جائزة نوبل للسلام التي منحت لبنك جيرامين في بنغلاديش، مناصفة مع مؤسسه الدكتور محمد يونس، أكدت ان هناك اتجاها عالميا جديدا يعتد بالتطبيق العملي وليس بالأفكار النظرية، ففي عدد كبير من دول العالم كان هناك أفكار ونظريات ومطالبات للقضاء على الفقر ودعم التعاون بين الفقراء والأغنياء، والقضاء على الفجوة الكبيرة بينهما،
وهو ما يظهر كثيرا في برامج رؤساء الدول وبرامج الحكومات في اغلب الدول الفقيرة بينما لا يتحقق ذلك، حيث يزداد مستوى الفقر ويكبر حجم الفقراء في العالم، وعلى سبيل المثال فإن الهدف الذي أعلن عنه في بداية الألفية الحالية بالنسبة لتخفيض حجم الفقراء بمقدار النصف مع حلول عام 2015 لم يتم منه شيئا حتى الآن بالرغم من مرور ست سنوات على إقراره عالميا.
ومن هنا فإن أعضاء اللجنة التي تمنح جائزة نوبل للسلام قد تأكدت أن مجرد النظريات الكلامية لم تعد مجدية طالما أريد تحقيق السلام والتعايش السلمي بين دول العالم المختلفة حيث إن المطلوب فعلا هو تطبيق هذه النظريات عملا وليس شكلا وبطرق ووسائل موضوعية ليست للاستهلاك المحلي، لأن القضاء على الفقر هو أول الطريق للوصول إلى عالم يبتعد عن الحروب والصدام المسلح والإرهاب والإجرام، عالم يأمن فيه الإنسان على نفسه ويؤدي رسالته بقوة واطمئنان، وهو أسمى ما يتمناه كل انسان يعيش على ظهر الكرة الأرضية.
أقول إن هناك دولاً فقيرة يعد رؤساؤها شعوبهم بالتنمية الحقيقية والقضاء على الفقر لكن دون تنفيذ لهذه الوعود، كما ان هناك آلافاً من المؤسسات الخيرية تساعد الفقراء على العيش ولكن بأشكال مادية مؤقتة ودون معالجة حقيقية لجذور الفقر، وبالرغم من التحرك الشكلي والكلامي الذي لم يعد يغني من جوع والذي لم ينجز شيئا في تحويل الفقراء من معدمين إلى منتجين ومن البيات الشتوي المغلق إلى النشاط الحيوي المفتوح الذي يشعرهم بآدميتهم لتأدية رسالة مفيدة في الحياة لصالحهم ولصالح المجتمع بأكمله، بل وتساعد على وقف المشاحنات والمهاترات الدولية والاقليمية والمحلية وهو ما كان يسعى إليه مؤتمر «بريتون وودز» عام 1944 الذي وضع أسس نظام اقتصادي عالمي جديد.
ويهمني أن أعرض مثالا لجامعة الدول العربية التي تضمن ميثاقها نصوصا عديدة وبناءة حول دعم التعاون الاقتصادي والاجتماعي بين الشعوب العربية، ولكن التنفيذ ظل قاصرا على استحالة الوصول إلى مستوى الحصول على جائزة نوبل للسلام ولا أي جائزة فرعية أخرى بالرغم من الاجتماعات العديدة التي عقدها مجلس الجامعة منذ إنشائها
بالإضافة إلى ما يزيد على عشرين من المنظمات العربية المتخصصة وعدد كبير من الاتحادات العربية النوعية، بل ان كل هذه الآليات لم تمنع الأحداث المؤسفة التي قامت داخل الدول العربية وبين بعضها البعض والاعتداءات الخارجية التي تمت على الأمة العربية في فلسطين والعراق ولبنان والصومال والسودان وغيرهم، وظلت النصوص الواردة في ميثاق الجامعة تبحث عن تنفيذ حتى الآن والى ان جاءت قرارات مؤتمر القمة العربي الأخير في الجزائر الذي يدعو إلى وضع استراتيجية جديدة للعمل العربي المشترك تضم الجوانب الاقتصادية والاجتماعية إلى جانب التعاون السياسي.
