هنالك علاقة وثيقة بين مرحلة التنمية الاقتصادية وأهمية إيرادات الضرائب في الهيكل المالي، هذه العلاقة ذات طبيعة عكسية، ففي المراحل الأولى للتنمية الاقتصادية تؤلف إيراداتها الجزء الأعظم من إيرادات الضرائب، وكلما تقدمت التنمية أشواطاً كلما قلت أهمية هذا المصدر التمويلي، فمن المعلوم أن الضرائب بصفة عامة والضرائب الجمركية بصفة خاصة لا تعمل في فراغ وإنما تعمل ضمن تأطيرات معينة،
وبذلك يصبح لزاماً عليها أن تتأثر وتؤثر في هذا الإطار، ومن هذا المنطلق فإن هذه الضرائب عرضة للتأثر والتأثير بالأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الدول، ونظراً لعدم تماثل دولتين في هذه الأوضاع فإننا نلاحظ أن الضرائب الجمركية تكون متفاوتة التجانس بين دولة وأخرى، فالضرائب الجمركية تعد إحدى أدوات السياسة التقييدية على حرية التجارة، وهي أداة فاعلة ذات أبعاد واسعة،
وخاصة في الدول النامية لأن حرية التجارة سيترتب عليها تحول في الموارد، وزيادة في الطلب على بعض عوامل الإنتاج، وانخفاضه على البعض الآخر، مما يخلق نوعاً من التذبذبات في الاقتصاد، وتغيرات في أرباح المشاريع وأسعار السلع المختلفة، وفي ظل الانفتاح الاقتصادي وحرية انتقال عوامل الإنتاج...أخذت العمليات الاستثمارية تتزايد وتتوسع لتتجاوز الحدود الوطنية إلى الدول الأخرى، وقد واجه هذا التطور مشكلة الازدواج الضريبي الدولي الذي هو تكرار فرض الضريبة على نفس الدخل في دولتين مختلفتين،
وهذا يحدث عندما تقوم شركة في دولة معينة في تنفيذ مشاريع استثمارية في دولة أخرى، فإن الدخل الناجم عن هذا الاستثمار سوف يخضع للضريبة في الدولة التي ينفذ فيها المشروع، ويمكن أن يخضع للضريبة أيضاً في الدولة التي يكون فيها مقر الشركة الدائم، والتي تحمل جنسيتها. لذا لجأت معظم الدول إلى توقيع اتفاقيات تجنب الازدواج الضريبي سواء بصورة ثنائية أو بشكل مجاميع إقليمية من أجل تجاوز هذه المشكلة، وتشجيع الاستثمار المتبادل بينها، مع زيادة التبادل التجاري، وتحقيق الاستخدام الأفضل للموارد الاقتصادية.
إن من أهم معالم العلاقات الاقتصادية الخليجية الدولية الراهنة هو التوجه نحو إقامة مناطق تجارة حرة مع عدد كبير من الدول الصناعية مما يتطلب العمل وفق آلية اتفاقيات منع الازدواج الضريبي. إذ لوحظ في الآونة الأخيرة تحرك دول التعاون بالاتجاه نحو الأسواق الآسيوية والعديد من الوجهات التجارية في مناطق عدة من العالم، ولعل التطور الحاصل في الإمارات من تنويع مصادر التصدير والتوريد والبحث المستمر عن الفرص التي تتيحها التجارة الحرة عبر الحدود خير محفز على ذلك.
