قال نبيل فرحات المدير التنفيذي لشركة الفجر للأوراق المالية إن نتائج الربع الثالث للشركات المساهمة المدرجة بالأسواق المالية على قدر كبير من الأهمية حيث أنها ولأول مرة منذ ثلاث سنوات تظهر هذه النتائج الأداء المالي الحقيقي لمعظم الشركات بعيداً عن تأثير وتضخيم الإيرادات غير المتكررة الناتجة عن الأنشطة المؤقتة.
وأعرب في حوار مع «البيان» الاقتصادي عن اعتقاده بأن نتائج الربع الثالث ستكون حجر الأساس لتوقعات أداء الشركات ليس فقط لعام 2006 وإنما لعام 2007 أيضا.مشيراً إلى أن بعض المحافظ قد بدأت بإعادة هيكلة استثماراتها عن طريق التخلص من أسهم الشركات ذات الأداء المالي المتواضع الذي لا يناسب مستويات التقييم العالية الذي منحته الأسواق لهذه الأسهم وتوجيه هذه السيولة إلى شركات ذات نوعية جيدة وذات قدر على تحقيق الاستمرارية في الربح وتقييم جذاب.
ولفت فرحات إلى عدة أسباب أدت إلى معاناة عدد من مكاتب الوساطة لصعوبات مالية أهمها السياسات التي اتبعتها بعض مكاتب الوساطة للبحث عن مصادر أخرى للدخل بعد قيام الجهات المشرفة على الأسواق المالية بتخفيض إيرادات هذه المكاتب من عمولة الوساطة والذي صاحبه في الوقت نفسه ارتفاع في تكاليف التشغيل بعد قيام هذه الجهات بفرض متطلبات جديدة على مكاتب الوساطة مما حملها أعباء مالية تشغيلية كبيرة.
وأضاف فرحات ان الترخيص لأكثر من 80 مكتب وساطة جديدا زاد الطين بلة نتيجة لتشبع السوق بهذه المكاتب.
وحول المقترحات الخاصة بدمج المكاتب قال فرحات ان هيئة الأوراق المالية كررت أكثر من تشجيها للاندماج لكن الأمر من وجهة نظره يحتاج إلى قيام الهيئة باتخاذ خطوات إضافية وقرارات جريئة بإيقاف مؤقت لإصدار تراخيص جديدة لممارسة مهنة الوساطة في ظل توقعات تشير إلى أن عدد هذه المكاتب سوف يتجاوز المئة مكتب قبل نهاية هذا العام.
وأضاف: لن يكون هناك حوافز وجدوى اقتصادية لعمليات الدمج إلا إذا أعطت الهيئة ضمانات بأنها لن تقوم بالترخيص لمكاتب جديدة «حظر مؤقت لمدة 3 إلى 5 سنوات».
وأورد نبيل فرحات أن أي قرار بشأن زيادة رأس المال لمكاتب الوساطة يجب أن يتم بعقلانية وبحيث يكون مناسبا لحجم أعمال هذه المكاتب وبناء على أسس علمية تضع في الاعتبار عدد من الأمور منها تكاليف أعباء الموظفين .
ورسوم التراخيص والمعدات وإيرادات هذه المكاتب، مشيراً إلى أن السياسة الحالية التي تنتهجها الهيئة بالاتفاق مع الأسواق المالية والتي تضع قيوداً على حجم عمولة الوسطاء .
وأيضاً السياسة التي تنتهجها في التحكم غير المباشر في تكاليف الوسطاء عن طريق فرض متطلبات ذات أعباء مالية جديدة هي سياسة غير منصفة لمكاتب الوساطة ولا ينطبق عليها معايير النظام الرأسمالي والاقتصاد الحر.
