استضاف مهرجان دمشق المسرحي عرضا للمسرح القومي المصري يحمل عنوان «الناس اللي في التالت» عن نص للكاتب التلفزيوني أسامة أنور عكاشة، الذي يزور دمشق في مهرجانها المسرحي بعد أن حل ضيفا عليها في مهرجاناتها السينمائية قبل الآن، ويبدو أن عكاشة ضيف محبب لدى السوريين في كل المناسبات التي يقصد فيها دمشق.

وإذا كان عشاق المسرح قد توقعوا أن يكون نص عكاشة المسرحي منتميا إلى مسرح أحد الرواد المصريين نعمان عاشور، فأغلب الظن أن الحظ لم يحالفهم، إذ إن نصي عاشور «الناس اللي فوق، والناس اللي تحت» يتفردا في كونهما اطلالتين مهمتين لكاتب مسرحي مصري على شريحة كبيرة من المجتمع المصري.

اختلفت الآراء بين النقاد والمشاهدين الذين تابعوا «الناس اللي في التالت» على مدار ساعتين فهناك من وصف العرض بأنه دراما تلفزيوينة ممسرحة بخطاب نقدي قديم، وهناك من رأى في العرض رؤية فنية فكرية جريئة وجديدة، فيما رأى فريق ثالث أنه لا يرقى إلى مستوى عروض مهرجان دمشق الاحترافي الذي يسعى في شكله الجديد للتأسيس لذاكرة فنية خاصة عن المسرح.

العرض الذي قدم في مصر لمدة ثلاث سنوات متتالية، يحكي عن اقتحام مجموعة أمنية لمنزل في الطابق الثالث في حي شعبي بقصد ضرورات أمنية لان موكب الرئيس سيمر من تلك المنطقة ويصادف أن يتعرض أصحاب هذا البيت إلى تفتيش قسري وإهانات متتالية من قبل تلك المجموعة الأمر الذي يلقي بظلاله الثقيلة على هذه الفئة الاجتماعية التي تجد نفسها متورطة في مشكلة ليس لها علاقة بها لا من قريب ولا من بعيد.

من هنا ارتأى المؤلف أسامة أنور عكاشة كعادته في الدراما التلفزيونية ان يسلط الضوء على وضع هذه الشريحة المأزومة والعراقيل التي تواجهها والتحديات الإنسانية والاقتصادية التي تقف عائقا ضد تطورها. بطبيعة الحال لا يمكن أن يحكى عن العرض ضمن سياق عرض مسرحي جاد، أو على الأقل، وتوخيا للدقة نقول ان العرض لا ينتمي إلى العروض التي قدمت ضمن المهرجان،

لأن طبيعته من طبيعة العروض المصرية التي تختلف عن عروض المسارح القومية او الجادة في باقي الدول العربية، اذ إن المصريين يميلون الى خلق فرجة مسرحية خاصة بهم وبمجتمعاتهم والقائمة على لعبة نجم الشباك والكوميديا وهنا يمكن أن نشاهد نجوما كبارا مثل سميحة أيوب وفاروق الفيشاوي ورشوان توفيق وفتوح أحمد وصلاح رشوان ونيرمين كمال في هذا العمل المسرحي وهم يقدمون شخصيات اجتماعية ذات أبعاد ساخرة.

ويمكن أيضا ان نجد تفاعل الجمهور مع عروض كهذه عندما يصفق لاطلالة كل فنان يلج الصالة وهذه لا يمكن ان تراها ضمن العروض الجادة، وتوصيفنا لهذا الوضع لا يعني تعميما بالضرورة، ولكن تبقى مشاركة عرض مسرحي كهذا في مهرجان مسرحي احترافي تطرح على مائدة الحوار حول التصورات المستقبلية لهذا المهرجان.

من جهة ثانية، عرضت فلسطين مسرحية «الجدار» التي تستلهم التراث عبر سيرة حياة مجموعة من الشخصيات التي ترتبط مع بعضها البعض بمصير الحياة التي يفرضها المحتل الصهيوني، وقدمت مجموعة من الحكايات الشعبية المعروفة ضمن سياق اللوحات التي ستحكي بالضرورة عن واقع الاحتلال وحكاية الفلسطينيين مع الموت في نص قد يرقى في بعض مشاهده الى مستوى هذا الألم الذي يعيشه الفلسطينيون يوميا.

وربما نتيجة لاعتذار فلسطين عن تقديم عرض آخر عنوانه «الجدارية» مأخوذ عن نص شعري لجدارية محمود درويش، قامت إدارة المهرجان بإعادة عرض مسرحية «شوكولا» للمخرجة الشابة رغداء شعراني التي لاقت رواجا طيبا وحضورا كثيفا من قبل جمهور المهرجان.

ولكن حينما يجري الحديث عن تميز التمثيل في هذه التجربة وفي معظم تجارب الممثلين الشباب في هذا المهرجان لا بد من البحث في سبل الارتقاء بالنص المسرحي الذي صار ينظر له على انه عنصر هامشي في العرض المسرحي، إذ ان واحدة من مشاكل العروض الجديدة في المسرح السوري هي عدم وجود نص متمكن يرتقي إلى مستوى أداء الممثلين

ويسود الاعتقاد بأن ورطة المسرحيين الشباب في سوريا الآن هي في غياب النص الذي يمكن أن يرقى لمستوى طموحاتهم، وهذا ما يمكننا أن نراه ضمن توجه تلك العروض الى تقديم لوحات تمثيلية تفتقد الرابط فيما بينها، ولكن هذا لا ينفي ان عرض «شوكولا» قد شكل حضورا طيبا لشباب تخرجوا حديثا او منذ بعض الوقت في المسرح السوري.

دمشق ـ جمال آدم