أصبح الاقتصاد الأميركي تحت رحمة العولمة والتطورات الدولية ولم يعد لواشنطن القدرة على السيطرة عليه بنفس القدر السابق ولأول مرة تبلغ تكاليف الواردات من السلع والخدمات ما يزيد على العائدات الفيدرالية، أو بمعنى آخر لأول مرة هذا العام يدفع الأميركيون للأجانب في الخارج أكثر مما يدفعون للحكومة الفيدرالية.
وبلغت تكلفة الواردات 2,2 تريليون دولار فيما بلغت عائدات الحكومة الفيدرالية 4 ,2 تريليون دولار سنوياً. وأهمية ذلك أن الحكومة الفيدرالية كانت على مدى 70 عاماً القوة الأولى في السيطرة على الاقتصاد الأميركي، غير أن هذا الوضع تغير الآن حيث أصبح الاقتصاد العالمي والعولمة هما القوتان المسيطرتان الآن. ومن الواضح أن قوة العولمة فاقت سيطرة واشنطن على الاقتصاد الأميركي حالياً.
وخلال السنوات العشر الماضية كان الاقتصاد الأميركي يعتمد على نفسه، وكانت الآلة الاقتصادية الأميركية تحت سيطرة رفع أو خفض سعر الفائدة، وقرارات الضرائب والإنفاق كانت تتخذ داخل واشنطن وتحدد اتجاهات النمو، والتطورات الاقتصادية في أنحاء العالم مثل الأزمة الاقتصادية الآسيوية في التسعينات، لم يكن لها تأثير يذكر.
غير أن الآن، ومنذ عام 1995، ارتفعت الواردات من 12% من إجمالي الناتج المحلي إلى نحو 17%. وبلغ نصيب الأموال الأجنبية في تمويل الاستثمار الأميركي 32% مقابل 7% قبل 1995 بمعنى آخر أصبحت الولايات المتحدة أكثر انفتاحاً على الاقتصاد العالمي أكثر من أي وقت مضى، وهناك الآن عديد من القوى التي توجه الاقتصاد الأميركي، وهي ليست في واشنطن بل في عواصم مثل بكين ولندن وحتى مكسيكو سيتي.
عواقب غير محمودة
واكتشف البنك الفيدرالي الأميركي ذلك بالطريقة الصعبة ولكي يتحكم في النمو الاقتصادي وتهدئة سوق المنازل رفع البنك سعر الفائدة 17 مرة منذ عام 2004، لكن تأثير المستثمرين الأجانب كان هو الأكبر رغم الحد من المتوفر من النقد داخلياً.
ونتيجة ذلك فإن سعر فائدة السندات الحكومية استحقاق 10 سنوات بلغ 6, 4%، أي كما كانت عليه عام 2004، عندما بدأ البنك الفيدرالي يرفع سعر الفائدة وهذا نبأ طيب للمقترضين الراغبين في قروض عقارية. غير أنه ليس نبأ طيباً لرجال السياسة الذين يهدفون إلى تهدئة النمو الاقتصادي بلا صدمات.
ويواجه الرئيس بوش نفس المشكلة، فالتخفيضات الضريبية التي أقرتها ضخت مليارات الدولارات في الاقتصاد ورفعت الإنتاج. غير أن الدفعة المالية أدت على عكس التوقعات إلى توفر وظائف أقل لأن غالبية الإنتاج اتجه إلى خارج البلاد. ويقول روبرت شابيرو المستشار الاقتصادي للرئيس الأسبق بيل كلينتون إن السياسات الاقتصادية الكلية التقليدية أصبحت أقل فاعلية مما كانت عليه، ولا نعرف كيف نوفر الوظائف ونمو الأجور بعد الآن.
شد الحزام والبحث والتطوير
ولا ينبغي لأعضاء الكونغرس الذين تبنوا شد الحزام المالي في حملتهم الانتخابية أن يتوقعوا نتائج اقتصادية أفضل باستخدام عنصر خفض العجز، وقال أحد المرشحين إذا كان للعائلات الأميركية أن توازن مدفوعاتها، فينبغي أن تفعل الحكومة والكونغرس ذلك أيضاً. وقد يبدو هذا الكلام جذاباً سياسياً غير أن هناك أدلة اقتصادية بأن تخفيض العجز لن يفعل الكثير لتحسين المناخ الاستثماري والنمو الاقتصادي.
وقالت دراسة حديثة إن الاستثمار لم يسجل استجابة كبيرة لتغيرات السياسة المالية. وحتى فكرة تخصيص مزيد من عائدات الضرائب للبحث والتطوير لرفع القدرة التنافسية الأميركية، بدأت تبدو عقيمة سياسياً واقتصادياً.
وذلك لأنه في ظل نقل المصانع والمرافق للخارج لم يعد أمراً محتوماً أن تفيد العمالة الأميركية مباشرة من الأبحاث التي تمولها الحكومة الأميركية والدليل أنه رغم تخصيص 5 ,12 مليار دولار للأبحاث الطبية خلال السنوات الخمس الماضية يرتفع العجز الأميركي في التقنية الحيوية والسلع الطبية.
ويواجه صناع السياسة حالياً مهمة صعبة هي إدارة الاقتصاد في مواجهة تدفق عارم من السلع والنقود عبر الحدود الوطنية في الاتجاهين.
ترجمة: أشرف رفيق