قطعت الدولة حالة الشك باليقين، وأظهرت الضوء الأبيض عن الأسود جلياً للعيان، بإعلان معالي محمد بن ضاعن الهاملي وزير الطاقة تنفيذ قرار أوبك فيما يتعلق بخفض الإنتاج وأن حجم الخفض يبلغ 100 ألف أو 101 ألف برميل يومياً،

وعليه، برهنت الدولة على تمسكها بالتطابق الكامل بين خطابها الرسمي وقراراتها وأفعالها، وهو النهج الذي اتبعته دائماً في كافة مناحي ومجالات سياستها، والذي على أساسه ارتكزت مصداقيتها على الصعيدين الإقليمي والعالمي.

ولعل في تأكيد الدولة على تنفيذ التعهدات التي قطعتها على نفسها في اجتماع منظمة البلدان المصدرة للبترول ( أوبك )، قد بدد الشكوك التي حاولت بعض التحليلات ترويجها بشأن قدرة الإمارات على التنفيذ، وذلك انطلاقاً من مقولة »إن المعلومات الصحيحة هي خير السبيل لقتل الشائعات والأكاذيب«.

حملة المتشككين

ورغم أن حملة التشكيك لم تكن قاصرة على الإمارات، بل شملت أوبك في أطار اعمال معاول الهدم فيما تبقى من مصداقيتها كممثل عن الدول المصدرة للنفط والترويج لمقولة ان أوبك تفتقد إلى أرادة العمل الجماعي، وأن قيمة قراراتها لا تتجاوز قيمة المداد الذي كتبت به، إلا أن إعلان الدولة عن تنفيذ تعهداتها قد عكس حرصها على الحفاظ على الحفاظ على مصداقية المنظمة، وذلك في إطار تمسكها باستراتيجية الحفاظ على استقرار أسواق الطاقة في العالم.

وقد حاولت بعض التحليلات التشكيك في قدرة الدولة على تنفيذ التعهدات التي قطعتها على نفسها خلال الاجتماع الأخيرة لأوبك في الدوحة، وروجت هذه التحليلات استناداً إلى مصادر مجهولة الهوية لفكرة أن الإمارات قد تخفق في التنفيذ الكامل لتعهدها بخفض إنتاجها بمقدار 100 ألف برميل يومياً، إذا لم تقم إمارة أبوظبي بتوسيع القيود لتشمل خامات زاكوم العلوي والسفلي،

وفسر هؤلاء المحللون التعليمات التي أصدرتها شركة أدنوك للمنتجين بخفض الصادرات من حقل مربان وأم الشيف، بأنها لم تتضمن إشارة إلى حقلي زاكزم العلوي والسفلي اللذين يسهمان بحوالي ثلث الإنتاج، وهو ما يجعل حجم الخفض غير كافٍ للوفاء بتعهدات خفض الإنتاج بمقدار 100 ألف برميل، وقدرت هذه التحليلات حجم الخفض بأنه سيتراوح بين 55 إلى 65 ألف برميل يومياً.

بيد أن وزارة الطاقة قد بددت هذه الشكوك بإعلانها على لسان معالي محمد بن ضاعن الهاملي إن الإمارات نفذت بالكامل الخفض، مشيراً إلى أن حجم الخفض يبلغ 100 ألف أو 101 ألف برميل يومياً.

تقويض مصداقية أوبك

وقد طلت حملة التشكيك في قدرة أوبك على تنفيذ الخفض برأسها منذ اللحظة الأولي لاتفاق الدول الأعضاء على التخفيضات، وساهمت هذه الحملة في تغذيه المزاج العام السائد في السوق بأن الأسعار لن تستجيب لقرارات تخفيض الإنتاج، وهو ما أبرز مفارقة أساسية مؤداها أن تحليلات الأسواق اتجهت نحو التكهن بانخفاض السعر مستندة إلى الحجة التي دائماً ما سقتها دول أوبك في تبرئه ساحتها من مسؤولية ارتفاع أسعار النفط وهو أن إمدادات النفط الخام متوافرة في السوق بشكل يفوق الطلب.

