«رايات ابائنا» الفيلم الجديد للممثل والمخرج الأميركي كلينت ايستوود مأخوذ عن كتاب جون برادلي الأكثر مبيعاً في الولايات المتحدة، عن قصة حقيقية لصورة صارت ايقونية في التاريخ القومي الأميركي، لخمسة جنود يرفعون العلم الأميركي على جبل في جزيرة لاو جيما اليابانية اثناء الحرب العالمية الثانية، وفي العام 1945 تحديداً حين كانت انتصارات قوات الحلفاء في أوروبا تتوالى في مقابل تعثر قوات البحرية الأميركية في مواجهاتها مع الجيش الإمبراطوري الياباني في عدة مواقع حربية في اسيا وعبر المحيط الهادي.

وفي لحظة كان السياسيون الأميركيون فيها يحتاجون إلى الصورة الايقونة، لتعبئة الشعب الذي أرهقته تلك الحرب وبالفعل نجحت الصورة وخلدت الجنود، وشحنت الرأي العام واستمرت الحرب وانتهت بانتصار أميركا على اليابان، بصورة «مخفية» ومتوارية، عن لحظة سقوط القنبلة الذرية الأميركية على مدينة هيروشيما اليابانية، حيث قضى عشرات الآلاف جراء الانفجار الضخم وجراء الاشعاع القاتل.

توصف معركة لاوجيما بأنها أكثر المعارك دموية، بذلت فيها القوات العسكرية اليابانية والأميركية كل ما بوسعهما لتحقيق النصر واحدهما على الآخر. وصور ايستوود ضراوة هذه المعارك وخلفية الحدث «الايقوني» بأسلوب يبتعد عن التغيير .

كما يقول هو في مقابلة صحافية مع مجلة أميركية عندما أقوم بعملي لا أضع أمامي هدفاً محدداً سياسياً أو غيره، أسعى لتغييره أو أن أصوب عليه لأنني أهتم بتجميع عناصر الحكاية والنص البصري بجميع مستوياته، السردية والتقنية والفنية.

وأترك التفسير الاحتمالي للمشاهد، الذي افترضه شريكاً في العمل مهما تلاقت أو اختلفت رؤانا، ويضيف ايستوود: أغوتني رواية برادلي، بقدر ما أغوت الصورة الايقونة الشعب الأميركي، ليدفع آنذاك تكاليف الحرب من خلال التبرعات التي أنتجتها هذه الصورة.

وكيف تحول هؤلاء الجنود الخمسة إلى نجوم أكثر من نجوم السينما، في وقت غاب فيه النجوم الحقيقيون الذين رفعوا العلم لأول مرة من دون مصور، أي أن الصورة الناقصة يريدها الدوام السياسي، فهو لا يريد صوراً عن قتل الأبرياء وتعذيب الأسرى في السجون لا أقصد (سجن أبو غريب) بالطبع، فقط بالإشارة إلى صورة نضعها بأنفسنا قد يكون فيها بطولة ولكنها قد تكون تخفي خلفها الكثير من المآسي للآخرين.

حتى أن هؤلاء الأبطال الخمسة جرى الاهتمام فيهم لفترة وجيزة ثم حملوا، وشعروا بالخيبة، وأدركوا أنهم كانوا أدوات في حكاية وليسوا أكثر من شيء مضى واستغل على أفضل وجه. أنا كسينمائي مأخوذ بالصورة، لأن فيها لغة وصوت، وأسمع منها ما يسمعه الآخرون وأحياناً أكثر أو أقل، لكنني أحافظ على هذا الاختلاف، الذي يبني سؤالاً لاهثاً يقض مضجعي ومضاجع الكثيرين.

حاز كلينت ايستوود في حياته المهنية على جائزتي أوسكار الأولى في العام 1992 مع فيلم «اللا متسامح» والثانية العام الماضي عن شريطه «طفلة المليون دولار» من بطولته مع هيلاري سوانك الحائزة عن الفيلم ذاته أوسكار أفضل ممثلة ويطمح ايستوود لأن يفوز بأوسكار عن فيلمه هذا الذي بدأ عرضه في الولايات المتحدة الأميركية منذ أسبوع محققاً إيرادات مرتفعة إلى جانب فيلم «المغادرون» لمارتن سكورسيزي، الذي لم يحصل على أي أوسكار في حياته المهنية مع أنه من «أيقونات» الفن السابع، كما هي صورة الجنود الخمسة (أيقونة) قومية استخدمها ايستوود في فيلمه، بعد أن لكم له فيلمه «الطيار» العام الماضي وأخرجه من الاوسكار.

حتى أن بعض النقاد بدأوا يعدون العدة منذ الآن للصدمة الكبرى كما يسمونها، بخروج سكورسيزي للمرة السادسة من ترشيحات الأوسكار خالي الوفاض، وبلا أي جائزة.

إعداد: حسين قطايا