شهدت الساحة المصرفية الخليجية تحركاً ملحوظاً في الأعوام الأخيرة من جانب البنوك الصغيرة لتعزيز مراكزها المالية ومواكبة التطورات العالمية والاستحقاقات المقبلة، سواء تلك المتعلقة بتحرير الخدمات المالية أو بمقررات بازل 2، التي سارعت إلى إعداد قطاعاتها المصرفية لتتواءم مع متطلباتها، والتي ستصبح سارية المفعول على المستوى العالمي ابتداءً من عام 2007، ومن متطلبات الاتفاقية عملية دمج البنوك إذ يعد الاندماج المصرفي أحد مقررات بازل (1، 2) وأحد المتغيرات الاقتصادية الجديدة التي بدأت أهميتها تتزايد منذ منتصف تسعينات القرن الماضي.
إنها مرحلة جديدة من اكتساب مقومات التنافس لتلحق بركب الصناعة المصرفية العالمية مع بدئها بتطبيق معايير اتفاقية بازل، حيث أصبحت المصارف خاضعة لعملية العولمة مما أدى إلى تزايد حجم الكيانات المصرفية الكبرى، وتحقق من وراء ذلك وجود كيانات عملاقة تستطيع العمل والنفاذ إلى أي بقعة في المعمورة، فقد شجعت العديد من الدول في أوروبا واليابان وأميركا عمليات الاندماج في قطاع البنوك لتدعيم القدرة التنافسية، فقد اندمج ما يقرب من 5400 منشأة مالية، بلغ نصيب الولايات المتحدة وحدها ما يعادل 56% من هذه الاندماجات المصرفية، وتشهد منطقتنا العربية عامة والخليجية.
خاصة توجهاً متزايداً نحو الأخذ بالاندماج كوسيلة لمواجهة الكيانات الكبيرة، فعملية الاندماج تحتاج إلى وضع عدد من المعايير المهمة التي تضمن سلامة عملية الدمج من حيث تنظيمه ومشروعية أغراضه لحماية المستثمرين والمودعين والمقرضين، فلذلك فإن التحول من بنوك السوبر ماركت إلى بنوك الحجم الكبير يؤدي للحصول على حصة عالية من الأسواق، هذا جانب، أما الجانب المتعلق بالاتفاقية العامة لتجارة الخدمات (GATS) فإن العديد من دول مجلس التعاون دخلت في مفاوضات لتحرير تجارة الخدمات، ومنها الخدمات المالية والمصرفية في إطار الاتفاقية المذكورة، ولدول التعاون تجارب عديدة في مجال الدمج، منها سلطنة عمان.
حيث اندمج كل من (بنك مسقط) و(مصرف عمان التجاري) في بنك واحد يحمل اسم (بنك مسقط) وقدرت أصوله حينها بحوالي 5 ,3 مليارات دولار، كما أن البنك المركزي العماني يدعم عمليات الاندماج عن طريق تقديم حوافز للبنوك الراغبة في الدمج، وذلك بتقديم وديعة تعادل نصف رأسمال المصرف الجديد بعد اندماجه، ولمدة خمس سنوات بفائدة رمزية تقدر بنحو 3% إضافة إلى إعفاء البنوك المندمجة من الضريبة على الأرباح لمدة خمس سنوات.
وهناك بعض حالات الاندماج في السعودية، حيث تم دمج بنك القاهرة السعودي في البنك السعودي التجاري المتحد، وكذلك عملية دمج البنك السعودي المتحد مع البنك السعودي الأميركي (سابقاً) لتبلغ حجم أصول البنك الجديد نحو 5 ,20 مليار دولار، وفي البحرين تم دمج (البنك الأهلي التجاري) مع (الكويتي المتحد) في لندن لتكون شركة قابضة في البحرين بقيمة 304 ملايين دولار، وهو نموذج للاندماج داخل القطاع نفسه بين دولتين، ثم دخل البنك الأهلي التجاري وبنك الخليج الدولي في تحالف لإدارة الصناديق الاستثمارية، وفي الإمارات تم دمج عدة بنوك في أبوظبي لتكوّن بنك أبوظبي التجاري، وفي دبي تم دمج عدة بنوك لتكوّن بنك الإمارات الدولي.
