لقيت فكرة تكريم وتخليد الفنانين والمبدعين اللبنانيين والعرب الذين أثروا الحياة الثقافية والفنية والتراثية العربية بإبداعاتهم على مدى نصف قرن، ترحيبا واستحسانا في الأوساط الثقافية والفنية في لبنان ومختلف العواصم العربية، وكذلك مطالبة بمزيد من المعلومات حول مشروع المتحف الدائم للفن الشعبي والفلكلوري الذي سوف تحتضنه مدينة بعلبك وقلعتها التاريخية.
والواقع فإن فكرة احتواء هذا الكم الكبير من موجودات وأزياء الفنانين الخالدين الموضوعة في المخازن منذ ما قبل الحرب الأهلية اللبنانية جاءت بعد أن كاد الزمن يقضي على تراث بأكمله، فبادرت لجنة مهرجانات بعلبك الدولية إلى استغلال هذه الثروة وبدأت قبل أربع سنوات بالتخطيط والعمل بجهد للإفادة من الأزياء والمحتويات الأخرى.
وتقول منسقة مشروع المتحف هيام غندور لـ «البيان»: «إن لجنة المتحف التي انبثقت عن لجنة مهرجانات بعلبك هي صاحبة المبادرة حيث بدأت بإجراء سلسلة من الاتصالات والمراسلات مع وزارة الثقافة منذ العام 2002 ومع المديرية العامة للآثار التي اطلعت على أهداف اللجنة ووافقت على إعطائنا جزءاً من النفق الموجود داخل القلعة بغية تحويله إلى متحف.
وكان الطرفان قد اقترحا بداية منزلا تراثيا داخل المدينة، ولكننا رفضناه بعد معاينته واعتبرنا أن الموقع الطبيعي للمتحف ينبغي أن يكون داخل القلعة، وجرت أيضا لقاءات واتصالات كثيرة مع مكتب المهندسة العالمية زها حديد في لندن واستغرق الأمر عدة شهور من الدراسات حتى أخذنا موافقتها على تصميم المتحف وذلك خلال لقاء جمعني معها، ولم نصدق جميعنا لأننا نعتبر أن تصميمها الهندسي للمتحف سيغني القلعة وبعلبك برمتها».
وأكدت غندور على القول بأن المتحف «سيخلد أعمالا فنية لمبدعين قدموا الكثير وسينمي المردود الاقتصادي للسياحة كونه يجذب عددا كبيرا من السياح المحليين والوافدين والمثقفين والمهتمين بالفنون والفلكلور، لاسيما وأن بعلبك تستقطب 100 ألف سائح كل عام وأربعين ألف متفرج للمهرجانات، وسيشكل المتحف صرحا ثقافيا لطلاب الفنون وذاكرة موثقة للفنانين الذين رفعوا اسم لبنان في العالم، ويضع بعلبك على خريطة المتاحف الفنية أسوة بمدن تاريخية أخرى».
إلا أن غندور أشارت في الوقت ذاته إلى أن «المتحف ينتظر الدعم المادي من كل المهتمين بالحفاظ على تراثنا العربي الفني وهويتنا الثقافية»، ولفتت إلى أن «الحرب الأخيرة التي تعرض لها لبنان من قبل العدو الإسرائيلي، عطلت كل مساعينا الآيلة إلى جمع الأموال كي يرى المتحف النور».