ومنذ شهرين تحركت جامعة الدول العربية في ضوء قرارات القمة الأخيرة ونظمت اجتماعات تحضيرية لإعداد استراتيجية مشتركة للعمل الاقتصادي والاجتماعي العربي لتكون بداية لنظام جديد للتعاون العربي المشترك، نظام يتفق مع التطورات العالمية الجديدة ويستطيع الوقوف ضد الأحداث المؤسفة التي شاهدتها الأمة العربية في السنوات الأخيرة، خاصة احتلال العراق وتجميد القضية الفلسطينية ثم ضرب لبنان وتخريب بنيته الأساسية على مسمع ومرأى من كل دول العالم ودون ان تتحرك دولة عربية واحدة لمنع هذا الضرب والتخريب الذي لم يسبق له مثيلا منذ قيام منظمة الأمم المتحدة في عام 1945 وإنشاء آلياتها التي من المفروض ان تهدف إلى منع العدوان والظلم الذي يقع على أي من أعضائها.
وتمت في أغسطس الماضي اجتماعات تحضيرية بأفكار جديدة في مجالات التعاون الاقتصادي والاجتماعي بين الدول العربية يمكن ان تكون بداية لنظام عربي جديد وجاد يعيد للأمة العربية كرامتها وقوتها واحترامها بين دول العالم ويعالج التردي الواضح الذي انحدرت إليه في النصف قرن الأخير والذي ساهم المستعمرون في دعمه قبل خروجهم، وقد تمخضت هذه الاجتماعات عن إعداد استراتيجية مشتركة سوف يستكمل وضع تفاصيلها في اجتماع للخبراء العرب يعقد في النصف الثاني من يناير القادم ان شاء الله ،وتضم هذه الاستراتيجية محاور فرعية رئيسية يهمني ان أعرض بعضها فيما يلي:
(اولا) المحور الاقتصادي ويعطى هذا المحور الإستراتيجية المشتركة للتنمية والتكامل الاقتصادي العربي الذي يمكن أن يشمل بدوره الاستراتيجيات القطاعية التالية :
ـ الاستراتيجية المشتركة لإزالة المعوقات غير الجمركية للتبادل التجاري البيني وخفض تكاليفه.
ـ الاستراتيجية المشتركة لتنمية و تطوير النقل البري والبحري والجوي بين الدول العربية.
ـ الاستراتيجية المشتركة لتطوير الاتصالات والمعلومات بين الدول العربية.
ـ الاستراتيجية المشتركة لتطوير الصناعات العربية المشتركة الرئيسية للسوق العربية.
ـ الاستراتيجية المشتركة لتطوير التبادل الزراعي العربي البيني. ومشاركة القطاع الخاص في العمل الاقتصادي والاجتماعي العربي.
ـ الاستراتيجية المشتركة لتطوير المشروعات التصديرية العربية للسوق العربية.
ـ الاستراتيجية المشتركة لتطوير قطاع الكهرباء المشترك بين الدول العربية.
ـ الاستراتيجية المشتركة للحفاظ على البيئة العربية وتحقيق التنمية المستدامة.
ـ الاستراتيجية المشتركة لتحرير تجارة الخدمات بين الدول العربية.
وستضم هذه الاستراتيجيات المشتركة الأهداف الفرعية المنوط بها والبرامج والمشروعات التنفيذية وآليات التمويل وجهات المتابعة والتنفيذ، ملتزمة بالأهداف الإستراتيجية الرئيسية للإستراتيجية المشتركة للعمل الاقتصادي والاجتماعي العربي المشترك.
(ثانيا) المحور الاجتماعي ويغطي الاستراتيجية المشتركة للتنمية الاجتماعية العربية الذي يشمل:
ـ الاستراتيجية المشتركة للتشغيل وتوسيع سوق العمل العربية.
ـ الاستراتيجية المشتركة لمكافحة الفقر.
ـ الاستراتيجية المشتركة لمحو الأمية
-الاستراتيجية المشتركة ولتبادل خدمات التعليم وخدمات الصحة العامة وتطوير المجتمع المدني.