وعليه أوردت هذه التحليلات وجهات النظر المعززة لفكرة أن التخفيضات لن تقود إلى ارتفاع في الأسعار، وأشارت إلى أن التجار يراهنون أن أوبك لن تستطيع تنفيذ قرار تقليص 4 % من الإنتاج الذي تم إعلانه في الشهر الماضي بسبب أن العديد من الدول غير مستساغة فكرة التعرض لخسائر في عوائدها على المدى القصير

ورأى هذه الاتجاه أن الأسعار تعتبر المؤشر الأفضل الذي يقيس وجهات نظر السوق بشأن فرص نجاح أوبك، وما أن هذه الأسعار ظلت عند مستويات أقل من 60 دولاراً للبرميل، وهو السعر الذي أبدى عدد من وزراء أوبك استعداده للدفاع عنه، فهذا معناه أن السوق قد تجاهلت قرارات التخفيض.

تحذيرات الدول المستهلكة

والجدير بالإشارة هنا، أن قرار أوبك بتخفيض الإنتاج قد واكبه صيحات تحذيرية من الدول المستهلكة، حيث انه بعد وقت وجيز من إعلان أوبك لتخفيضات الإنتاج حذر الرئيس الأميركي جورج بوش أن أسعار النفط المرتفعة ستقوض الاقتصاد العالمي. كذلك حذر كلود ما نديل المدير العام لوكالة الطاقة الدولية من أن خفض إمدادات أوبك جاء في أسوء الأوقات،

كذلك أعلن وزير الطاقة الأميركي سام بودمان انه مع اقتراب فصل الشتاء الذي يرتفع فيه الطلب على وقود التدفئة فإن العالم ما زال يحتاج كل النفط الذي تستطيع أوبك ضخه وان على المنظمة ألا تبالغ في رد فعلها إزاء تراجع الأسعار عن طريق خفض الإنتاج.

وقال بودمان ان الطلب على المنتجات النفطية سيظل قويا في الأشهر الباردة المقبلة وان الوقت غير مناسب لأن تخفض أوبك الإمدادات المتاحة، وأضاف بودمان أنه يعتزم توضيح هذه النقطة في حوارات مع وزراء نفط الدول الأعضاء في أوبك قبيل اجتماع طارئ قد تعقده المنظمة قبل اجتماعها القادم المقرر في ديسمبر، ومضى قائلا أتوقع أن أكون على اتصال بهم وأن نجري حوارا قبل الاجتماع لكن بالتأكيد لا شيء مقرر في الوقت الراهن.

وواكب مثل هذه الصيحات التحذيرية، صدور تقارير تتنبأ بانخفاض الطلب على النفط خلال العام المقبل بحكم تباطؤ وتيرة نمو الاقتصاد العالمي، حيث خفضت وكالة الطاقة الدولية توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط في العام المقبل بمقدار 100 ألف برميل يوميا إلى 1.5 مليون برميل في اليوم بعد تعديلات طفيفة لأرقام الاستهلاك في أميركا الشمالية.

كما خفضت الوكالة توقعاتها لنمو العرض في العام 2007 من الدول غير الأعضاء بمنظمة أوبك بمقدار 80 ألف برميل يوميا وأبقت على توقعاتها للطلب على نفط أوبك عند 28.4 مليون برميل يوميا، وقالت في تقريرها الشهري عن سوق النفط ان الطلب على نفط أوبك في العام المقبل سينخفض بمقدار 500 ألف برميل عنه في العام الجاري.

وأضاف لورانس ايجلز رئيس وحدة صناعة النفط وأسواقه في الوكالة »يبدو أن الأمور في طريقها للتحسن بافتراض عدم وجود أي مشاكل غير متوقعة خلال موسم الأعاصير أو من العوامل السياسية. لكن التحسن ليس كبيراً، وقدرت الوكالة التي تتخذ من باريس مقرا لها أن الطاقة الإنتاجية الزائدة عن الحاجة لدى دول أوبك تتراوح بين 1.5 مليون ومليوني برميل يومياً.

عدم الالتزام بجدول التخفيضات

وما ساهم أيضا في تغذية الاتجاه التراجعي لأسعار النفط، إعلان بعض الدول المنتجة الرئيسية عدم الالتزام بجدول التخفيضات، إذ أعلنت اندونيسيا ثاني أصغر دولة منتجة للنفط في أوبك أنها لن تقوم بخفض إنتاجها من النفط على الرغم من قرار المنظمة بخفض الإمدادات

وأوضحت أن إنتاجها بالفعل قليل، وبالتالي لا يوجد سبب يجعلها تقوم بخفض إنتاجها وأن الدول الأعضاء الأخرى في أوبك سوف تتفهم وضع اندونيسيا، وتشير التقديرات هنا إلى أن إنتاج النفط في اندونيسيا وقد ارتفع طفيفا في شهر سبتمبر إلى 862.900 برميل من 860.500 برميل يوميا في أغسطس الماضي.

