من الواضح أن إعادة هيكلة النظام المالي وتحرير أسواق الخدمات المالية سيكون الميدان الجديد خلال المرحلة المقبلة في سياق عملية إعادة هيكلة الاقتصاد العالمي وفقاً لمتطلبات استكمال حلقات التحرير الاقتصادي، بما يترتب على ذلك من تبعات أمام الدول النامية ومنها الدول العربية.
ويتطلب تحرير الخدمات المالية الحد من التدخلات الحكومية وفتح الأسواق أمام المؤسسات المالية الأجنبية وإطلاق قوى السوق على قاعدة المنافسة الحرة، ويتم ذلك على عدة مسارات في آن واحد، منها ما تفرضه مقتضيات الاندماج نفسه، ومنها ما تحدده سياسات وتوصيات المؤسسات الدولية المعنية، ومنها ما يتم فرضه من خلال اتفاقيات دولية كاتفاقية تحرير الخدمات (الجاتس).
ويمكن القول إن أبرز مكونات «الوصفة» الخاصة بالتحرير المالي هي خلق مؤسسات مالية ومصرفية ذات ملاءة عالية وقدرة تنافسية تؤهلها للبقاء دون أي شكل من أشكال الدعم والحماية. ويبدو واضحاً أن هذه العملية ستتم سواء بمبادرة حرة من المؤسسات والدول المعنية أو بشكل اضطراري تحت وطأة ضرورات الاندماج والضغوط التي قد تمارسها المؤسسات الدولية.
كما أن مجموعة الشروط المرتبطة بتدفقات العون الرسمي تمثل نموذجاً ثالثاً لعملية التكيف. ولا تقتصر عملية إعادة الهيكلة على القطاع المالي في الدول النامية كما قد يتبادر للذهن، فقد بدأت الدول الصناعية منذ أعوام عديدة اتخاذ سلسلة من الإجراءات المتعلقة بالتكيف مع المستجدات، وذلك بجعل القطاع المالي فيها أكثر مرونة وفعالية وأماناً وابتكاراً بما يكفل الحفاظ على تنافسيته.
وفيما يتعلق بصناعة الخدمات المالية العربية فإنها تواجه تحديات مضاعفة، منها ما يتعلق بضرورات التكيف مع المتغيرات الدولية ومنها ما يتعلق بمواجهة المشكلات ومواطن الضعف الخاصة بهذه الصناعة. وتتعلق هذه الأخيرة بتركيبة القطاع المصرفي العربي وبالبيئة الاقتصادية والسياسية التي يعمل فيها.
فإذا كانت الصفة العائلية والحكومية لملكية عدد كبير من المصارف العربية قد وفرت في الماضي فرص العمل والنمو الآمن والمريح داخل أسواق محمية، فان هذه الصفة ستشكل عاملاً سلبياً في ظل انفتاح الأسواق واشتعال المنافسة مع مصارف دولية عريقة، ولعل ذلك يفسر تأكيد المؤتمر السابع لرجال الأعمال والمستثمرين العرب بالسعي على أهمية «قيام مؤسسات مصرفية عربية كبرى لزيادة قدرتها على المنافسة وتطوير خدمات مصرفية جديدة بمفهوم البنك الشامل».
وتجدر الإشارة إلى أن هناك عدداً من المميزات في بيئة العمل المصرفي العربي أهمها السيولة العالية التي تتمتع بها غالبية المصارف بما في ذلك مصارف الدول غير المصدرة للنفط، يقابل ذلك ضآلة فرص التوظيف المجدي والآمن بسبب التراجع في حجم اقتراض الحكومات المباشر من الأسواق المحلية واستبدالها بإصدار أدوات الدين، بعد تمكن العديد من الدول من السيطرة النسبية على عجوزات الموازنات العامة، ونجاح تنفيذ برامج الخصخصة مما رفع عن كاهل الحكومات أعباء تشغيل المؤسسات المباعة ووفر في الوقت نفسه موارد مالية إضافية. وقد ترافق كل ذلك مع انخفاض هوامش الإقراض لا سيما للمقترضين الجيدين وللقروض الكبيرة.
كما تشهد تلك الدول تزايد الاعتماد على أسواق السندات المحلية والدولية للحصول على التمويل سواء من قبل الدول أو من قبل بعض شركات القطاع الخاص الرائدة، وقد ساعد على ذلك نجاح برامج الإصلاح الاقتصادي وتعزز الثقة في الاقتصادات العربية من جهة وقيام وكالات التصنيف الدولية بإعطاء درجات مقبولة للمخاطر السيادية في عدد كبير من الدول العربية إضافة إلى التصنيف الجيد لعدد كبير من الشركات العربية من جهة أخرى.
