أخذت أفواج من الشركات الأسبانية تزحف باتجاه الولايات المتحدة مخترقة أسوار أوروبا، صانعة لنفسها أسماء لامعة في عالم التجارة العالمي، مدفوعة بعقود من النمو الاقتصادي في العمق الداخلي، ومسلحة بخبرة واسعة في أسواق أميركا اللاتينية فلقد أخذت شركات لم يسمع بها منذ عقود خارج أسبانيا أو أميركا اللاتينية
مثل تيليفونيكا وفيروفيال، وأبرتيس، تظهر أشبه بضوار تجارية متعطشة لاحتلال مركز الصدارة في مربع الاندماجات والاستحواذات الأوروبي ولقد أدى ظهور هؤلاء المنافسين الجبابرة إلى بروز نزعة حمائية لدى بعض جيران أسبانيا مما جعل حروب المزايدة أكثر كلفة وشراسة.
ولقد كان للتوسع الأسباني وخصوصا في قطاعات مثل الاتصالات والصيرفة، أثره في دفع الشركات الوطنية في أرجاء أوروبا، إلى تسريع توسعها أو التخلف عن الركب وعلى هذا الصعيد قال لويس ابريل، كبير المسؤولين التنفيذيين في تيليفونيكا، الذي عمل لحساب عدد من كبريات الشركات الأسبانية أنه ومنذ عشرين عاما،
كان اللقاء في باريس أو لندن، أو نيويورك، مثارا للتوتر »فلم نكن نجيد اللغة ولم نكن نعرف كيفية ممارسة العمل« غير أنه أكد انتهاء تلك الحقبة. ولقد أشترت فيرو فيال التي كانت يوما شركة مقاولات عائلية الشركة التي تدير مطار هيثرو الدولي بمبلغ 15 مليار يورو أي ما يعادل 19 مليار دولار،
كما ان بانكو سانتاندر الذي حقق منذ عامين ثاني أكبر صفقة بنكية عابرة للحدود بشرائه آبي ناشونال، بمبلغ 9.5 مليارات جنيه، ما يعادل 18 مليار دولار، أصبح تاسع أكبر البنوك العالمية من حيث الرسملة السوقية.
واشترت شركة تيليفونيكا، مشغلة الهواتف المتحركة البريطانية 02، بمبلغ 30 مليار دولار، بالإضافة إلى شركة الهاتف التشيكية الحكومية السابقة واستحوذت على حصة مقدارها عشرة في المئة في »تشاينا نتكوم« عمل ذلك في غضون العام ناهيك عن أن شركات أصغر حجما تصنع كل شيء من الكنزات الصوفية إلى المطاحن الهوائية، راحت تتغلغل في أسواق بعيدة كالصين.
لقد كانت الشركات المهيمنة الكبرى، في السنوات السابقة بريطانية وفرنسية وألمانية، عريقة أما اليوم فإن شهية الشركات الأسبانية النهمة تعكس قوة البلاد الاقتصادية المتنامية.
ولقد كان الاقتصاد الأسباني واحداً من أسرع الاقتصادات نمواً في منطقة اليورو، منتجا غالبية الوظائف الجديدة في منطقة العملة المشتركة وقامت أسبانيا، بتحرير قطاعات رئيسة مثل الاتصالات، والصيرفة والطاقة، سابقة بذلك كثيراً من جاراتها في القارة. الأمر الذي ساهم بدفع عجلة النمو الاقتصادي وأعطى تلك الصناعات دروسا مبكرة في التحالفات المحلية والمنافسة الخارجية.
ولقد توسع الاقتصاد الأسباني بواقع 3.6 في المئة في المعدل خلال العقد الماضي، ويتوقع أن يبلغ هذا العام 3.4 في المئة وعلى النقيض من ذلك فقد بلغ معدل نمو الاقتصاد الأسباني السنوي الأكبر أوروبيا 1.2 في المئة خلال العقد الماضي، ولقد ساهم التوسع الإسباني في تمكين شركاته، التي كانت تمتاز بصغر أحجامها، أو نقص خبرتها، منذ عقد مضى.
من التفكير بالانطلاق خارج حدودها، لتتحول إلى شركات عملاقة. كما أصبح التمويل التجاري أكثر رخصاً بمجيئ اليورو. مما جعل الصفقات التي كانت فيما مضى ضرباً من الخيال، جزءاً من الواقع ولقد ساعدت تلك العوامل الشركات الإسبانية في استباق من فاتها في الاقتصادات الأوروبية الأكثر تكاسلاً وحمائية وأضحت البنوك الإسبانية، من أكثر البنوك العالمية ربحية.
وأعطت المؤشرات الدالة على أن النمو الإسباني المدفوع بطفرة معمارية طالت عشر سنوات، سوف يتباطأ خلال السنوات المقبلة، الشركات الإسبانية الأسباب لدخول أسواق جديدة ناضجة لاستحواذها.
