حذر البنك الدولي، في تقرير نشر في شهر أكتوبر الماضي، من أن الهند، تقف على أعتاب أزمة مياه حادة.وخلص البنك الدولي إلى أنه ما لم تتخذ تغييرات جذرية، وفورية في الطريقة التي تدير بها الحكومة المياه، فإن الهند لن تملك المال الكافي لبناء وصيانة البنية التحتية، ولا المياه التي يحتاج إليها الاقتصاد والسكان.
وقال البنك الدولي إن النافذة التي يمكن من خلالها معالجة المسائل آخذة في الانغلاق، فالتغيير المناخي يتوقع أن يفاقم المشاكل، ويزيد من تعرض الهند لتقلبات حادة في المناخ.
كالحرارة والفيضان والجفاف. ولقد تفاقمت الأزمة المستمرة منذ عقود في السنوات الأخيرة. فقد ألقى العدد المتزايد من السكان والتوسع المدائني، وعطش الحزام الأخضر المتوسع، بثقله على شبكة المياه والصرف الصحي المتهالكة.
كما تسبب تلك العوامل في شح المياه في بعض المناطق، والتلوث في مناطق أخرى، ولقد باتت المشكلة اليوم تهدد بوضع العثرات أمام قدرة الهند على تنمية مزارعها واستدامة نموها الاقتصادي وخلق مناخات صحية لمدنها، وجعلها أكثر قابلية للسكن. ناهيك عن تشويه صورتها باعتبارها أكبر ديمقراطية في العالم.
وفي إشارة إلى دور المياه في حياة الأمم، قال سونيتا ناريان، مدير مركز العلوم والبيئة في دلهي، إن غنى الأمة أو فقرها مرتبط بالمياه. والأزمة المائية التي تعاني منها دلهي تنسحب على كثير من مدن الهند. فمشكلة توزيع المياه في المدينة في حالة يرثى لها بحيث ان أي مدينة هندية أخرى لا يمكنها تزويد المياه من أي صنبور عام لأكثر من عدة ساعات يومياً.
وتقول الحكومة إن تسعة من بين عشرة هنود، يحصلون على مخزونهم من المياه العامة، غير أن الكثير منها قد تشمل مصادر في طريقها إلى النضوب، أو أنها أصيبت بالتلوث.
نهر «يامونا» الأسطوري الذي تقع دلهي على ضفافه، تشكل منذ ألفي عام، وهو مادة دراسية، في أزمة إدارة المياه الحادة، التي تواجه هذا البلد. فاستناداً إلى الميثولوجيا الهندوسية، فإن هذا النهر هبط من السماء، وهو اليوم صورة مشوهة للبنية التحتية المشلولة، وهو ما زال معبوداً.
فمن فوق الجسور التي تربط بين ضفتيه يرمي المؤمنون النقود والحلوى المغلفة في لفائف بلاستيكية. ويذرون رماد موتاهم. أما في دلهي فاليامونا مات سريرياً. وباختراقه للعاصمة، حيث يكون النهر نظيفاً نسبياً، قادماً من رحلته التي تبلغ 395 كيلو متراً أو 245 ميلاً من قيمة الهملايا، تقوم مصلحة المياه العامة، بحسب 229 مليون غالون يومياً.
والذي يعتبر أكبر مصدر في دبي لمياه الشرب وما إن يغادر المدينة، حتى يصبح النهر المصرف الرئيسي لفضلات دلهي، حيث يرمي الناس ما مقداره 950 مليون غالون من مياه المجاري في النهر يومياً. ومع اختراقه للعاصمة يتحول النهر إلى خيط أسود، تطفو على صفحته ركامات من الفضلات الخام، تتفجر على سطحه، ولم يعد النهر مأموناً للأسماك، ناهيك عن الاستحمام أو الشرب.
وكان ضابط بحرية متقاعد، أقام دعوى على حكومته في 1992، أمام المحكمة العليا بحجة أن ولاية سرشوار سنها قتلت النهر، وانتهكت حقوقه الدستورية بحرمانه من حقه المقدس في السباحة في النهر. وقد أمرت الحكومة السلطات بمعالجة الفضلات المتدفقة في النهر، وتحسين جودة المياه، ومن جهتهم قدر رسميون عدد سكان دلهي بـ 16 مليون نسمة، بتوسع 41 في المئة عما كانوا عليه منذ 15عاماً.
وكانت الحكومة دانت «جال بورد» العام الماضي، لإنفاقه 200 مليون دولار بلا طائل، حيث إن بناء معامل معالجة جديدة للنفايات لم تحقق نتائج، لأن أنابيب أصبحت مسدودة. أو لأن انقطاع التيار يعطلها لعدة ساعات في كل مرة. وبدوره، قال آرسي تريفيدي، مدير المجلس المركزي للسيطرة على التلوث، إن الوضع لم يتحسن قيد أنملة، بل ازداد سوءاً، بسبب نوعية الفضلات، وأضاف ان الفجوة تزداد اتساعاً.
ناهيك عن أن كثيراً من ضواحي دلهي، مثل حي جاناتا، غير موصولة بخطوط أنابيب المجاري. وقد أضحت مرتعاً للناموس، والملاريا والحمى. وهذا النهر، الذي يحمل فضلات العاصمة على سطحه، ينقلها جنوباً إلى مدن أخرى مثل ماثورا وأغرا، موطن تاج محل. وهو المصدر الرئيسي لشرب المياه عندهم.
وعند الفجر، يغوص الرجال في المياه العكرة الراكدة، لاسترداد ما يمكنهم استرداده، لبيعه أو رهنه، كخواتم أشخاص موتى ونقود رماها أناس، وبقايا أحذية مطاطية، وعبوات مياه بلاستيكية. «وكالات»