وقد يكون الوقت قد حان لأن تأخذ المصارف العربية المبادرة لدخول هذه الميدان والسعي إلى تطوير أسواق محلية للسندات. ولعله من المؤكد ان عملية الاندماج في الاقتصاد العالمي والتكيف مع مستجداته المتسارعة، تتطلب تصميم حزمة متكاملة من السياسات والإجراءات في مختلف مجالات وقطاعات صناعة الخدمات المالية وتنفيذها ورصد نتائجها وتكييفها لمواجهة المتغيرات التي تطرأ على القطاع.
ومن بين أهم هذه الإجراءات تقوية المراكز المالية للمصارف العربية من خلال زيارة رؤوس أموالها بما يتلاءم مع معايير اتفاقية بازل المتعلقة بنسبة الموارد الخاصة للبنوك إلى القروض الخطرة، كذلك تعميق الاتجاه إلى المساهمة في تمويل مشروعات البنية الأساسية وكذلك المشروعات الاستثمارية الخاصة، وتشجيع المبادرة بين البنوك العربية للاندماج الطوعي وبتشجيع ومباركة من المصارف المركزية، كذلك مبادرتها لتطوير وتفعيل الإطار القانوني الذي ينظم النشاط المصرفي بما يتلاءم مع التطورات الجارية.
وفيما يخص مؤسسات وأسواق القطاع المالي بدول مجلس التعاون الخليجي، فإن أهمية التحرير المالي يمكن النظر إليها من زاويتين رئيسيتين. الزاوية الأولى وهي كون دول المنطقة تعتمد في، تمويل برامج التنمية الاقتصادية على مورد مالي يجيء من تصدير سلعة واحدة وبالتالي فان أي تقلبات في هذا المورد لأي سبب كان سوف يعرض تلك البرامج للخطر أيضاً.
وبالتالي فان بإمكان مؤسسات وأسواق المال بدول المنطقة ـ من خلال تحريرها وتقوية أوضاعها ـ توفير العديد من المنتجات والأدوات التي بإمكانها ان تسد الثغرات الناجمة عن عجز بالتمويل وبالتالي إضفاء الاستقرار على تنفيذ السياسات المالية والنقدية والبرامج الإنمائية. أما الزاوية الثانية لأهمية تحرير مؤسسات وأسواق المال الخليجية فهي رفع كفاءة استخدام الموارد المالية المتوفرة من خلال توظيفها في مشروعات ومنتجات منتجة وتدر عوائد مجزية.
وأهمية تحرير مؤسسات وبنوك وأسواق للقطاع المالي بدول المنطقة تتزايد في الوقت الحاضر بفعل التغيرات الهيكلية التي تشهدها اقتصادات هذه الدول. فهذه الدول تلجأ بصورة متزايدة إلى الاقتراض سواء من الأسواق المحلية أو الخارجية لتمويل مشاريع التنمية. وهذا يعني ان الحاجة إلى خدمات القطاع المالي في تزايد، ويستوجب تطوير وظائف وأدوار هذا القطاع من خلال استكمال بنيته التحتية.
كذلك الحال بالنسبة لبروز الاتجاهات العالمية المتسارعة نحو العولمة والانفتاح والتحرير الاقتصادي والمالي وإزالة القيود من خلال اتفاقيات الجات. وهي اتجاهات ستعرض تجارب التنمية الخليجية إلى تحديات جديدة، بإمكان القطاع المالي الخليجي ومؤسساته وأسواقه ان تسهم بفاعلية في مواجهتها والاستفادة بصورة ايجابية منها بدلاً من الخضوع بصورة سلبية لإفرازاتها.
وأخيراً فإن الجهود المبذولة لتوسيع دور القطاع الخاص في التنمية وتنفيذ برامج التخصيص والإصلاحات الاقتصادية الأخرى ـ كما سبق ان ذكرنا ـ جميعها بحاجة إلى أدوار أكثر تخصصاً للقطاع المالي. فالقطاع الخاص ينشد بصورة طبيعية تقليل مخاطر استثماراته في مشروعات التنمية.
ان القطاع المالي بما سوف يكتسبه من أدوات وتقنيات مالية متطورة بفعل عوامل التحرير بإمكانه ان يلعب دوراً رئيسياً في تقليل تلك المخاطر سواء من خلال ما توفره أسواق المال من خصائص التسييل والمتاجرة للاستثمارات المتداولة فيها أو من خلال ما توفره عقود مقايضة أسعار الفائدة والعملات والآجال من ضمانات للمخاطر المصاحبة للتقلبات في أسعار الفائدة والعملات وغيرها. كما ان الترويج للاستثمارات الجديدة سيتم من خلال مؤسسات وأجهزة متخصصة وكفؤة تملك الإمكانات الضرورية لذلك. وهذه كلها تسهم في رفع كفاءة استثمار الأموال المتوفرة مثلما يسهم في زيادة حجمها وأشكالها وبالتالي الدفع إيجاباً باتجاه التنمية الاقتصادية.
كاتب ومحلل اقتصادي