الأربعة.

وما أن ينتهي المرء من التجول في قصور الحمراء حتى يجد نفسه في «جنة العريف»، تلك الجنان التي كانت المقر الصيفي لملوك بني الأحمر وبنيت في القرنين الثالث عشر والرابع عشر.

نهاية الحلم الجميل

يقول التاريخ إن غرناطة سقطت بأيدي الأسبان عندما كانت أوروبا تخرج من عصورها الوسطى، وكان من المتوقع والحال كذلك أن تزداد المدينة ازدهارا في ظل حرص الملوك الأسبان على قيمتها الاقتصادية والحضارية، لكن ذلك لم يحدث فمع حلول عام 1570 طردت بقية العرب والمسلمين الذين ثاروا على الإجراءات القمعية ضدهم وبعدها طويت صفحة غرناطة والأندلس.

في سنة 1492 سن الملك فردناند وملكته إيزابيل بسن قانون جديد ينص على أن كل سكان مملكة أسبانيا أن يكونوا من أفراد الجالية المسيحية الكاثوليكية. وبالتالي على الإسلام واليهود والغجر والمسيحيين الغير كاثوليك التحول للدين الكاثوليكي. عقوبة الرفض للكاثوليكية كانت الرمى بالطلق الناري حتى الموت. الكثير من الفئات المضطهدين هربوا إلى مدينة غرناطة وكانت في وقتها المدينة الوحيدة التي مازالت تحت سيطرة المسلمين. وهناك.... خلف أسوار مدينة غرناطة... اجتمع كل هؤلاء في تخوف وانتظار هجوم الملك فردناند وملكته إيزابيل....ورحل من رحل ودارت مواجهة حضارية أدت إلى أفول الحضارة العربية في المكان الأسباني، وما تبقت إلا الآثار التي تحكي عن الماضي التليد.

إقليم الأندلس ـ علي الصمادي