جامعٌ سامي الارتفاع، حجرة دراسةٍ مشرقةُ الإنارة، شبكةٌ من أروقة مستشفيات خافتةُ الضوء: إنّنا، بمعظمنا، نربط مشاعر معيّنة تجتاحنا، مستويات مقدرة تغمرنا وحتّى حالات نفسيّة تراودنا بمختلف الأماكن التي نقضي فيها حياتنا.
من السهل أن نفهم كيف أنّ حاسّة اللمس عندنا مرتبطة بالتصميم الهندسيّ. فمواد البناء بتركيبها وسطحها يمكن الشعور بها عبر تلمّسها فعليّاً أو حتّى عبر تخيّل لمسها فحسب.وقد لا تتذوّق واقعيّاً المواد في مبنى، إنّما قد يكون لتصميمِ مطعم أثرٌ على »تجاوبك المشروط« لتذوّق الطعام فيه.
ولكلّ منّا رائحة يفضّلها في مبنى، وأخرى تُعتَبَر مؤذيةً. أمّا أسهل الأمثلة على طيب الروائح فخزانة من خشب الأرز موضوعة في غرفة النوم. والرائحة المريعة لبيت اجتاحته النيران أو غمرته الفيضانات محفورة في ذاكرة مَن عانى إحدى هذه الكوارث.
وقد حدا علم النفس البيئيّ وبعض الأبحاث العلميّة بالمهندسين إلى أن يغيّروا أسلوبهم في تصميم المستشفيات، المدارس والدور الخاصّة بالمرضى المصابين بداء »الزهايمر«.
وأظهرت الدراسات مثلاً أنّ التلاميذ يسجّلون علامات أكثر ارتفاعاً في حجر دراسةٍ بنورٍ طبيعيّ قويّ، وأنّ تلك الجدران »الخضراء في المستشفيات«، وإنْ كانت لا تماشي الموضة، قد ساعدت في تسريع عمليّة شفاء المرضى. ففي سان دييغو (San Diego)، صرّح مرضى المستشفيات، وعائلاتهم وفريقهم الطبيّ بأنّ تعرّضهم لفنون ملهمة ترفع المعنويّات وحدائق ذات ميزة شافية له آثار إيجابيّة عليهم.
ولكن، لماذا؟ ما هو ما يحدث في الدماغ عندما يتجاوب مع تلك العوامل البيئيّة؟بعد أبحاث مكثّفة، أصبح اليوم علماء الأبحاث العصبيّة يدركون أنّ سلوكنا – الذي يتأثّر بما يحيط به من أبنية، لنذكر أحد الأشياء المؤثّرة به التي لا تُحصى ولا تُعدّ – يؤثّر بهيكليّة الدماغ.
فقد تمّ »ضبط« أدمغتنا باتّجاه البيئة وهي تتجاوب وتتكيّف مع المعلومات– بما فيها إدراكنا لتكيّفنا في المكان – معلومات تصل إلينا عبر حواسنا.ففي السنوات القليلة الماضية، تمّ بالفعل الاكتشاف أنّ في الدماغ منطقة خاصّة »مضبوطة« للتعرّف على الأبنية:
في »التلم الأيمن« منه تسمّى بـ(Right Ligual Sulcus) – فالمنطقة المتخصّصة في إدراك المباني مؤلّفة من مجموعات من الأعصاب لا تصبح ناشطة إلاّ لهذه الغاية. في أسوأ الأحوال أو أفضلها، فإنّ الأبنية حيث نعمل أو نتعلّم، نصلّي أو نتأمّل، ننام أو نلعب، تجعل تلك الأعصاب تنطلق نحو هذه المنطقة الخاصّة من الدماغ؛
وفيما تؤدّي تلك الأعصاب وظيفتها، يمكننا أن نبدأ بفهم لماذا تحرّك الهندسة مشاعرنا. يمكننا أن نبدأ بفهم لماذا يسعها أن تريحنا أو تخيفنا، لماذا تنيرنا أو تحيّرنا، ولماذا توقظ الفرح أو الحزن في نفوسنا.
فالهندسة تحرّك مشاعرنا بلمسها طبقات عدّة من ذاكرتنا. فالمكان الهندسيّ، في أوّل بداياته، يؤثّر بأعمق أعماق مشاعرنا؛ فيوقظ ذكريات مبهمة ظليلة من الرحم، والكهف، فالغابة، إلى النور. يمكن الهندسة أن تحرّك مشاعرنا عبر ردّنا بالذاكرة إلى الثقافة، إلى مكاننا في العالم التاريخيّ.
والذكريات الشخصيّة تضيف طبقات وطبقات من المعاني الذاتيّة، وكما أنّ المباني مرتبطة بالأحداث في حياتنا، فإنّ بيتاً عاديّاً قد يذكّر أحد الأشخاص بوهج الطفولة الدافئ، فيما يثير في نفس آخر ما قمعه من تعرّضٍ للإساءة.علماء الأبحاث العصبيّة اليوم يؤكّدون ما شعرنا به تلقائياً دوماً: بأنّ »الهندسة تجربةُ ذهنٍ«.