وبالإضافة إلى ذلك فإن قانون البلاد الضرائبي الذي يمنح الشركات تخفيضات خاصة بشهرة الشركات الأجنبية المستحوذة والذي خفض بصورة فعلية كلفة العمليات الشرائية قد شجع الصفقات العابرة للحدود. وقد أثمرت الصفقات الأخيرة الضخمة في المملكة المتحدة عن تخفيضات ضرائبية كبيرة للمشاركين الأسبان غير أن الشركات الإسبانية، الزاحفة باتجاه أوروبا،
أخذت تواجه بعراقيل تحد من تقدمها، تمثلت في تخويل الحكومات، للاتحادات الأوروبية، سلطات لإعادة تنظيم صناعات معينة، والتحول إلى فرض مظلات أكثر حمائية، مع تحرك بعض البلدان لإلغاء صناعات معينة كالصيرفة والطاقة تحت السيطرة المحلية.
فإيطاليا مثلاً، تسعى لعرقلة استحواذ برتيس على شركة »أوتو ستريد«، التي كانت ستشكل عملاقاً ضخاً لتحصيل رسوم الطرق. على الرغم من حصول الصفقة على الضوء الأخضر من البنك المركزي الأوروبي.
كما خسر بانكو بيك وفيزكايا أرجنتاريا عرضه لشراء بانكا نازيو نال ديل لافورو ومقره روما، بسبب معارضة رئيس البنك المركزي الإيطالي آنذاك أنطونيو فيازيو. ولم تتورع مدريد أيضاً عن وضع العراقيل،
فقد لبثت عاماً تعارض بقوة عرضاً ألمانياً، لشراء شركة الطاقة انديسا، قبل أن ترتد خائبة وتعقيباً على ذلك قال تنفيذيون أسبان أن معارضة الحكومة لتلك الصفقة جعل عملية دخولهم لبعض الأسواق الأوروبية أكثر صعوبة. ولقد راحت بعض الشركات الأسبانية تتجاوز الحدود الأوروبية، وصولاً إلى استحواذات في الأسواق الأميركية.
وفي هذا الصدد قال »مورنوغولين« الاستاذ في جامعة بنسلفانيا، والذي وضع مؤلفاً حول الشركات الإسبانية متعددة الجنسية إن الظروف بدت أكثر نضجاً للاستحواذ على صفقات في الولايات المتحدة، في ظل قوة اليورو، واشتداد النزعة الحمائية في أوروبا.
ففي وقت متأخر من العام الماضي تحرك سانتاندر إلى الولايات المتحدة بشرائه حصة مقدارها 25 في المئة من سوفرين بانكروب، بنك الإقراض في منطقة فيلادلفيا بمبلغ 2.9 مليار يورو.
وأعلن منذ فترة، عن شرائه بمبلغ 650 مليون دولار، لشركة تمويل السيارات في دالاس درايف فاينانشيال. وأغلق منافسه الإسباني BBVA مؤخراً بعض الصفقات الصغيرة في كاليفورنيا وتكساس، حيث يعتبر البنك الأكبر.
وأشار مطلع الصيف إلى نيته دخول سوق التجزئة الأميركي، وكما بنت صانعة التوربينات الهوائية غاميسا مصنعاً في بنسلفانيا، وقالت إنها تخطط للتوسع. وتدير فيروفيال شركات لتحصيل رسوم الطرق في شيكاغو وتكساس بالإضافة إلى كندا.
وأبرمت شركة التكنولوجيا أندرا سيستجاس التي تصنع محاكيات الطيران للطائرة البحرية المقاتلة تومكات F14 عقود إدارة بنسي أساسية في سانت لويس. وما كان للشركات الإسبانية، أن تكون أهلاً لتلك الموجة التوسعية لولا الخبرة التي اكتسبتها خلال تحركها العالمي الأول باتجاه أميركا اللاتينية منذ عقد مضى.
فقد استحوذت تيليفونيكا بالإضافة إلى بنوك وشركات مرافق عامة أخرى، على أصول في أميركا اللاتينية إبان موجة الخصخصة، متفوقة بذلك على الاستثمارات الأميركية في المنطقة بين عامي 1999 و2000.
وكانت أميركا اللاتينية بالفعل بمنزلة حقل التجارب بالنسبة لمدريد التي اكتسبت من خلاله الخبرة. وفي هذا السياق قال لويس دي غونيدوس نائب رئيس بنك ليهام برذرز الاستثماري في مدريد إن الشركات الإسبانية لم تكن لولا أميركا اللاتينية غير أنها الآن أخذت في العودة إلى سوقها الطبيعية في أوروبا وراحت تنظر بعين ثاقبة إلى الولايات المتحدة.
ترجمة وائل الخطيب
