خلال الحرب الأخيرة التي شنّتها إسرائيل على لبنان واللبنانيين في يوليو الفائت، تأسّست جمعيتان سينمائيتان لبنانيتان جديدتان، للإنتاج والمشاركة في إنتاج أفلام فيديو متنوّعة، عن الواقع الإنساني الذي عايشه اللبنانيون في تلك الفترة، من دون أن تحصرا «الموضوع» بالحرب.

كما أنهما بحثا عن صُوَر فوتوغرافية لحفظها وأرشفتها. هاتان الجمعيتان هما «نملة قاطعة» لبياتريس حرب ونينا نجّار، و«سينمايات» التي ساهم المخرج اللبناني ماهر أبي سمرا (له «دوّار شاتيلا») في تأسيسها، التي تُعنى ببثّ الأفلام القصيرة على شبكة «الانترنت»، إلى جانب صُوَر فوتوغرافية التقطها مصوّرون صحافيون ولم تنشر في صحفهم.

قرّرت بياتريس حرب ونينا نجّار في فترة الحرب أن تعملا معاً في تحقيق أشرطة فيديو، يتناول مخرجوها حالات إنسانية وانفعالية إزاء ما أفرزته الحرب على المستوى الإنساني من أسئلة ومشاعر وتفاصيل يومية. أسّستا جمعية «نملة قاطعة»، وحصلتا على دعم معنوي وتقني من سينمائيين ومهتمّين بالفن البصري: «تساءلنا فيما بيننا عن ضرورة أن نفعل شيئاً. هناك أصدقاء وزملاء ومعارف أرادوا التعبير عن رغباتهم في قول شيء ما، لكن أحداً منا لم يكن يعرف ما الذي يجب أن يفعله، وكيف يتصرّف. وجدنا أن أفضل ما نستطيع تحقيقه في هذه الظروف، هو دعوة الجميع إلى تحقيق أفلام قصيرة جداً، تتراوح مدّتها بين ثلاثين ثانية وعشر دقائق، تسمح لهم بالتعبير عن كل ما يشعرون به.

لم نضع معايير أو قواعد، غير أن الغالبية الساحقة من الأفلام التي حصلنا عليها لا تصوّر الخراب والآثار المباشرة للحرب، بل تناولت حالات الناس، انطلاقاً من سؤال: كيف عاش كل واحد منا هذه الحرب؟».

أضافت حرب ونجّار أنهما لم تُحدِّدا أسساً وقواعد ثابتة في آلية تحقيق الأفلام، لأن مشروعهما يهدف إلى إفساح المجال أمام الجميع للتعبير الفني عمّا يشعرون به: «لا نقول بضرورة أن يكون الراغب في تحقيق فيلم فناناً معروفاً له أعمال سابقة. بل ربما الأهمّ من هذا أن يكون غير محترف، أي هاو يريد قول شيء من خلال الفيديو أو التصوير الفوتوغرافي أو الرسم. هذه الفنون كلّها تجد حيّزاً لها في نشاطاتنا المقبلة، خصوصاً أننا لن نتوقّف عن العمل مع انتهاء الحرب».

من جهته، قال ماهر أبو سمرا إنه وبعض الزملاء (أبرزهم السينمائي سمير عبدالله) ناقشوا فكرة تأسيس مجموعة سينمائية تُعنى ببثّ الأفلام على شبكة «إنترنت» في باريس قبل بدء الحرب، وذلك انطلاقاً مما كان يحدث في فلسطين المحتلّة، بهدف متابعة ما يجري سينمائياً هناك، لأن كثيرين يواجهون صعوبات جمّة في متابعة حركة الإنتاج السينمائي الفلسطيني: زالحرب التي وقعت في لبنان سرّعت تنفيذ المشروع.

كنا نبحث عن أفضل السبل الممكنة لعرض أفلامنا المنجزة خارج إطار النمط المعتاد في الإنتاج السينمائي. دارت نقاشاتنا حول مدى قدرتنا على الاستفادة من شبكة «إنترنت» لبثّ أفلامنا.

من هنا، ولدت «سينمايات»، التي لا تُعنى فقط ببثّ الأفلام، بل أيضاً الصُوَر الفوتوغرافية التي التقطها مصوّرون صحافيون في خلال الحرب، ولم تُنشر في مؤسّساتهم الصحافية.

أضاف أبو سمرا أن هناك أسئلة عدّة شغلت بال المجموعة كلّها: أين هي الصُوَر الملتقطة في الحروب السابقة؟ أي هي الصُوَر الملتقطة حول المواضيع والقضايا الإنسانية الأخرى؟ قال أبو سمرا: «إن مجموعة «سينمايات» لن تكون مشروعاً سينمائياً مرتبطاً بهذه الحرب الأخيرة فقط، ولن تبقى محصورة في النطاق اللبناني.