ـ الاستراتيجية المشتركة لتوسيع مشاركة المرأة في العمل المشترك.
( ثالثا) أما المحور الثالث في الإستراتيجية فيركز على تأهيل اقتصاديات الدول العربية الأقل نموا وتطوير منظومتها التنموية الاقتصادية والبشرية، ويغطي هذا المحور الإستراتيجية المشتركة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية للدول العربية الأقل نموا وتشمل كلا من: جيبوتي والسودان والصومال وفلسطين وجزر القمر وموريتانيا واليمن،
وتنطلق أهمية التنمية الاقتصادية والاجتماعية لهذه المجموعة من أجل تطوير بنيتها الإنتاجية ومنظومتها البشرية لإمكان الاستفادة من أسواقها وزيادة اندماجها في الاقتصاد العربي والإسهام في تطوير التجارة العربية البينية، والمشاركة في الاستثمارات العربية البينية، وفي هذا الصدد سيتم وضع ست استراتيجيات داعمة لها بالتنسيق مع الدول المعنية والمؤسسات المالية العربية والمنظمات العربية المتخصصة وغيرها من مؤسسات العمل العربي المشترك.
(رابعا) البحث العلمي والتطوير التكنولوجي على المستوى العربي، حيث يشكل هذا العنصر المحور الرابع في الاستراتيجية، خاصة وأن قطاع البحث العلمي والتطوير التكنولوجي العربي المشترك أكثر القطاعات الاقتصادية والاجتماعية العربية المشتركة ديناميكية لتطوير العمل الاقتصادي والاجتماعي العربي، ويتيح المجال واسعا امام الخبرات الضريبية والتكنولوجية العربية والملكية الفكرية العربية، وهو من القطاعات الاكثر ضرورة لتطوير العمل الاقتصادي والاجتماعي العربي المشترك،
كما انه يوفر فرص التدريب والتأهيل وتبادل الخبرات والتطبيقات التكنولوجية بين الدول العربية، مما يخفض كثيرا من تكاليف البحث العلمي والتطوير التكنولوجي الذي يحول دون تطوير هذا القطاع في الدول العربية منفردة، وبالتالي يمكن أن تضم الاستراتيجيات المشتركة لتنمية وتطوير البحث العلمي والتطوير التكنولوجي.
كما يهدف هذا المحور إلى التوسع في المراكز العربية مثل مراكز البحوث لتطوير الصناعات الغذائية العربية وصناعة النسيج العربية او لمواجهة حالة التصحر وتقنيات تحلية المياه وتقنيات الانتاج الانظف او زيادة الانتاجية الزراعية للمحاصيل الزراعية المرتبطة بالغذاء العربي والصناعات الغذائية العربية مثل انتاج البذور المقاومة، وكذلك في هذا الاطار يمكن وضع استراتيجية قطاعية للتدريب وتبادل الخبرات المشتركة.
وهذه الإستراتيجية للتعاون العربي المشترك تغطي كافة أنواع التعاون العربي المشترك في كافة الجوانب، وانه اذا ما تم تنفيذها فعلا فسوف تقضي على المشاكل والمعوقات التي واجهت هذا التعاون خلال الخمسين سنة الاخيرة وجعلته مجرد حبرا على ورق، وشكلا دون تنفيذ، على عكس التعاون الأوروبي الذي أخذ أصلا من النصوص الواردة في ميثاق جامعة الدول العربية بالنسبة لإلغاء القيود وتحرير كافة المعاملات بين الدول الأوروبية ووصل إلى اتحاد أوروبي كامل.
فهل سنعيش حتى نرى تطبيق هذه الاستراتيجية عملا وموضوعا، وهي التي يمكن أن تدفع التعاون العربي إلى مستوى التعاون الأوروبي الذي أخذ منه.. في هذه الحالة فإن حصول جامعة الدول العربية على جائزة نوبل للسلام لن يكون أمرا مستحيلا حيث تظهر الأمة العربية بمساهماتها القوية في السلام العالمي.
كاتب اقتصادي مصري