وينطبق الحال نفسه على بقية دول التعاون، وفي هذا الخصوص وقعت العديد منها اتفاقيات ثنائية لتجنب الازدواج الضريبي على الدخل ورأس المال، فقد وقعت الإمارات الشهر الماضي ثلاث اتفاقيات مع كل من سيشيل وموريشيوس والبوسنة والهرسك، وسبق هذا توقيع اتفاقيات مماثلة مع كل من ألمانيا واليابان والهند وغيرها من الدول،
ويأتي توقيعها من منطلق السعي لتدعيم التعاون بين الإمارات وهذه الدول في المجالات الاقتصادية والتجارية، لأنها ستخلق المناخ التشريعي والقانوني الملائم لتوطيد هذا التعاون مما يؤدي إلى تخفيض الأعباء الضريبية وبالتالي يحقق التوازن الاقتصادي، ولما لها من أهمية كبيرة وأبعاد عديدة لمستثمري دولة الإمارات أو لمستثمري الدول الأخرى ونظرائهم في الدول الأخرى، إذ يمكنهم من خلالها التعرف على الجوانب الضريبية المختلفة للأنشطة الاقتصادية ببقية الدول،
كما تشكل حافزاً للقطاعين العام والخاص لزيادة استثماراتهما المشتركة وزيادة معدلات التبادل التجاري والتعاون الاقتصادي والاستثماري، حيث سيقوم كل طرف بإعفاء مواطني الطرف الآخر من الضرائب المباشرة وغير المباشرة إضافة إلى الضرائب التي تفرض من قبل الحكومة على الأرباح المتأتية من العمليات التجارية الخاصة بالنشاط التجاري الجوي والبحري، وتتضمن اتفاقيات تجنب الازدواج الضريبي مجموعة من المواد التي تتناولها أي اتفاقية كالأحكام العامة والختامية والتعاريف الجمركية وحل المنازعات والتي لا يسع المجال لذكرها..
بيد أن تجنب الازدواج الضريبي يتم على أساس فرض الضريبة في مكان نشوء الدخل، فإذا كان معدل الضريبة في مكان نشوء الدخل(البلد الذي يتم فيه الاستثمار) أقل من معدل الضريبة في البلد الآخر(بلد المستثمر) فإن المستثمر سوف يدفع الضريبة المفروضة في مكان نشوء الدخل، ويمكن للبلد الآخر أن يفرض الضريبة على نفس المستثمر بعد إعفائه بمقدار النسبة التي دفعها في مكان نشوء الدخل.
أما إذا كان معدل الضريبة متساوياً في البلدين فإن المستثمر يدفع الضريبة في البلد الذي يتحقق فيه الدخل فقط، وفي حالة معدل الضريبة في البلد الذي يتحقق فيه الدخل أعلى من معدلها في البلد الآخر، فإن المستثمر يدفع الضريبة المفروضة في البلد الذي يتحقق فيه الدخل، ولكن هذه الحالة لا تشجع على الاستثمار طالما كانت معدلات الضريبة أعلى،
وفي منعطف مهم لهذه الاتفاقيات لا بد من أن تسعى دول التعاون إلى تطوير وتوحيد أنظمتها الضريبية ضمن منظور يهدف لجعل هذه القوانين من أدوات جذب الاستثمار، ولتفادي معوقات انسياب السلع في دول التعاون بينت غرفة تجارة وصناعة دبي بنشرتها الصادرة في أغسطس 2006: بأن على دول التعاون الإسراع في توحيد الرسوم الجمركية التي لم يتفق عليها بعد، كما يجب وضع آلية تنسيق فعالة وسريعة لحل مشكلة انسياب السلع في المنافذ الحدودية وتوحيد وتبسيط الإجراءات وتمديد عمل المراكز الجمركية على الحدود والربط الإلكتروني بينها،
وكذلك اتخاذ الإجراءات اللازمة لإبلاغ منظمة التجارة العالمية بقيام الاتحاد الجمركي الخليجي كمنطقة اقتصادية إقليمية واحدة، وأيضاً تنظيم نشاط قطاع النقل البري في دول المجلس وتذليل العقبات التي تعوق مرور الشاحنات عبر الحدود، والسعي على تفعيل هيئة المواصفات الخليجية وإلزام الدول الأعضاء بتطبيق هذه المواصفات وإحاطة المنتجين والتجار بها.
كاتب ومحلل اقتصادي