هناك البيئة العربية كلّها، بقضاياها وأسئلتها وأزماتها المختلفة. حاولنا أن نبدأ في فلسطين، بعد أسر الجندي الإسرائيلي في غزّة. واجهتنا صعوبة كبيرة، إذ إن شبكة «إنترنت» في إسرائيل خاضعة للسلطة الإسرائيلية. ثم وقعت حرب لبنان. بسرعة، بادرنا إلى العمل بما لدينا من إمكانيات وأجهزة.

اتصلنا بالأصدقاء. أردنا أن نصوّر، وأن نبثّ ما نصوّره على موقعنا الإلكتروني. تعرّضنا لضغوط مهنية وتقنية، لرغبتنا في أن نبثّ الأفلام باللغات العربية والفرنسية والإنجليزية، كي يتسنّى لأكبر عدد ممكن من زوّار الموقع الاطّلاع، بالصورة والصوت، على ما يحدث في لبنان».

وأكّد أبو سمرا أن «سينمايات» مستمرّة في تجربة البثّ الإلكتروني للأفلام والصُوَر الفوتوغرافية، وفي البحث عن سبل أفضل لإنتاج أفلام تُعنى بالقضايا المختلفة. وانتهى إلى القول إن هناك أمراً مهمّاً بالنسبة إلينا. ففي جولاتنا على قرى الجنوب اللبناني ومدنه، اكتشفنا أن بعض الأهالي الذين كانوا يصوّرون حفلاتهم وأعراسهم واحتفالاتهم بالمناسبات المختلفة، صوّروا الدمار الذي لحق بمنازلهم وأرزاقهم وقراهم. هذه أشرطة مهمّة جداً. إنها تؤرشف الحدث وتؤرّخ اللحظة. إننا نعمل حالياً على جمعها كلّها، والاحتفاظ بها، ويستطيع من يحتاج إليها أن يختار منها ما يشاء، طبعاً بالتنسيق مع أصحابها أولاً وأساساً.

من ناحية أخرى، أعلنت «جمعية بيروت دي سي» أن عرض «أفلام تحت الحصار»، في إطار الدورة الرابعة (16/ 23 سبتمبر الفائت) لـ «أيام بيروت السينمائية»، يسمح بطرح أسئلة متعلّقة بالفن والسياسة والحرب، وبمدى أهمية الصورة المتحرّكة التي تلتقطها أجهزة الـ «فيديو» بتقنياتها المتطوّرة، على مستوى الأرشفة والتأريخ، أي بما يؤدّي إلى «حماية» اللحظة من الوقوع في النسيان، وإلى تأمين مخزون فني نسعى إلى حفظه.

واعتبرت إدارة الجمعية أن النقاش المطلوب يجب أن يُسلّط الضوء على العلاقة القائمة بين الحرب والسينما، وعلى البحث عن مدى قدرة السينما على مواكبة الحرب في لحظة وقوعها. وسألت عمّا إذا كان يُمكن اعتبار الأشرطة هذه أفلاماً سينمائية أم لا، مشيرة إلى أن هذا السؤال زسيبقى مطروحاً، على الرغم من أن هذه الأفلام تُعبّر عن ألم السينمائيين اللبنانيين المقيمين في لبنان وخارجه أثناء الحرب.

وعن سخطهم أمام الحالة الدراماتيكية التي يعانيه بلدهم. بهذا المعنى، يرى السينمائي اللبناني جاد أبو خليل (أحد أعضاء إدارة الجمعية) أنه لا يُمكن التعاطي مع أفلام تلك المرحلة إلاّ بصفتها أفلاماً آنيّة أنجزت في ظروف صعبة للغاية، ورغب مخرجوها في التعبير عن انفعال أو موقف أو لحظة إنسانية عاشها أو اختبرها: «لهذا، لم تضع «جمعية بيروت دي سي» أية معايير محدّدة لاختيار الأفلام أو لصناعتها.

إضاءة

القيمة الفنية لهذه الأفلام في تلك المرحلة ليست مهمّة. علينا ألا ننظر إليها كأفلام سينمائية. يجب أن نضعها في إطارها الآنيّ. فهي لا تملك شكلاً محدّداً، لأنها أقرب إلى «رسائل فيديو» من أن تكون شيئاً آخر. إنها تعبير فني أراده المخرجون لقول بعض ما عاشوه أو عاينوه أو عانوا منه خلال الحرب وفي ظلّ القصف والتدمير والحصار، في مدّة لا تتجاوز الدقائق المعدودة».