إذن عملية الاندماج تتطلب إعادة هيكلة للبنوك الصغيرة لغرض تحسين أوضاعها بما يؤهل البنك الجديد من التعايش والمنافسة مع الظروف الجديدة والمتمثلة في تحرير الخدمات وحرية الاستثمار، ولعمليات الاندماج مزايا وتحديات فمن مزايا الاندماج:
يمكن البنوك الصغيرة من الاستمرار في عملها في ظل اتفاقية بازل 2 والتي تؤكد على كفاية رأس المال وأصول التعامل واحتياجات السوق التي تتطلب أن يزيد من أصوله.
يحقق سرعة في النمو وسعة في الانتشار وتحسين الربحية، بالإضافة إلى تحقيق ميزة التوسع في السوق في ظل المتغيرات الاقتصادية وفتح الأسواق والخدمات على المستوى العالمي، كما يحقق مزايا وفورات الحجم الكبير، فضلا عن تجمل المخاطر جراء مواجهات الصدمات الخارجية.
يجمع الموارد المالية والبشرية والكفاءات المهنية بما يحقق الأداء المتميز. يوحد رؤوس الأموال والجهود والخبرات مما يمكن البنوك الجديدة المندمجة من تطوير قدراتها الإنتاجية كماً ونوعاً وتحسن قدراتها على المنافسة في ظل وجود منافسة أجنبية قوية.
وعلى الجانب الآخر فإن لدمج البنوك مشكلات وتحديات، ومن هذه التحديات:
يؤدي إلى تعميق مفهوم الاحتكار الذي يعد من أخطر السلبيات التي تواجهها عملية الاندماج، الأمر الذي يؤثر على مصالح المتعاملين في السوق المحلي، حيث تفرض المؤسسات العملاقة شروطها في تعاملاتها.
ايجاد كيانات وتكتلات احتكارية من قبل البنوك الصغيرة أو متوسطة الحجم، ومن ثم استبعادها من المنافسة على المدى القريب أو البعيد. يؤدي إلى حدوث تغيرات في الهياكل الإدارية المتمثلة في الأشخاص والقيادات، وهذا يؤثر على كفاءة العاملين في البنوك ويفضي إلى مشكلة العمالة الفائضة. يؤدي إلى ايجاد مشكلة البيروقراطية الإدارية بما ينعكس على نوع الخدمات المقدمة للعملاء.
إذن، ستواجه البنوك الخليجية وغيرها من الكيانات الصغيرة العديد من الالتزامات والمتطلبات، حيث إن عليها أن تزيد من كفاءتها وقدرتها التنافسية في توظيف الأموال لايجاد تحالفات واندماجات في عالم البنوك والمؤسسات المالية. ولمواجهة هذه الالتزامات فإن الأمر يتطلب إعادة هيكلة المصارف الخليجية، واتباع سياسات اقتصادية سليمة تكفل تحقيق الاستقرار النقدي والمالي.
وتوحيد جهات الإشراف والرقابة على المؤسسات المالية مع تخفيض حجم مساهمات الحكومة في المصارف وشركات التأمين وإرساء مبدأ الشفافية والإفصاح، وكذلك إعادة النظر في تصنيف القروض المصرفية وزيادة المخصصات المقابلة لها، ودراسة اثر التغيرات في أسعار الصرف على جودة تلك القروض وقيمتها الحقيقية، مع ضرورة توافر خبرات وملاكات مصرفية قادرة على إدارة هذه المصارف وفق الأساليب المتقدمة التي تواكب التطورات المتسارعة التي يشهدها النظام المصرفي العالمي.
كاتب ومحلل اقتصادي
ea.mie@ abiatuK