وحول طبيعة الموجودات التي سيضمها المتحف قالت غندور: «تمكن القيمون على مهرجانات بعلبك منذ العام 1957 من جمع مواد كثيرة استخدمت في العروض الفنية والمسرحية كثياب الفنانين والفرق الراقصة التي كانت تتولى دفع تكاليفها لجنة المهرجانات وكان لها حق الاحتفاظ بها بعد انتهاء العروض، كل هذه الموجودات ستعرض في المتحف،
إضافة إلى ملخص عن أهم المسرحيات الموسيقية وأسماء الفنانين وصور وأغان ومقتطفات من المسرحيات ومقتطفات عما نشر في الصحف والمجلات ونسخ عن البرنامج السنوي ورسائل من فنانين عالميين إلى لجنة المهرجانات وصور لأهم الفنانين العالميين الذين شاركوا في مهرجانات بعلبك منذ العام 1956،
كذلك هناك صور لفنانين عرب ولبنانيين وملصقات وتسجيلات صوتية ومرئية هي نتاج خمسين عاما من تاريخ المسرح الموسيقي اللبناني والحضور العالمي على أدراج القلعة، وكلها ستعرض وفق أحدث التقنيات وستقدم المعلومات باللغتين العربية والإنجليزية، كما ستعرض آلات موسيقية تقليدية استخدمت خلال المهرجانات وأعيد جمعها لاحقا كآلات القانون والعود والربابة والجوزة وغيرها».
أجنحة للفنانين
وأكدت غندور على دور الفنانين اللبنانيين في إحياء فعاليات المهرجانات منذ انطلاقتها بمبادرة من الرئيس الراحل كميل شمعون عام 1957، وقالت: «لقد حمل هؤلاء رسالة لبنان الفنية إلى العالم وشكلوا مدارس فنية حقيقية خرجت أجيالا أمثال الرحابنة وكركلا وروميو لحود»، معتبرة أن «أقل ما ينبغي عمله تجاه هؤلاء الكبار هو تكريمهم بعمل يخلد ذكراهم في قلب القلعة التي كانت ولا تزال فضاء لإبداعهم»،
مشيرة إلى أن المتحف «سيخصص أجنحة لكل الفنانين وسيكون هناك جناح خاص للفنانين العرب كأم كلثوم ووردة الجزائرية وصباح وفيروز ووديع الصافي ونصري شمس الدين وزكي ناصيف وفيلمون وهبي وشوشو، وجناح للفنانين العالميين كماركوس فونتني ونورييف وموريس بيجار وفان كاريان».
الصدى الإيجابي الذي لقيه المشروع لدى الفنانين المعنيين عندما طرح عليهم، حمل اللجنة المؤسسة على تقسيم العمل وتوزيع الأدوار، فاهتمت غندور ومصممة الأزياء المعروفة في عالم الفنانين سامية صعب بزيارة الفنانين في بيوتهم لعرض الفكرة وإرسال كتب ورسائل للمعنيين،
وتقول غندور: «لقد كانوا ممتنين لنا وأبدوا كل استعداد للمساعدة، الصبوحة كانت فرحة جدا أما السيدة فيروز التي أخذنا رأيها عبر محاميها فأعربت عن موافقتها كذلك ابن الفنان نصري شمس الدين الذي يخصص له موقع مميز على الإنترنت وكذلك الفنان الكبير وديع الصافي»، وأوضحت أن اللجنة التأسيسية تولت الزيارات لشرح أهداف المشروع «واهتمت صعب بإجراء جردة للملابس وتوثيقها بحسب السنة التي استخدمت فيها،
وعادت لأرشيفات الصحف والمجلات اللبنانية لتأريخ المعطيات بشكل صحيح، فيما تولت خديجة اللقيس مهام البحث عن مواقع الفنانين عبر الإنترنت لإغناء المتحف بالمعلومات المطلوبة، واهتم المهندس جوزيف شمالي بمتابعة الأمور لدى الوزارات المعنية، أما المهندس داوود القرم فقد وضع شعار المهرجانات والمتحف وهو عبارة عن دائرة شمسية وهو رمز نجده حول البحر المتوسط في مناطق انتشرت فيها تاريخيا عبادة الشمس لاسيما في بعلبك مدينة الشمس».
