تم تنظيم مسابقة لتصميم وإعداد أفضل حديقة منزل في إحدى المناطق الأوروبية واشترك في المسابقة كل من السيد سريع بن منفعل والسيد متعقل بن معتدل. بدأ سريع بن منفعل في المبادرة بشراء أغلى البذور والمواد التي يمكن شراؤها في السوق حيث إنه يؤمن بان جودة المواد تزداد بزيادة قيمتها وسيكون المردود المادي عاليا مما سيعوض المبالغ الطائلة التي دفعها ،وبدأ بالفعل في زراعة حديقته وتشجع أكثر بعد رؤيته أن منافسة لم يقم بفعل أي شيء.
قام السيد متعقل بن معتدل بداية بإعداد خطة لتنفيذ المشروع ثم قام بالاجتماع مع أبنائه لإخبارهم بالمشروع وأهميته للجميع ، ثم وزّع الأدوار، وبعد ذلك قام بإعداد الأرض وتسويتها وتوزيع مصارف المياه، ثم قام بعد ذلك باختبار نسبة الملوحة في التربة لشراء البذور والمواد إلى تناسبها. تحمس سريع بن منفعل على المشروع حينما رأى بشائر الخير في حديقته ولم تظهر في حديقة جارة متعقل بن معتدل فأحس بالفخر والفرحة.
لم تكد تكتمل فرحة السيد سريع حتى رأى البشائر في حديقة السيد متعقل بن معتدل وكانت منتظمة ومنسقة بطريقة جميلة ،وعزا ذلك إلى أن نظام الري الذي يقوم به أبناء السيد متعقل بن معتدل في الفترة المسائية هو السبب ولأنه لا يرغب في أن يقول السيد متعقل بن معتدل بان السيد سريع قام بتقليده فقال لأبنائه بان يقوموا بسقاية الحديقة في فترة الظهيرة مما أدى إلى ما لم يكن بالحسبان وهو خراب الحديقة. ظهرت حديقة منزل متعقل بن معتدل بأفضل صورة ممكنة وفاز بالجائزة.
السيد سريع بن منفعل عزا عدم فوزه في المسابقة لضعف أداء أولاده في سقاية الحديقة.كما أن البذور كانت احد الأسباب في عدم الفوز إضافة إلى أن ضوء الشمس لم يكن كافيا وأهم الأسباب أن تربة حديقة جارة السيد متعقل بن معتدل كانت أفضل وأنسب ولهذه الأسباب خسر السيد سريع بن منفعل وقرر أن يشترك في المسابقة العام المقبل، ولضمان الفوز فانه سيقوم بتركيب نظام ري حديث آلي.
فكما ترون فان السيد سريع بن منفعل لم يدرك السبب الحقيقي الكامن وراء خسارته فقد رأى قشور المشكلة وليس جوهرها.
تذكرني هذه القصة بسباق المؤسسات التي سارعت ولا يزال بعضها يسارع في تطبيق نظام الجودة الشاملة حيث يقوم العديد من مدراء المؤسسات بالحث والشد على الموظفين للبدء في تطبيق نظام الجودة الشاملة خلال أشهر أو أسابيع معدودة ويتم دراسة المشروع والاستعانة بالخبراء للمساهمة في تطبيق برنامج الجودة وبعد الحصول على الشهادة الخاصة بنظام الجودة تقوم المؤسسة بتزيين احد جدرانها بهذا الانجاز التاريخي المهم ،ثم تنسى هذه الشهادة المعلقة لكثرة الشهادات التي تأتي بعدها وينسى معها جميع الإجراءات والنظم الخاصة بالجودة التي تم اعتمادها ودفع المبالغ الطائلة عليها. إن مدراء هذه المؤسسات لا يدركون حجم المسؤولية لتطبيق نظام الجودة الشاملة والجهد الذي تتطلبه الجودة لتطبيقها وغرسها في روح المؤسسة إن جاز لي التعبير.
إن المؤسسات التي تتبع أسلوب السيد سريع بن منفعل وتبحث عن أغلى الخبراء لتطبيق نظام الجودة قد ترى بشائر الخير وتحصد ما زرعت لفترة قصيرة ولكن سيبقى اهتمام المؤسسة «بالكرتونة» التي علقت في احد جدران المؤسسة فمهما كانت خبرة هؤلاء المستشارين إن لم تكن هناك رغبة داخلية وقناعة شخصية والتزام من الإدارة العليا أولا والموظفين ثانيا لتطبيق نظام الجودة وثالثا توفر خطة عمل متزنة وواقعية وقابلة للقياس فلن تكون هناك جودة وستضيع جهود الخبراء.
وعلى سبيل المثال يتحمس احد مدراء المؤسسات بعد مشاركته في برنامج تدريبي خاص ببرنامج الايزو 9001 ،حيث يقرر أن يطبقه في مؤسسته ويأتي إلى عمله رافعا شعار تطبيق الجودة واللحاق بالركب، ويبدأ في الاستعانة بالخبراء الذين لهم باع طويل في هذا البرنامج المهم وترصد لهم الميزانيات، والموظفون الذين سيستخدمون البرنامج لا يدرون ماذا يدور بالمؤسسة إلا المعنيين ويتم الحصول على «الكرتونة» اقصد الشهادة وتبدأ الاحتفالات والتكريم ويتم تطبيق النظام لفترة ليست بالطويلة إلى أن تغيب شمس فرحة الحصول على الشهادة ومن ثم ينسى نظام الجودة المعتمد وتعود «ريما لعادتها القديمة».
