في إطار الدورة السابعة (4/11 أكتوبر 2006) لـ «مهرجان بيروت السينمائي الدولي»، عُرض الفيلم الوثائقي «أنا التي تحمل الزهور إلى قبرها» للمخرجة السورية المقيمة في باريس هالة عبد الله يعقوب (مواليد حماه، 30 مارس 1956).

وهو الأول لها بعد ربع قرن من العمل في الإنتاج والتوزيع والبحث عن تمويل ومتابعة التفاصيل الفنية والتقنية المختلفة الخاصّة بأفلام سورية ولبنانية متنوّعة. الفيلم هو الأول لها، أنجزته بالتعاون مع المخرج السوري الشاب عمّار البيك (مواليد دمشق، 17 ديسمبر 1972)، الذي أنجز أفلاماً وثائقية عدّة كـ «إنهم كانوا هنا» و«كلابير».

يروي الفيلم، الذي استعار عنوانه من جملة كتبتها الشاعرة السورية الراحلة دعد حداد في إحدى قصائدها، تجربة حياتية وسينمائية وإنسانية طويلة خاضتها هالة عبد الله يعقوب في غربتها الفرنسية، بعد أن عاشت أياماً طويلة في بلدها الأم سوريا.

التقت ثلاث صديقات لها هاجرن إلى فرنسا بعد أعوام العمل السياسي والنضالي، وهنّ فاديا ورلى وراغدة، وزارت دمشق فالتقت الفنان الياس الزيات والشاعر نزيه أبو عفش، وتجوّلت في شوارع وأمكنة وذكريات، وظهر يوسف عبدلكي متحدّثاً عن الحياة والرسم والمنفى والتفاصيل المختلفة: يمكن للتجربة الشخصية أن تشكّل مادة درامية. حقّ للمرء أن يروي ألمه وأحلامه وخيباته، ليس لاستدرار شفقة أو للاستعراض، بل لقول شيء إنساني مفيد.

حقّ له أن يروي، إذا أراد أن يتبادل مع الآخر لحظات عاشها وأحاسيس ألمّت به، فيفتح أوراقه ليقرأها الناس لأن هذا حقيقي وإنساني ويشبه لحظات عاشها هؤلاء الناس واختبروها، خصوصاً إذا انتموا إلى الجيل نفسه الذي انتمى إليه المخرج. هذه أسباب كافية للبوح، وقابلة لأن تكون مادة لعمل فني.

وأضافت عبد الله إن أسلوب البوح يلعب دوراً مهماً في عملية النقل هذه من عمق التجربة إلى العمل السينمائي: «أعمال كثيرة روت آلام الناس ومشاعرهم، وسلّطت الضوء على مشاكل وأزمات شخصية، فكانت أعمالاً عظيمة، بسبب طريقة السرد والمعالجة، أو بالأحرى أسلوب البوح».

أما عن السبب الذي دفعها إلى تحقيق هذا الفيلم، بعد أعوام طويلة من العمل على أفلام الآخرين ومشاريعهم السينمائية، فقالت: «هناك في الفيلم جملتان أردّدهما أكثر من مرّة، وهما متشابهتان: غادرت سوريا صبية صغيرة. تزوّجت وعملت، وبعد مرور سنين عدّة، وجدت نفسي على عتبة الأربعين من العمر وأنا لم أنجب، لأني كنت قد قرّرت الإنجاب عند عودتي إلى بلدي.

انتبهت إلى أني بلغت مرحلة قد أفقد فيها إمكانية الإنجاب. بعد مرور نحو عشرة أعوام، انتبهت إلى أني سأبلغ الخمسين من عمري وأنا لم أحقّق فيلمي بعد، لأني قرّرت (أيضاً) أني سأحقّق أفلامي عند عودتي إلى بلدي. ثلاثة عشر عاماً في الغربة قبل أن أنجب ابنتي ليلى. وربع قرن وأنا لا أزال مقيمة في باريس ولم أنجز أي مشروع من مشاريعي السينمائية الخاصّة.. وعلى عتبة الخمسين من عمري، شعرت بثقل كبير، وبشيء ما عالق في حلقي. أردت أن أزيح هذا الثقل عن كتفيّ.

من ناحية أخرى، أحببت أن أقدّم شهادتي بألسنة ثلاث نساء هنّ صديقات لي ينتمين إلى جيلي، ويعشن في الغربة. أحببت أن أروي حكايتي من خلالهنّ، من دون أن أتحدّث عن نفسي وجيلي بشكل مباشر. هذا كلّه صوّرته قبل لقائي عمّار البيك، الذي جاء إلى باريس لتصوير فيلم عن يوسف عبدلكي.

هو الذي حرّضني على تحقيق الفيلم، وهو الذي عمل معي في المراحل كلّها، ولم يتردّد في إدخال ما صوّره هو في فيلمي. فكانت النتيجة فيلماً من توقيعنا نحن الاثنين. أستطيع القول هنا إن شهوراً طويلة مرّت قبل أن نصل إلى هذه الصيغة التي تحتويني وترويني. إنه خلاصة تجارب قمنا بها نحن الاثنين، كل واحد بأسلوبه الخاصّ. إنه نتاج المماحكة والتشابك والافتراق واللقاء والمودة والمعاندة.

واعتبرت أنه لولا وجود عمّار البيك «لكان مستحيلاً أن يتحقّق ظهوري في الفيلم. فالاسترخاء والشعور بالأمان عندي مردّهما وجود عمّار، الذي بدا لي أنه يبحث عن شيء أبحث عنه أنا أيضاً. لولا عمّار، لما كنت مسترخية ولما شعرت بالأمان وأنا أشتغل على الفيلم».

إلى ذلك، قالت هالة عبد الله يعقوب إنها أرادت أن تكرّم شاعرة سورية رحلت باكراً جداً اسمها دعد حداد: «يبدأ الفيلم بعنوان اخترته من إحدى قصائدها، ويمرّ بنزيه أبو عفش الذي تحدّث عنها وعن قصائدها وعلاقتها بالحياة، وينتهي بمقطع من قصيدتها.

أردت أن تكون دعد موجودة في الفيلم بشكل ناعم وعميق. شعرها جميل جداً، وفي قصائدها سحر، بقدر ما فيها دراما وصُوَر وألم وتحدّ. في العنوان، كَمّ هائل من الصُور والمشاعر: فيه تصدّ وتحدّ لكل شيء أسود في الحياة. هناك امرأة تذهب إلى قبرها، وتحمل الزهور لتضعها على قبر نفسها. هناك التقدّم، أي التحدّي. هذه هي دعد، وهذه هي حياتنا أيضاً. أعتبر أن شعرها تاج للفيلم».

بيروت ـ نديم جرجورة