بات قطاع الاستثمار يلعب دورا متقدما بالمقارنة مع العوامل الأخرى كمحفز للنمو الاقتصادي العالمي بعد ان شاعت نظرية الاستثمار من اجل التصدير وخفت بريق نظرية الإحلال في الواردات ودخلت حلبة المنافسة في أسواق المبادلات التجارية العالمية دول جديدة مثل الصين ودول شرق اوروبا، لذلك يبدو من الطبيعي ان تتجه جميع الدول العربية الخليجية التي كانت تعرف بأنها مصدرة لرؤوس الأموال إلى تشجيع الاستثمار الأجنبي.
علاوة على ذلك، تحتاج دول المنطقة لرأس المال الأجنبي لأسباب عدة أهمها عدم مقدرة الحكومات وعلى المدى الطويل وبغض النظر عن الارتفاع الراهن في إيرادات النفط - على المحافظة على وتيرة التوسع في الانفاق الحكومي كما حدث في العقود الماضية، كما ان محدودية الانفاق العام تؤدي إلى تباطؤ معدلات النمو في الاستثمار الكلي (العام والخاص)، الأمر الذي يؤثر وبشكل مضاعف على حجم الانشطة الاقتصادية والدخل القومي والاستهلاك وميزان المدفوعات.
وعلى الرغم وضح هذه المبررات لجذب الاستثمار الأجنبي، الا أننا لا يمكن القول حد اليوم أن دول المنقطة أطلقت العنان لجلب هذه الاستثمار حيث لا يزال الخلاف يدور في بعض دول المجلس وخاصة عند تناول بعض القطاعات كصناعات البترول والغاز والمصارف والاستثمار والتأمين والتجارة والمقاولات وغيرها العديد حول شرط الملكية حيث تشترط معظم قوانين هذه الدول ان تقل نسبة ملكية الشريك الأجنبي عن 51%.
صحيح أنه مع تعزز اتجاهات التحرير الاقتصادي وفتح الأسواق اعاد العديد بين دول المجلس نظرته إلى موضوع الاستثمارات الأجنبية حيث باتت بعض هذه الدول تسمح بتملك نسبة تصل إلى 100% في حين اعاد البعض الآخر صياغة قوانين اكثر مرونة للاستثمار الاجنبي، الا ان ذلك جرى في معظم الأحيان بمعزل عن الرؤية الكلية لاحتياجات التنمية الحقيقية. وباعتقادنا فان العامل الاكثر حيوية من تحديد نسبة تملك رؤوس الاموال الاجنبية للمشروعات المحلية هو التفكير جديا وبصورة عملية في وضع استراتيجية واضحة للتعامل مع هذا الموضوع.
ويرى بعض الخبراء الاقتصاديين الخليجيين ان هناك ثلاثة محددات أساسية لابد من التفكير فيها ودراستها قبل إجراء اية تعديلات في التشريعات نحو ايجاد نوع من المرونة في القوانين الخاصة بنسب مشاركة رؤوس الأموال الأجنبية في المشروعات الوطنية الخليجية بمختلف أوجهها. وهذه المحددات هي اولا دراسة متكاملة عن مستقبل التنمية في المنطقة وماهية القطاعات التي يجب ان تكون قيادية في عملية التنمية مستقبلا وثانيا، تحديد ماهية الصناعات الاستراتيجية في كل قطاع من القطاعات الاقتصادية التي تجب حمايتها من المنافسة الأجنبية وثالثا ضرورة مراعاة عدم السماح لرؤوس الأموال الأجنبية التي تستهدف في الأساس المضاربة في الاسواق الصغيرة لتحقيق مكاسب سريعة (وتجربة دول جنوب شرقي اسيا خير مثال على ذلك).
ان مراجعة التشريعات الاقتصادية في دول مجلس التعاون الخليجي، مطلب محلي وخارجي. ومن ناحية كونه مطلبا داخليا فان دول المجلس لم تعد لديها الوفورات الهائلة التي كانت تتدفق في السابق نتيجة لتعاظم احتياجات التنمية علاوة على بروز نهج متزايد لإعطاء القطاع الخاص الدور الرئيسي في التنمية.
ان الاستثمار الأجنبي لن يجيء اذا لم يجد هناك استراتيجية واضحة للتعامل معه . ان دول الخليج ليست بحاجة إلى الاستثمار الاجنبي المحصور في شكل التدفقات المالية، لان لدى الدول الخليجية اموالا كافية واموالا مهاجرة تقدرها بعض الاحصاءات بنحو 600 مليار دولار. لكن نحن بحاجة إلى الاستثمار الاجنبي الذي يجلب معه التقنية وتدريب الايدي العاملة المواطنة وتطوير الافكار والمعلومات فنحن لا نريد اموالا بقدر ما نريد تقنية ومعلومات. كما اننا لا نريد استثمارا اجنبيا للمضاربة في الاسهم والعقارات بقدر ما نريد استثمارا اجنبيا لتنمية البلاد وتطويرها.