تمر الأيام ويأتي من يطرق بريد المؤسسة بعد ستة أشهر على حصولها على الشهادة لإعلامها بموعد التدقيق الأول لضمان سير العمل حسب الإجراءات المعتمدة فتستفيق المؤسسة من سباتها العميق وتبدأ في تجميع شتات الأوراق والإجراءات الواجب اتباعها حسب دليل الجودة المعتمد ويركض الموظفون من مكان لمكان وتعبأ النماذج المطلوب تعبئتها وتعقد الاجتماعات غير الهادفة إلا لملء استمارة الاجتماعات الدورية الخاصة بنظام الجودة ، ويأتي المدقق ويبدأ الامتحان وعندها (يكرم المرء أو يهان).
إن اهتمام هذه المؤسسة لم يكن في تطبيق نظام متميز يساهم في تقديم أفضل خدمة للمتعاملين مع المؤسسة وإنما للحصول على الشهادة الخاصة بالجودة والتفاخر بها كما أن عدم إشراك الموظفين في هذا المشروع ساهم في تذمرهم وعدم تقبلهم له فهو على كل حال سيزيد من مهام عملهم.
إن الموظفين هم أساس أي برنامج سواء أكان في الجودة أم في تطبيق نظام إداري جديد فهم الوحيدون الذين يعرفون متطلبات المراجعين لأنهم في تعامل يومي معهم ،فأذكر ماذا فعلت كارلي فيورينا الرئيس التنفيذي السابق لشركة هيولت باكارد للطابعات باتخاذ قرارها بالاندماج مع شركة الكمبيوترات كومباك ولم تقم كارلي بإشراك الموظفين بكافة مستوياتهم الإدارية بهذا المشروع ولم تدرس اختلاف ثقافة كل مؤسسة مما ترتب إلى فشل هذا الاندماج وعدم تقبل الموظفين له وبالتالي عدم تقديم الدعم المطلوب اللازم لإنجاحه مما أدى إلى إقالتها من منصبها لتردي وضع المؤسسة المالي والتنافسي.
والتغيير ليس بالشيء اليسير وبخاصة حينما تتعامل مع بشر لهم متطلبات واحتياجات مختلفة. كما إن الذي حصل مع السيد سريع بن منفعل حينما لم يدرك السبب الحقيقي في عدم تمكنه من الفوز فان بعض المؤسسات لا تدرك أو تعي أهمية جوهر النظام الخاص بالجودة الشاملة وأهمية تطبيقه فلو أدركت أهميته ودقة تطبيقه لوفرت على نفسها مبالغ كبيرة كان يمكن أن تكون هذه المبالغ في خانة الإيرادات وليس المصاريف.
إن المؤسسات التي اتبعت طريقة متعقل بن معتدل عرفت أن نظام الجودة هو مطلب أساسي لها وليس ترفا أو اختيارا بل سيساهم بدوره بفعالية في تقييم وتقديم أفضل الخدمات بشكل مستمر للمتعاملين مع المؤسسة، وكما قال احد خبراء الجودة والذي لا يحضرني اسمه بان(الجودة رحلة بلا نهاية).
يبقى لي أن اذكر أن نجاح أي برنامج يأتي من دعم الإدارة العليا للقائمين على المشروع فالمطلوب منهم الكثير وأهمها على سبيل الذكر وليس الحصر:
* دعم الإدارة العليا للمشروع والالتزام المستمر به وليس لفترة محددة ثم يزول هذا الدعم بعد انتهاء «موضته».
* يجب أن تكون هناك رؤية مستقبلية واقعية للمؤسسة وليست كلمات منسقة ورنانة مع ربطها بالهدف الأساسي من تطبيق هذا النظام.
* التحدث مع جميع المستويات الإدارية المختلفة والموظفين وجميع من له علاقة بالمؤسسة لتعريفهم بنية المؤسسة لتطبيق نظام الجودة وتعريفهم بأهمية هذا المشروع قبل البدء في تنفيذه مما سيعود عليهم بالنفع العام والأخذ برأيهم لإشراكهم في المسؤولية فالمشروع بكل حال يعم وسيؤثر على الجميع وليس أفرادا محددين.
* تكوين فرق عمل مؤهلة وجادة في تنفيذ العمل ومتفاهمة فيما بينها.
*النجاحات السريعة لإبقاء الحماس متقدا ولإضعاف المقاومة تجاه التغيير الجديد.
*التدريب والتطوير المستمرين للموظفين من مختلف المستويات الإدارية حسب خطة واضحة ومدروسة حسب احتياج المؤسسة والموظف.
الجودة ليست بشراء أغلى المواد ولكن الجودة هي تناسب توقعات ومتطلبات واحتياجات المراجع أو الزبون مع المنتج أو الخدمة المقدمة من قبل المؤسسة التي يجب عليها السعي دوما للتعرف إليها وتطويرها بشكل مستمر لضمان استمرار عمل المؤسسة وبقائها في سوق العمل.
وقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال في الحديث الشريف: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه».
مدير معهد غرفة تجارة وصناعة أبوظبي للتدريب ـ مقيم رئيسي بجائزة الشيخ خليفة للامتياز
moc.liamg@niala.demahom