انطلق مهرجان أيام قرطاج السينمائي منذ 40 عاما بواقع دورة كل عامين ليصل اليوم إلى الدورة 21، وقد تفاوتت هذه الدورات في مستوياتها إلى حد كبير، هذا ما يصرح به كثيرون من ضيوف المهرجان الذين واكبوه منذ نشأته، ففي رأيهم ان التراجع بدأ منذ عدة دورات، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار الدورات العشر الأولى التي اعتبرت مشعة وقوية، إضافة إلى انه أقدم زمنيا من أي مهرجان سينمائي عربي (عقدت الدورة الأولى عام 1966).

الفوضى في هذه الدورة سيدة الموقف، وقد ظهرت جلية في ليلة الافتتاح، واختيار أفلام المسابقة الكبرى بأكثريتها لا تستحق لقب «منافس»، حسب ما اسر لي أحد أعضاء لجنة التحكيم، والشكاوى من الصحفيين والنقاد والمهتمين ل«غياب كاتلوغ» الأفلام حتى اللحظة كثيرة وتثير أسئلة، وتنظيم برامج العروض يضيع على المتابعين قدرتهم على مشاهدة ما هو ضروري، إلى آخر ما هنالك من مظاهر «الفوضى العربية» التي تذكر بمهرجانات عربية موصوفة بفوضويتها التنظيمية.

افتتح عروض المسابقة الكبرى فيلم «باب البحر» لمخرجه المغربي داوود أولاد السيد وهو يصور حكاية امرأة تأتي من منطقة داخلية إلى أخرى ساحلية صحراوية، عبارة عن محطة عبور للهجرة غير الشرعية إلى اسبانيا ومنها إلى بلدان «الاحلام» لسكان العالم القديم الفقير في أوروبا الغربية الغنية، فتواجه هذه المهاجرة معوقات كثيرة خلال رحلتها، في حالة اجتماعية لأهل القرية «المحطة» المغلقة على ذاتها والمكبوتة والقابلة للاختراق من الخارج كونها مفككة وفاقدة لهويتها.

تستقبل أناساً يشبهونها ويبحثون عن هويات، في بلاد قريبة جغرافيا وبعيدة عن قدرة الطامح إليها. استطاع داوود أولاد السيد أن يبني مناخاً متكاملاً لفيلمه. وجمع كل العناصر التشكيلية للصورة في كادر واحد. انشطار الشخصيات والمكان الصحراوي المقابل لماء البحر المالح، واستعداد الأفراد لأن ينقلبوا من حالة سلبية إلى أخرى، إيجابية تحققها المرأة التي يستخدمها المخرج كحالة رمزية للخصوبة في ظل القسوة التي تتمتع بها تلك «القرى المحطات» عادة.

الفيلم جيد كان يمكنه أن يكون أفضل لو أن بطلته الممثلة المغربية ثريا العلوي أدت دورها بحرفية أكثر. وهي بالأصل فاقدة الحضور المؤثر، لا يستطيع المخرج اختراعه لها، لكنه كان يستطيع التأني باختيارها للدور المركزي في شريطه، كما كان يمكنه عدم المبالغة في الإطالة الزمنية لأكثر اللقطات التي أبطأت من سياق السرد.

«انتظار» فيلم المخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي عن مأساة الانتظار الفلسطيني، عرض في الكثير من المهرجانات العربية والعالمية، منها مهرجان البندقية 2005، وهو هنا ضمن المسابقة الرسمية، لا أظن أن لديه حظاً بالفوز، لأسباب ليست لها علاقة بقيمته الفنية، بقدر ما هي متصلة بعتق إنتاج العمل، مع انه جيد المستوى ومن نوع الكوميديا السوداء من دون ان يغرق كثيرا بخطاب سياسي مباشر.

«بلاد رقم واحد» من إخراج الجزائري رابح عامر زيماش، الذي يلعب دور البطولة في شريطه، بشخصية «كمال»، الذي قضى فترة عقوبة في سجن فرنسي، وأعيد بعدها إلى بلده الأم الجزائر، فتصدمه تصاعد حالات التطرف، وأوضاع المرأة. فصديقه المقرب لا يتورع عن الاعتداء بالضرب على شقيقته كونها تحب الغناء فقط، فتسعى للهرب من التعنيف بالانتحار، الذي يتبدى كخلاص وحيد من سجن صغير في فرنسا عاشه كمال، إلى سجن العادات والتقاليد البالية المسيطرة على فكرة الحياة، في المجتمعات العربية بنسب متفاوتة التشوهات، التي تظهر بهذا الشريط مضخمة وتطال كل تفصيل، بما فيها الموسيقى، بأسلوب يقوم بمراكمة البشاعة وإخراجها إلى الإعلان عن فضيحة أزماتنا التي تترك المرأة تائهة بين ما تحب وما هو مفروض عليها، و رجل مسجون بفكرته عن الحياة، وآخر مسجون بين جدران أربعة حريته اكبر.

«بلاد رقم واحد» منافس جدي في المسابقة الكبرى، تطابق فيه المعنى الروائي التسجيلي الممزوج، مع الأساليب الفنية.

الفيلمان اللبنانيان داخل المسابقة الكبرى، «بوسطة» (إخراج فيليب عرقتنجي)، و«دنيا» (إخراج جوسلين صعب) أنتجا العام الماضي، الأول حقق أرباحاً جيدة على شباك التذاكر، وحصد جوائز عدة من مهرجانات سينمائية عربية، آخرها من مهرجان السينما العربية في باريس، وهو فيلم جيد وذكي بطرحه لقصته، سبق أن شبهته بوطن على أربع عجلات. «دنيا» تارة يحسب على الإنتاج المصري وتارة على الإنتاج اللبناني، ففي مصر لم يقبلوه لأن مخرجته لبنانية، وفي لبنان لم يعتبروه متصلا بهم، كون موضوعه إفريقياً ومصرياً، كذلك يعاني الفيلم من مطبات فنية لا تحصى، ولم يحز على إعجاب من شاهده من جمهور ونقاد على حد سواء، ففيه تلك النظرة المتطرفة «الأنثوية» الفجة التي تقسم المجتمع إلى معسكرين احدهما رجالي والثاني نسائي، من دون أن تكترث إلى نظام الأسر العربي يسيطر على طرفي المجتمع.

قرطاج ـ حسين قطايا