شهد سوق العقار بالمغرب تحولات كبيرة خلال السنوات الأخيرة وذلك لعدة عوامل، أولها مرتبط بالمناخ الاقتصادي العام للبلاد وبالتطور الديموغرافي وأثره على النمو الحضري.
والعامل الثاني مرتبط بمسلسل انفتاح الاقتصاد المغربي. ولم تتوقف أسعار العقار عن الارتفاع أمام الدينامية التي طبعت العرض. ولكن هذا الارتفاع في أسعار العقار الذي صاحبه تعزز الإنتاج يستحق التحليل لمعرفة الأسباب، وللحد من آثاره السلبية على الأسر، خاصة منها المنتمية إلى الطبقة المتوسطة.
والسؤال الذي يطرحه المراقبون هو ما إذا كان الأمر يتعلق بمرحلة انتقالية ستعود بعدها الأسعار إلى مستواها السابق أم هي نهاية مرحلة تميزت بأسعار في المتناول وبداية أخرى سترفع الأسعار أكثر. لكن يبدو واضحاً أن الأسباب المهمة هي تلك المرتبطة بانعدام التوازن ما بين العرض والطلب وكذلك بارتفاع تكلفة مواد الإنتاج، وأهمها العقار.
أما في ما يخص بناء المساكن، فتستمر الإحصائيات في تأكيد التوجه نحو الارتفاع وهو ما يفوق، منذ ثلاث سنوات، الحاجيات التي يفرضها النمو الديموغرافي السنوي.
أما الطلب فيصدر، حسب دراسات تجريبية، عن أسر حديثة التكوين، عن جزء من الأسر المستأجرة أو المالكة لمسكن جماعي وعن المستثمرين الراغبين في استثمار مدخراتهم في قطاع العقار. إن حجم جميع مكونات الطلب على العقار يفوق بكثير المعروض الفعلي.
ولا يفسر العامل الأول لوحده ارتفاع الأسعار. وقد طبع أسعار العقار منذ سنة 2000، من جهة، ركود مطول يفسر بكل بساطة بريبة المستثمرين من الاقتصاد الداخلي، ومن جهة أخرى، لم تكن تعكس هذه الأسعار القيمة الحقيقية للعقارات.
وفقد القطاع كثيرا من جاذبيته للاستثمارات، رغم التشجيعات المختلفة التي كانت تقدم، في تلك الفترة والتي ستتلوها مرحلة تميزت بازدهار اقتصادي قوي سيستفيد منه قطاع العقار، مسجلا بذلك بداية إقبال على هذا القطاع وإقلاعا جديدا. وتفسر عودة هذه الاستثمارات خاصة تلك التي تهدف فقط إلى الحصول على أرباح سهلة وسريعة أيضا ارتفاع الأسعار.
وهناك عامل داخلي آخر مرتبط بمعايير الإعمار والتي أفرزت تكاليف غير مباشرة إضافية كان لها بعد ذلك أثر على الأسعار. كما قاد السعي المستمر إلى تحسين الترسانة العمرانية بواسطة تبني معايير جديدة، بكل بساطة، إلى غلاء المعمار.
أما السبب الآخر فهو مرتبط بالوضعية الجديدة لانفتاح الاقتصاد الداخلي على العالم، فقد أفادت آخر إحصائيات مكتب الصرف بأن الاستثمارات الأجنبية المباشرة في القطاع قد بلغت قيمة 2,42 مليار درهم خلال السنة الماضية.
وتتكون الاستثمارات الأجنبية من قسمين، الأول يتعلق بالاستثمارات الإنتاجية أما الثاني فبالاستثمارات المضاربة. وتسعى هذه الاستثمارات لرؤوس الأموال بتكلفة أقل في الخارج، إلى الاستفادة من الفوارق في الأسعار ما بين السوق المحلية والدولية. وكلما زادت هذه الفوارق كلما كانت المردودية أكيدة واستمرت رؤوس الأموال الخارجية في التوافد على سوق العقار الداخلية.
تشكل هذه الاستثمارات مداخيل مهمة من العملة الصعبة، لكنها، وفي غياب قواعد المراقبة، قد تمثل خطرا على المخزون الوطني منها، وهذا هو الجانب السلبي لمثل هذه الاستثمارات.
وتقوم العديد من الدول المتطورة بمراقبة هذا النوع من الاستثمار بفرضها لآجال يتوجب احترامها قبل القيام بأي تحويل للملكية. فيما يخص الثمن، فإن هذا الطلب الخارجي على سوق العقار المحلي تسبب في تسجيل ارتفاعات مهمة، خاصة في المدن التي بدأت تندمج شيئا فشيئا في باقي العالم مثل مراكش وأغادير والصويرة والدار البيضاء.
ويبقى استمرار ارتفاع الأسعار الاحتمال الأكثر توقعا بالنسبة للمدى القصير والمتوسط. هذا الوضع الجديد في السوق لا يخدم مصالح شريحة واسعة من الأسر. وتمثل هذه الطبقة نسبة 50% تقريبا وسوف تنضاف إلى الأسر ذات الدخل المحدود.
ويهيمن البناء الشخصي على الإنتاج الحالي للمساكن. فالأسر تتكفل بنفسها ببناء مساكنها، حيث يشكل هذا الإنتاج ما يقارب 70% في المدن الكبرى وبالخصوص في الدار البيضاء (أقل من 20%). لكن، وأمام ندرة العقار، فإن هذا النشاط بدأ يتلاشى شيئا فشيئا. ( الوكالات)