تحت عنوان تعزيز الشراكة الإستراتيجية في التنمية اختتمت قمة منتدى التعاون الصيني الإفريقي أعمالها بإصدار وثيقتين تاريخيتين تتوجان خمسين عاما من علاقات التعاون بين الجانبين هما إعلان بكين وخطة العمل المشتركة للتنمية.
ويعد هذا المنتدى الثالث للتعاون احتفالا بمرور نصف قرن على بداية التعاون بين الجانبين والذي شارك في أعماله 41 رئيس دولة أو حكومة من بين 48 دولة افريقية ولم تتخلف عن حضور هذا المنتدى سوى خمس دول فقط من بين مجموع الدول الافريقية وعددها 53 دولة، أهم دورة بعد دورتيه السابقتين التأسيسية في بكين عام 2000 والثانية في أديس أبابا عام 2003 في الطريق لعقد دورته القادمة في القاهرة.
ومن هنا شارك رؤساء الدول الثلاث المضيفة الحالية والسابقة واللاحقة الصين وأثيوبيا ومصر في تلاوة الإعلان الصادر عن دورة بكين في إشارة ذات مغزى وهى استمرار تواصل التعاون الافريقي الصيني وتوسيع عدد المشاركين فيه وانتقاله من مفهوم التعاون إلى مفهوم الشراكة بمعانيها الشاملة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والبشرية.
كما أن هناك إشارة أخرى ذات مغزى وهي أن تكون أديس بابا هي عاصمة الدورة الثانية بعد بكين عاصمة الدورة الأولى وأن تكون القاهرة هي العاصمة الثالثة لمنتدى الشراكة الافريقية الصينية وهي كون بكين عاصمة المبادرة بالتأسيس، وكون أديس أبابا هي عاصمة الاتحاد الافريقي الذي يضم كل افريقيا، وكون القاهرة هي عاصمة المبادرة بإقامة أول علاقات دبلوماسية مع الصين الشعبية عام 56 وبدء انطلاق هذا التعاون.
ويميز شراكة الصين الإستراتيجية عن غيرها من مشروعات ومحاولات الشراكة الأخرى مع أفريقيا كالشراكة مع أميركا أو مع فرنسا أن الشراكة الأولى هي شراكة بين الجنوب والجنوب دون شروط سياسية أو أجندة استعمارية، باعتبار الصين هي أكبر دولة نامية نجحت بتجربتها التنموية في المنافسة على المركز المتقدم بين الدول الصناعية الكبرى في العالم، وأفريقيا هي أكبر تجمع للدول النامية التي تتطلع لزيادة معدلات التنمية خصوصا بعد اتحادها لتعويض سنوات التخلف بسبب النهب الاستعماري لثرواتها الطبيعية،
بينما الشراكة الأميركية الأفريقية أو الفرنسية الأميركية هي علاقة غير متوازنة بين دول من الجنوب الساعية إلى النمو ودول من الشمال سبقت إلى النمو وتتنافسان فيما بينهما على اقتسام الكعكة الأفريقية ومد النفوذ والهيمنة السياسية والعسكرية، بينما تحيط بهذه العلاقة الظلال والعوائق بفعل ذكريات أفريقية مريرة من آثار الحقبة الاستعمارية، ومخاوف من أجندة الهيمنة والعسكرة الأطلسية التي لم تتخلص العديد من بلدانها منها حتى اليوم.
ويمكن قياس سرعة نمو العلاقات الأفريقية الصينية بمدى سرعة نمو حجم التجارة بين الجانبين، فعندما بدأ المنتدى في عام 2000 بلغ حجم التجارة البينية 10 مليارات دولار، بينما وصل حجم التجارة عام 2005 نحو40 مليار دولار،أي أنها تضاعفت 4أمثال في خمس سنوات فقط، وفى غضون دورتين للتعاون فقط، فضلا عن تنامي الاستثمارات الصينية في دول الاتحاد الافريقي في المجالات النفطية والصناعية والزراعية والهندسية بصورة مطردة.
و بينما لا يزال التوجه الاستثماري والتنموي العربي نحو أفريقيا ضعيفا ومترددا، فقد بادرت الصين في يناير 2006 بإصدار وثيقة لتوضيح أهداف السياسات الصينية تجاه أفريقيا والتي تسعى بموجبها لتعزيز علاقات التعاون والوصول بها إلى مستوى الشراكة الإستراتيجية في التنمية.
وفي هذا الإطار أسقطت الصين ما قيمته 11 مليار يوان صيني بما يوازى 3,1مليار دولار أميركي من ديون 31 دولة أفريقية، كما أعفت الدول الأفريقية من نسب عالية من الجمارك لتشجيع تدفق السلع الأفريقية إلى السوق الصيني الهائل، وقدمت آلاف المنح العلمية والتدريبية للكوادر الأفريقية، وأرسلت إلى افريقيا 15000 كادر طبي قاموا بعلاج 170 مليون مواطن أفريقي من الأمراض المتوطنة في أفريقيا.
كما قدمت الصين لأفريقيا العديد من المساعدات التنموية بدون شروط سياسية مقيدة ودون شروط اقتصادية غير عادلة في صياغة للمصلحة المشتركة. ويتوقع المراقبون في الطريق من بكين إلى القاهرة وعلى مدى السنوات الثلاث القادمة أن يتضاعف حجم التجارة البينية. ويتزايد عدد المشروعات الاقتصادية وترتفع معدلات التنمية في ظل هذه الشراكة الإستراتيجية الصينية الأفريقية الواعدة.
مستشار اعلامي