يرى المستثمرون الدوليون إمكانات كبيرة في أوكرانيا التي تطمح إلى الانضمام للاتحاد الأوروبي، وتزايدت الاستثمارات الأجنبية المباشرة منذ عام 2004، والمتوقع أن تصل خلال العام الجاري إلى 10 مليارات دولار، أي أكبر من جميع سنوات تاريخ البلاد، غير أن هناك طريقا طويلة حتى تصل الاستثمارات الأجنبية في أوكرانيا إلى مستويات نظيرتها في وسط أوروبا.
وغالبية هذه الاستثمارات كان مصدرها بيع شركة كريفوريستال للصلب إلى ميتال ستيل العام الماضي، مقابل 8 ,4 مليارات دولار، وبعض صفقات خصخصة أخرى. ولم يقترب المستثمرون الأجانب إلى القطاعات الأخرى، لكنه مع ارتفاع الطلب على المنتجات الاستهلاكية والخدمات تنظر الشركات الأجنبية إلى أوكرانيا باهتمام غير مسبوق.
ويقول كامين زهاريف مدير بنك التعمير والتنمية الأوروبي في «كييف» إن أوكرانيا بؤرة استثمار ساخنة، لكن الشركات تساورها الشكوك حول التزام الحكومة بتحسين مناخ الاستثمار خاصة تقليل التدخلات البيروقراطية وتخفيف نفوذ الأثرياء المحليين.
وأهم ما يثير قلق الشركات الأجنبية هو المحاكم والقضاء ودورها في حماية حقوق المستثمرين، فقد تعرض بعض المستثمرين للاستغلال الشنيع من الشركاء المحليين.
وشهد العام الماضي أيضاً افتئات على حقوق غالبية من المساهمين من جانب قلة من أصحاب الأسهم، وتورطت شركة بونجي الأميركية لتجارة الحبوب في نزاع قضائي مؤخراً. ويعترف فيكتور يوشيشنكو رئيس البلاد وفيكتور يانكوفيتش رئيس الوزراء بضرورة تحقيق الاستقرار لضمان استمرار النمو المدفوع بالاستثمار.
وقال يانكوفيتش لصحيفة «فاينانشيال تايمز» إن إقامة اقتصاد يتميز بالشفافية يجذب الاستثمارات هو من أهم أولوياته. وعبر الرئيس عن التزامه عدة مرات بإجراء إصلاحات تقوم على قوى السوق.
وقد تمتع أصحاب النفوذ من الأثرياء في السابق بالسيطرة على الصناعات الثقيلة المدرة للأرباح باستغلال علاقات مع السلطات لبناء مشروعاتهم خاصة من خلال شراء مشاريع حكومية بشكل غامض، غير أن هؤلاء يزداد تأييدهم الآن للشفافية خاصة في حقوق الملكية وتطبيق قوانين أكثر فاعلية.
غير أنه ليس من الواضح إذا كانت هذه النوايا سوف تترجم إلى ممارسات فعلية وسط علامات على أن بعض المسؤولين يرون عودة يانكوفيتش على أنه إعادة تأكيد على نفوذ مراكز القوى.
ويقول زهاريف مهما تفعل الحكومة المركزية فإن كثيراً من الناس في الأقاليم يفترضون أن الأمور عادت لسابق عهدها. لكن ليف بارتكلاديس رئيس مجموعة استثمارية مسجلة في لندن أكثر تفاؤلاً حيث يقول مع تزايد شفافية الأعمال وطلب وسائل الإعلام لمزيد من المعلومات فإن العمل بالطرق القديمة غير الشفافة أمر مستحيل.
وفي ظل تركز الجدل على إمكانية العودة للوراء بدلاً من الإصلاحات يبدو من الواضح أن مستقبل التغيرات لصالح قواعد السوق ليس باهراً. غير أن السنوات القليلة الماضية أثبتت أنه مع كمية إصلاح بسيطة يمكن أن تستمر أوكرانيا في النمو ومنذ ثلاث سنوات كان من النادر رؤية أوناش البناء في كييف العاصمة والآن تتقاطع هذه الأوناش مع الأبراج.
والشوارع تعج الآن بالسيارات الجديدة من أنواع فاخرة ومستوردة، ويحملق المتسوقون في نوافذ المحال التجارية في الشوارع الرئيسية في المدينة للاطلاع على أحدث الصرعات في الملابس.
ويشكو سائقو سيارات الأجرة من أن الرحلة التي كانت تستغرق 15 دقيقة تستغرق الآن أكثر من ساعة، فهناك طفرة في مدينة كييف وكذلك دونتسيك ومراكز صناعية أخرى. لكن الصورة أقل إيجابية في قرى وبلدات في غرب أوكرانيا. ومع ذلك فإن الصورة العامة للاقتصاد تنم عن ارتفاع غير مسبوق في النمو بدأ منذ 2000 ولا يبدو أنه سيتوقف.
ورفع صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو أوكرانيا من 5 ,2% للعام الجاري إلى 6%. ويدفع الإنفاق الاستهلاكي عجلة النمو مع ارتفاع الإقراض الاستهلاكي بنسبة 75% في العام الجاري.وترتفع مبيعات معدات المطابخ والإلكترونيات والأثاث حيث تحدث أوكرانيا منازلها، لأول مرة منذ انتهاء النظام الشيوعي.
والاستثمار أيضاً قوي لأن الشركات تقوم بتجديد المصانع وتضيف معدات موفرة للطاقة، وترتفع الصادرات بفعل ارتفاع الطلب العالمي على الصلب والكيماويات ومنتجات أخرى تنتجها صناعات أوكرانيا الثقيلة.
وقد أدهش معدل النمو الاقتصادي خبراء الاقتصاد الذين توقعوا نمواً بنسبة 5 ,4% العام المقبل، برغم ارتفاع أسعار الغاز المستورد من روسيا بنسبة 47%. لكن المشكلة الحقيقية التي تواجه اقتصاد البلاد هي مواجهة ارتفاع أسعار الطاقة والاعتماد المبالغ فيه على الصناعات الثقيلة والبيروقراطية وضعف النظام القضائي.
ترجمة: أشرف رفيق