الزي وتقنيات المسرح
وكان لنا لقاء مع سامية صعب مصممة الأزياء التراثية التي صممت بعض أزياء فخر الدين التي قدمت على مسرح بعلبك، أوضحت فيه أن المتحف «يسلط الضوء على مراحل تطور الزي الفلكلوري من التصميم البسيط إلى الفاخر والأنيق الذي يعكس بدوره تطور الفن المسرحي وتقنياته»، وأشارت إلى أن «معظم القطع التي ارتداها الفنانون في بعلبك والراقصون منذ العام 1956 حتى اليوم موجودة في المخازن ومعظمها بحال جيدة
لكن لن يتم عرضها جميعا بل تبعا لأهميتها وتسلسلها الزمني، وتبرز من خلال هذه المجموعة نوعية الزي المسرحي الملائم لكل عمل، فللمسرح التاريخي أزياؤه الخاصة به وللعمل الاستعراضي أزياؤه المميزة أيضا، وهذا يعكس تطور الزي والمسرح والمهرجانات برمتها»، ولفتت صعب إلى دور السيدة الأولى خلال فترة انطلاق مهرجانات بعلبك زلفا شمعون «التي كانت شغوفة بالخياطة والأزياء وأشرفت على حياكة الملابس الأولى التي استعملها الراقصون والفنانون في أول عروض مهرجانات بعلبك عام 1956،
ومع تطور وتبدل الأزياء تغيرت أسماء المصممين من المحلي إلى العالمي فدخلت أسماء كبيرة على زي بعلبك الفلكلوري ككريستيان ديور و جان بيار دوليفر، ومارسيل ربيز، بابو لحود وإيزابيل إضافة إلى محترفات تنفيذ هذه الملابس وأهمها محترف شانتال لتنفيذ تصاميم ديور، ومحترف إيزابيل ورئيفة صالحة التي اشتهرت بأعمال التطريز».
تطوير أنشطة القلعة
مسؤول المواقع الأثرية في بعلبك والبقاع المهندس خالد الرفاعي أكد اهتمام المديرية العامة للآثار ووزارة الثقافة اللبنانية بتطوير أنشطة وفعاليات القلعة التاريخية لجذب المزيد من السياح إليها، وأشار إلى أن «مديرية الآثار وبعد دراسة وافية لطلب لجنة المهرجانات قدمت جزءا من النفق البالغة مساحته 300 متر والذي سيتحول إلى سوق لمعارض أثرية وتراثية
على اعتبار أنه يضم متحفا للقطع الأثرية المكتشفة في بعلبك والذي مولته الحكومة الألمانية بالتعاون مع الحكومة اللبنانية وجرى افتتاحه عام 1998، والقسم الثاني يعتبر ممرا إلى خارج القلعة وتعرض على جوانبه قطع كبيرة كالموزاييك والتماثيل، أما الجزء الثالث فمن المقرر أن يضم متحف الفلكلور».
وأشار الرفاعي إلى أن النفق يرتفع عن الأرض ستة أمتار وهو عبارة عن قبو حجري يعود إلى الفترة الرومانية كان يستخدم في الماضي لرفع البناء قدر الإمكان عن الأرض ويستغل النفق في الأسفل لخدمات شتى كحفظ المواد الغذائية وإسطبلات للخيول وغيره، مؤكدا أن «التنسيق جار على كافة المستويات مع المهندسة زها حديد المعروفة بأسلوبها العصري
وخطوط هندستها الممتدة والذي يتناقض مع أسلوب العمارة القديم والتاريخي، لذلك وضعنا كمديرية آثار دفتر شروط حددنا فيه لمكتب حديد المبادئ الرئيسية لاستغلال الفضاء الداخلي للنفق بشكل يتناسب مع مفهوم البناء التقليدي وكيفية عرض المعروضات وتوزيعها وغيره، وقد تجاوبت مع كل ما طلبناه وقدمت مشروعا أوليا لم نضع عليه أية ملاحظات».
واعتبر الرفاعي أن «المتحف سيشكل نقطة استقطاب إضافية إلى القلعة التي تعتبر موطئ قدم لسياح العالم، خاصة بعد انتهاء أعمال مشروع الإرث الثقافي الذي يموله البنك الدولي والذي سيصل الموقع الأثري بقلب المدينة عبر مسارات خاصة، وسيؤمن وصول السياح إلى المواقع السياحية والأثرية وسيهتم بتأهيل الموقع وصيانته».
بيروت ـ ثناء عطوي