تواجه إيطاليا عجزاً في الميزانية بنسبة 1 ,4% من إجمالي الناتج المحلي «حسب أرقام العام الماضي» وارتفاعاً باهظاً في الدين العام بلغ 159% من إجمالي الناتج المحلي.

ويحاول توماسوبا دوا شيوبا وزير المالية تحسين هذا الوضع لكن للأسف تقول ستاندارد آند بورز ونيتشه المؤسستان العلميتان للتصنيف إن جهوده لن تحقق نجاحاً كبيراً لأنها تعتمد على رفع الضرائب وليس خفض الإنفاق بدرجة كافية.

حيث يقول الاقتصاديون إن الأخير هو السبيل الأفضل لتحقيق الاستقرار المالي. والخبراء الاقتصاديون أقل تفاؤلاً من وزير المالية بشأن ما يمكن أن يسببه التهرب الضريبي، ويتوقعون الكثير منه بعد رفع الضرائب، وقد خفضت الوكالتان العلميتان للتصنيف فئة إيطاليا من حيث الأهلية للاقتراض وليس التمويل العام هو مشكلة إيطاليا الوحيدة.

لأن معدل نموها الاقتصادي مؤخراً كان مثيراً للشفقة وقد يصل إلى 105% خلال العام الجاري بعد أكثر من أربع سنوات سجلت خلالها معدل نمو 1% أو أقل، وتكافح الشركات الإيطالية المنافسة نظيرتها في دول أخرى في منطقة اليورو، وتعاني هذه الشركات من تكلفة وحدة العمل، التي ارتفعت بنسبة 20% منذ عام 2000.

ولا يمكن تطبيق حل تخفيض العملة في ظل وقوع إيطاليا في منطقة اليورو، العملة الأوروبية الموحدة، ويعتقد البعض أن إيطاليا قد تخرج من منطقة اليورو، رغم أنه احتمال مبالغ فيه، لكن دراسة اقتصادية حديثة أعطت هذا الاحتمال نسبة 40% للحدوث.

وقد تجد إيطاليا بطيئة النمو عالية الديون أن وجودها في حزام اليورو أو غير مربح لكن الأمر ليس كذلك. والسبب أن كونها عضواً في نادي اليورو ميزة من وجهة نظر أسواق السندات، وتدر سندات إيطاليا استحقاق عشر سنوات عائداً بنسبة 15 ,4% أو نحو ذلك أي أعلى بثلاثين نقطة أساسية 3 ,0% على نظيرتها الألمانية، وبلغت عائدات سندات اليونان الحكومية نفس النسبة تقريباً «عجز اليونان العام الماضي 2 ,5% وديونها 108% من إجمالي الناتج المحلي.

ومن أبرز أسباب انخفاض عائدات سندات دول منطقة اليورو القدرة على السيطرة على معدل التضخم، ومن المتوقع أن يظل كذلك، غير أن إخفاق السوق في التمييز بين سندات الدول الأعضاء له تأثير كبير لا محالة، فالعائد لا يترك مساحة كبيرة أمام مقترضين مختلفين، بما في ذلك أن عائدات السندات في الأسواق الصاعدة منخفضة.

والسبب الآخر هو إنشاء منطقة اليورو ذاتها، أو تطبيق العملة الموحدة، فقد لاحظ المستثمرون في السنوات السابقة لتطبيق العملة الموحدة أن خطر انخفاض العملات قد تلاشى، والنتيجة أن العائد الذي يأملونه لتعويضهم عن هذا الخطر قد تناقص.

وتساهم العملة الموحدة أيضاً في أن يطيل البنك المركزي الأوربي سندات سيادية للأعضاء بشروط موحدة بشرط أن يكون تصنيفها من الفئة ء أو أعلى ورغم أن البنك المركزي الأوروبي يعبر على أنه لن يبادر بإنقاذ أي حكومة من عواقب الأخطاء المالية فقد تعتقد الأسواق غير ذلك وأن أي دولة عضو في منطقة اليورو سوف تحصل على دعم إذا شارفت على الإخفاق المالي والأهم أن دين أي حكومة في المنطقة يبدو مثل دين غيرها.

والاقتراض منخفض التكاليف لا يشجع الحكومات على شد الحزام«خفض الإنفاق» فقد حرصت الحكومات قبل تطبيق العملة الموحدة على خفض عجزها إلى 3% من إجمالي الناتج المحلي وخفض دينها إلى 60% منه لأن هذه هي شروط الانضمام إلى نادي العملة الموحدة. وكان المفترض أن يؤدي الاستقرار والنمو إلى إبقاء العجز والديون منخفضة وتحاول البرتغال جاهدة أن تخفض الإنفاق لكن الدول الكبيرة في النادي لا تعبأ بذلك .

وفي العام الماضي زاد عجز أربع دول أعضاء في اليورو على 3% من إجمالي الناتج المحلي فيما كانت النسبة 9, 2% في دول أخرى، وكان هناك 7 دول تعاني ديوناً أعلى من 60% من إجمالي الناتج المحلي.

والحدود المفروضة جبرياً على التمويل الحكومي لا تعني شيئاً لكن ايطاليا ودولاً أخرى تحتاج إلى تصحيح مالياتها ورفع معدلات نموها. والحقيقة أن هناك علاقة بين المشكلتين وقد تبدأ الأسواق في نظرة سيئة لسندات الدول بطيئة النمو بقدر ما يسيء بطء النمو إلى العائدات الضريبية وبالتالي القدرة على خدمة الدين العام (دفع الفوائد)، وكلما ارتفعت الديون كلما اثر ذلك سلباً في نفسية السوق.

ولسوء الحظ ليس هناك مخرج من هذه المعضلة بدون آلام، فهناك طريقتان فقط لتخفيض تكلفة وحدة العمالة في أي دولة في نادي اليورو بالنسبة إلى الدول الأعضاء الأخرى، الأولى هي الحد من نمو الأجور وهذا ممكن وقد أخرج ألمانيا من المتاعب بعد سنوات عجاف، لكن العمال لا يقبلون نمواً بطيئاً في الأجور فما بالك بخفضها، كما أن ضعف نمو الأجور يقلل الإنفاق الاستهلاكي.

والخيار الآخر هو رفع معدل نمو الإنتاجية وهو ليس بالخيار السهل أيضاً، وتسجل ايطاليا والبرتغال معدلا ضعيفا في نمو الإنتاجية رغم أن الإصلاحات الاقتصادية التي اقتراحها الحكومة الايطالية الجديدة تسير في الاتجاه الصحيح.

والأعمال والشركات في هاتين الدولتين تتنافس في نظيرتها الألمانية، فضلا عن الشركات الأسيوية والوسط أوروبية.

وكما قال خبيران اقتصاديان ايطاليان، فإن شد الحزام في الميزانية يعتمد بالأساس على خفض الإنفاق وليس رفع الضرائب، لأن هذا قد يعزز الإنفاق الاستهلاكي لأن المستهلك يتوقع مدفوعات ضريبية أقل مستقبلا ويبدو أن هذا ما حدث في ايرلندا والدنمارك في الثمانينينات.

لكن اريك تشاني من مورجان ستانلي يعتقد أن الشركات الايطالية في وضع أفضل مما يعتقد البعض وحتى لو كان الأمر كذلك فإن الإنفاق لا يستطيع انتظار قدرة النمو الاقتصادي على خفض الديون.