وعلى الصعيد ذاته، فقد أعلنت روسيا ثاني أكبر منتج للنفط في العالم اعتزامها زيادة إنتاجها لتعويض النقص المحتمل في السوق والناشئ عن تخفيضات دول أوبك، وهو ما عزز الانطباع في السوق بأن تخفيضات أوبك لن يكون لها تأثير على مستويات الأسعار،

وذلك على الرغم من ورود تقارير تفيد بانخفاض مستوى الإنتاج الروسي بسبب انخفاض الأسعار، ووفقا لوزارة الصناعة والطاقة الروسية فقد هبط الإنتاج في أكتوبر بنسبة 0.4 % ليصل إلى 9.751 من 9.751 ملايين برميل يوميا في سبتمبر كما هبطت الصادرات بنسبة 9.4 % لتصل 4.94 ملايين برميل يوميا

وذلك مع زيادة الحكومة رسوم الصادرات إلى مستويات قياسية، كما قررت وزارة الموارد الطبيعية الروسية خلال الشهر الجاري وقف بناء خطوط الأنابيب الرئيسية لمشروع سخالين 2 الذي تقوم شركة شل بتنفيذه وتصل تكلفته إلى 22 مليار دولار، ومن المخطط أن تحمل خطوط الأنابيب النفط والغاز إلى الطرف الجنوبي لجزيرة سخالين لضمان الصادرات على مدار العام.

تباين الروايات

وساهم أيضا في تغذية الاتجاه التراجعي، تباين الروايات حول تنفيذ دول أوبك لتعهدات خفض الإنتاج، حيث أبرزت بعض التحليلات أن كلا من السعودية والإمارات هما الدولتان التي نفذتا فعلا تعهداتهما بخفض الإنتاج، في حين وسعت تحليلات أخرى الدائرة لتشمل دولا أخرى في أوبك، دائرة الدول، بل أشارت تحليلات إلى أن الدول المعروف باتباعها خطا معتدلا في المنظمة هي الأكثر التزاما في التنفيذ، في حين أن الدول المعروف تبنيها خطا متشددا يثور بشأنها الشكوك بشأن تنفيذها لتعهداتها.

ويبدو هذه العوامل مجتمعة قد أثرت على معنويات السوق صوب التكهن بأن الأسعار مآلها التراجع، بحكم وفرة المعروض، إلى جانب تراجع الضغوط التضخمية في كل من الولايات المتحدة ومنطقة اليورو وتحسن ثقة المستهلك في فرنسا وألمانيا.

ورغم أن بعض المحللين دعوا الدول المستهلكة إلى عدم إلغاء أهمية أوبك وعدم التعويل على حدوث انخفاضات كبيرة في أسعار النفط، إلا أن تحليلات أخرى دعت دول أوبك بأن تنسى فكرة صعود الأسعار إلى مستوى يتجاوز 70 دولارا للبرميل، واعتبروا هذا السعر جزءا من الماضي.

وقال تيستو إيمون كبير محللي السلع في Mitsui Bussan Futures في طوكيو »نحن نعلم بأن هناك كميات ضخمة من النفط متاحة في السوق ومن ثم نحن لا نعتقد بأن هذه التخفيضات سيكون لها تأثير على الأسعار وأنه يجب ترقب موسم الشتاء في الولايات المتحدة عندما يصعد الطلب على النفط الخام ولكنني أعتقد أن أساسيات والمقومات الأساسية للسوق ضعيفة ومن ثم نحن نعتقد بأن متوسط أسعار سيكون أقلا في العام المقبل«.

والأمر الملفت في رأي البعض أن عدم تأثر الأسعار بقرار تخفيضات أوبك قد نزع من المنظمة أحد أوراق قوتها وهي قدرتها على رفع الأسعار بمجرد الإعلان عن نواياها بخفض الإنتاج، وبالتالي، فقد تعرضت المنظمة ليس فقط لخطر تآكل مصداقيتها ولكن كذلك لخطر فقدانها أوراقها المؤثرة على أسواق النفط.

خاص ـــ البيان