تزدحم مسارح العاصمة السورية دمشق بجمهور المتابعين للعروض المسرحية التي تقدم ضمن مهرجانها السنوي مهرجان دمشق للفنون المسرحية في دورته الثالثة عشرة. وثمة ما يلفت النظر إلى أن هذا المهرجان يقدم صورة مضيئة عن جيل جديد بدأ يدعم المسرح العربي بأفكار جديدة وأشكال فنية أخرى، مختلفة عما جرى التعاطي معه في السابق، ولكن رغم هذا ما زال الجيل السابق يقول أنا هنا، ويجتهد ليقول من حقي أن أقدم خلاصة تجربتي في المسرح.
ومن هنا يمكن ان ندخل في جدول العروض اليومي ونقول ان المخرج التونسي توفيق الجبالي صاحب التجربة الإبداعية المهمة على مدار ما يزيد عن ربع قرن قد حمل معه بعض أوجاع المجتمع التونسي وجاء ليعرضها في دمشق في صيغة عرض مسرحي اسمه (هنا تونس) من تأليفه وإخراجه، وفيه اعتمد الجبالي على تعاطيه المعروف مع المسرح عن طريق استخدام جسد الممثل، للحديث عن فعل القهر الذي يعيشه المواطن العربي.ولكن يبدو ان الجبالي أحب أن يجرب شكلا آخر من التواصل فأرتأى هنا تغليب لغة الحوار على لغة الجسد وتحولت مقدمة المسرحية إلى سرد كوميدي ممتع لما حملته من كوميديا راقية ومن صياغة درامية متقنة، والعرض الذي جاء على صيغة مشاهد ساخرة منفصلة أضاءت جوانب فنية واجتماعية مهمة، واذا كانت المسرحية تعرضت إلى هجوم من قبل بعض النقاد والفنانين العرب المتواجدين هنا في دمشق لأنه يمثل،
حسب رأيهم، شكلا فنيا قديما في مواجهة المشاهد وبأنه لم يقدم الجديد لمخرج عرف أنه يقدم الجديد دائما، فان «هنا تونس» في حقيقة الأمر عرف كيف يعزف على أوجاع المواطن العربي حيث يحصل هذا في كل مكان في العالم العربي وحسب الجبالي انه اعتمد على خشبة فارغة إلا من الممثل مع بعض الاكسسوات البسيطة للتعبير عن القضايا الكبيرة بأدوات بسيطة.
العرض المغربي «أربع ساعات في شاتيلا» عن نص للكاتب الفرنسي جان جينيه وإخراج عبد الواحد عازوري، لم يستطع ان يخرج عن خطاب المسرح العربي التقليدي شكلا وموضوعا هذا الخطاب الذي تستطيع ان تتقبله في كل مكان غير المسرح، وسرعان ما بدأ القادمون إلى مسرح القباني الخروج منه بعد دقائق من العرض.
من جهة ثانية، عرضت الأردن مسرحية «آخر منامات الوهراني» ومسرحية «قبعتان ورأس واحد»، وجاءت تونس لتعرض عرضين آخرين هما «ساعة ونصف بعدي انا» و«حالة مدنية»، ومن قبرص عرضت مسرحية «ميديا». ومساء أول من أمس، قدم الشاب السوري عروة العربي عرضا محملا بصيغة بصرية مدهشة وأفكار نقلها ثلاثة ممثلين بأمانة عبر أجسادهم،
واستعيض في عرض «الليغرو» عن الكلام بصراعات الجسد مع الفكرة التي قدمها الشاب الناشئ بحرفية أدائية شغلت خشبة مسرح الوسائل المتعددة في دار الأسد للثقافة، وقد أشار الفنان أسعد فضة إلى أن هناك جيلا مسرحيا جديدا في سوريا يجب الاهتمام به
لأنه صار يشكل حضورا إبداعيا فاعلا من خلال أفكار جديدة وأشكال مهمة في الساحة المسرحية، فيما علق الباحث المغربي عبد الكريم برشيد قائلا ان الساحة المسرحية بحاجة إلى جهود الفنانين الشباب أكثر من أي وقت مضى لأن الدماء الجديدة هي حاجة في أي مؤسسة إبداعية.
وعلى هامش العروض تناقش الندوة الفكرية يوميا موضوعا تم اختياره للابتعاد عن المواضيع والعناوين القديمة والكلاسيكية التي غالبا ما تناقش في المهرجانات العربية المسرحية، وجاء عنوان «الشباب مستقبل المسرح العربي» ليشهد نقاشات مهمة بين المسرحيين العرب، وقد تفرع عن العنوان الرئيسي ثلاثة عناوين فرعية هي: المسرح في ظروف العولمة، نحو مسرح عربي جديد، ودور الشباب في النهوض بالحركة المسرحية.
وإذا كان هناك خلل في توقيت بعض العروض بما في ذلك خلل آخر في نقل بعض العروض من أماكنها، إلا أن حالة الحراك الثقافي والفني التي خلقها مهرجان دمشق المسرحي تعتبر نقلة ايجابية في طريق إعادة الثقة لهذا المهرجان الذي انقطع لخمسة عشر عاما عن العيان والحضور.
دمشق ـ جمال آدم

