ما زال الجو في دمشق يتماشى مع رغبة عشاق المسرح بمشاهدة عروض مسرحية جاءت لتقدم نفسها لهم بكل حب وطواعية، ولولا دغدغات البرد المسائية لكان الجو ربيعيا بهيا، وعلى خلاف هذا جهز المخرج العراقي جواد الأسدي نفسه لهذا البرد من خلال «حمام بغدادي» الذي يشهد عودته للممثلين السوريين وللفن السوري بعد انقطاع غير قصير عنهم ربما كان لعشر سنوات تقريبا، وهو الذي يشهد له تحقيق إنجازات مسرحية عربية طيبة معهم في المهرجانات العالمية.
و«حمام بغدادي» كنص مستوحى من زمن الحرب العراقية وبحكم العنوان فإن العمل سيتجه حتما إلى ما يحدث في العراق وفي بغداد تحديدا، ولكن بطبيعة الحال العرض لن يكون فجائعيا لان ما يحدث في الواقع قد لا تستطيع مئات الأعمال السينمائية والمسرحية الإلمام به ، وبالتالي سنتوقع عرضا ساخرا بكل معنى الكلمة وهذا ما حدث آخذين بعين الاعتبار أن فايز قزق ونضال السيجري هما البطلان الوحيدان في العرض، ومعروف عنهما تقديم هذا النوع من الأداء.
وحسب ما صدر عن العمل فإن أحداث المسرحية تقوم على حوارية داخل جدران الحمام بين شقيقين عراقيين يعملان كسائقي حافلات ركاب هما نموذج عن الشعب العراقي في اختلافهما بنظرتهما للاحتلال الأميركي. فالأول يعمل مع الاميركيين بعد الاحتلال والآخر رفض التعامل مع الاحتلال وكان يعمل في وقت سابق مع نظام صدام حسين تحت إغراءات المال ولا يزال يعيش تحت تأثير حالة هلع بسبب قيامه خلال تلك الفترة بنقل عدد من المعتقلين تمت تصفيتهم أمامه.
المخرج أراد أن يرسم صورة حيه عن الحمام في بغداد حيث تم توزيع عدد من الاواني الخاصة بالحمامات واستخدم الأسدي عبر تصميم الإضاءة التي استخدم فيها الألوان القريبة من الخلفية لتترك انعكساتها على مسار العرض.
ومن الملاحظ أن المخرج استخدم بحرفية عالية فضاء المسرح جيدا مع الأداء التمثيلي المتميز لبطلي العرض رغم وقوعهما في نمط أدائي واحد أحيانا ، دون وان تكون هذه مشكلة أو نقطة سلبية بحق العرض لان كلا الممثلين كانا يخرجان من هذا المطب سريعا .. وهذا ما قد يفسر حصول كل الممثلين على جائزة أفضل تمثيل في مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي قبل شهرين.
حمام بغدادي قد لا يكون حقق رصدا دقيقا لما يجري في الشارع العراقي ولكنه اقترب من حقيقة ما يجري بين بعض الأوساط العراقية الآن وأهمية الأدب والمسرح أن يؤرخ لهذه المرحلة بطرق مختلفة تفتح هامشا للحوار وتؤسس لذاكرة عن هذه المرحلة.
وفي مكان آخر عرض الدكتور محمد قارصلي مساء يوم السبت عرضا لبعض الطلاب والهواة في المسرح بعنوان «نحن» اعتمد فيه على عرض بعض جوانب ما يحدث في الحياة عبر بوابة المسرح وارتأى المخرج أن يعرض لوحات حياتية حيث تميزت بعض اللوحات بفهم لهوية هذا النوع من الأعمال، ونستطيع أن نقول ان عرضا كهذا يؤسس لممثلين في المسرح ويصلح الحديث عنه في هذا السياق أكثر من تحليله كعرض مسرحي متكامل وهذا النوع من الأعمال هو شكل من أشكال العروض التي تبناها المهرجان لإتاحة الفرصة أمام مختلف التجارب ان تعرض نفسها للجمهور الدمشقي.
والتقى المخرج التونسي توفيق الجبالي بطلاب المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق وتحدث معهم مطولا عن آلية العمل في المسرح والطرق التي يتبعها في بناء عرض مسرحي.
ويبدو أن زحمة العروض الخمسين قد دفعت بتأجيل بعض العروض وإلغاء بعضها الآخر بما في ذلك زحمة الندوات التي تلي العروض في اليوم التالي.
الجمهور الدمشقي ينتظر مساء اليوم عرض مسرحية «الناس اللي في التالت» من تأليف أسامة أنور عكاشة وهذا العمل الذي ظل يعرض لعامين متتاليين في القاهرة سيجد فرصة متابعة الجمهور السوري له وهو يضم عددا من نجوم المسرح المصري وسنكون معه غدا في نظرة تحليلية.
دمشق ـ جمال آدم