ومن هنا عندما يتم فتح الباب للاستثمار الاجنبي لابد من تحديد الهدف من هذا الاستثمار، وبناء على ذلك تحدد شرط الملكية التي من الممكن ان تكون 100% للاجنبي في حال قيام مصنع ضخم متطور يدخل تقنية ويحدث تقدما هائلا، ويمكن ان يكون اقل من ذلك بكثير اذا كان المشروع ثانويا او ربما تكون له محاذير ثانوية على الاقتصاد كمحاذير المضاربات او المنافسة الضارة للمنتج الوطني او غيره. كما انه في كثير من الاحيان يؤدي تدفق رأس المال الأجنبي المدروس والمنتج إلى جذب رأس المال المحلي المستثمر خارج الدولة إلى العودة إلى السوق المحلية للعمل معا في انشطة انتاجية قد تستهدف احلال الواردات او التوسع في الصادرات.
وعند النظر إلى القضايا ذات الصلة بتحسين بيئة الاستثمار يمكن القول ان عناصر البيئة الاستثمارية تتضمن بصورة رئيسية البيئة التشريعية والبيئة الاقتصادية والحوافز المادية وبرامج الترويج الاستثماري. وفيما يخص البيئة التشريعية، فلا شك أن دول المجلس تتفاوت في المدى الذي تذهب اليه في السماح للاستثمارات الاجنبية بملكية المشروعات في بلدانها، الا أن يمكن القول ان هذه التشريعات تطورت تطورا كبيرا. لذلك من المفيد وجود قوانين متكاملة للاستثمارات الاجنبية توضح بين جنبيها كافة المزايا المتوفرة للاستثمارات الاجنبية والضمانات الممنوحة لها.
وفيما يخص البيئة الاقتصادية وهي التي تتعلق أساسا بسياسات الاقتصاد من حيث استقرار الوضع الاقتصادي ومعدلات التضخم وسعر صرف العملة وحجم الديون ومستويات الاسعار وعمق وشفافية أسواق المال ودور البنوك ووجود مؤشرات كمية دورية لأداء الاقتصاد وغيرها من العوامل، التي نرى أن دول التعاون لم تتعامل معها بعد بصورة متكاملة وشاملة كحزمة موحدة، أي لا يمكن القول عن وجود سياسات خليجية شاملة للاقتصاد الكلي تستخدم أدواته الاستخدام الأمثل كما هو متعارف عليه عالميا.
وفيما يخص الحوافز المادية، فان الحديث يتركز هنا على الحوافز التمويلية ودراسات الجدوى للمشاريع والبنية التحتية المتطورة كالأراضي والكهرباء والماء والطرق، علاوة على القضايا الخاصة بالشفافية في المناقصات الحكومية والمعاملات ومحاربة الفساد وسرعة إجراءات المحاكم ووجود لوائح واضحة للحصول على رخص الاستثمار وغيرها من الحوافز التي نرى أن دول المجلس قطعت شوطا جيدا بشكل عام في مجالها.
وعلى صعيد برامج الترويج الاستثماري، فأننا نرى أنها لا تقل أهمية عن العناصر السابقة، خصوصا أن الترويج الاستثماري بات يمثل الرافعة للمزايا النسبية الاستثمارية التي تعرضها مختلف دول العالم. فنجد أن الكثير من الدول وعلى الرغم من تمتعها بمزايا استثمارية الا ان افتقارها لبرامج ترويج قوية جعلت منها بعيدة عن أنظار المستثمرين. ويجب الاهتمام بشكل خاص لبرامج الترويج الاستثماري الموجهة نحو الاستثمارات في المشاريع الموجهة للتصدير، أو المشاريع ذات التقنية والقيمة المضافة العالية.
ان جملة التطورات الاقتصادية الاقليمية والعالمية تدعو إلى ضرورة اعادة النظر ليس في شرط تملك الاستثمار الأجنبي للمشاريع المحلية فحسب، بل في مجمل التشريعات والقوانين الاقتصادية لاجتذاب هذه الاستثمارات. ولكن ما هو مطلوب بالفعل هو ان تتم اعادة النظر هذه في اطار استراتيجية واضحة لاستثمار رؤوس الاموال الاجنبية استثمارا امثل في خدمة برامج التنمية وتجنب توجيه تلك الاموال في احداث المضاربات وعدم الاستقرار المالي والاقتصادي كما حدث في العديد من دول أميركا اللاتينية وآسيا وشرق أوروبا.
كاتب ومحلل اقتصادي