وأكد فرحات أنه لا يمكن في هذا الخصوص مقارنة الأسواق المالية في دولة الإمارات مع الأسواق في السعودية أو سنغافورة مثلاً لأن حجم التداول اليومي في تلك الدول يفوق بأكثر من 5 مرات ما يتم تداوله في الإمارات خلال أسبوع وأنه يجب أن يؤخذ في الاعتبار وضع السوق الداخلي من حيث حجم التداول وعدد المكاتب المرخصة لها، وأعباء تكاليف وممارسة هذه المهن. وفيما يلي نص الحوار:
أداء الشركات
* كيف تقيم أداء الشركات خلال الربع الثالث من هذا العام؟
ـ بصورة عامة لاحظنا ان أداء معظم الشركات التي أفصحت (من تاريخ هذه المقابلة) كان جيدا وخصوصا الشركات التابعة لقطاع الخدمات والصناعة. وإجمالاً لاحظنا نموا جيدا في أداء مؤسسة اتصالات وشركة إعمار العقارية حيث نمت أرباح الأولى بنسبة 36% .
والثانية بنسبة 21% خلال فترة التسعة شهور الأولى مع العلم أن مجموع أرباح الشركتين يوازي حوالي 30% من إجمالي أرباح جميع الشركات المدرجة وحوالي 70% من أرباح الشركات التابعة لقطاع الخدمات.
كما لاحظنا أيضا تحسنا في أرباح شركات الاسمنت والتي نتجت عن نشاط الشركة الرئيسي مثل شركة أسمنت رأس الخيمة التي نمت أرباحها بنسبة 23% وشركة الاسمنت الأبيض التي استطاعت أن تعكس خسائر الربعين الأولين من هذا العام وتحقق نتائج جيدة في الربع الثالث نتيجة لنشاط التشغيل. أما بالنسبة لقطاع البنوك فقد لاحظنا نموا في الأرباح الناتجة عن العمليات المصرفية ولاحظنا تفاوتا بين أداء البنوك الكبيرة.
والتي أظهرت ضعفا في نتائج الربع الثالث مقارنة بالربع الأول والثاني من هذا العام وذلك نتيجة لاعتمادها على إيرادات من نشاط تمويل الاكتتابات وإيرادات الوساطة من المكاتب التي تملكها بالإضافة إلى ضعف في الإيرادات من نشاط إدارة الاستثمارات.
ولكن مع هذا لاحظنا نتائج ممتازة في بنك الخليج الأول وبنك رأس الخيمة الوطني والتي يمكن تصنيفها على أنها من البنوك الوحيدة التي أظهرت تحسنا في نتائج الربع الثالث عن الربع الثاني والأول من هذا العام (بالإضافة إلى العام الماضي) مقارنة بالبنوك الكبيرة التي حققت نتائج جيدة على مستوى التسعة شهور (نتيجة لإيرادات الربع الأول التي جاء جزء كبير منها من نشاط تمويل الاكتتابات) .
ولكن شهدت أرباحها انخفاضا في الربع الثالث عن الربع الثاني وانخفاضا في الربع الثاني عن الربع الأول من هذا العام.
أما بالنسبة للشركات الحديثة كشركة رأس الخيمة العقارية فيجب أن تكون توقعاتنا بالنسبة لهذه الشركة واقعية حيث انها حديثة العهد وأن الأرباح الكبيرة التي حققتها في الربع الثاني نتيجة إعادة تقييم العقار لم تتكرر خلال الربع الثالث حيث ان الشركة حققت 20 مليون تقريبا فقط من نشاط التمويل وليس من النشاط العقاري.
تفاعل الأسواق
* بالرغم من الأداء الجيد لبعض الشركات لاحظنا أن الأسواق المالية لم تتفاعل مع هذه النتائج ما هو السبب برأيك؟
ـ هناك عدة أسباب لعدم تفاعل الأسواق المالية مع النتائج منها أن بعض المضاريين استبقوا نتائج الشركات وقاموا بشراء الأسهم .
ونتيجة لهذا الشراء ارتفعت أسعار الأسهم قبل الإفصاح على أمل أن النتائج الجيدة ستأخذ السوق إلى مستويات مرتفعة ولكن نتيجة لتعامل السوق مع هذه النتائج بعقلانية (على الأقل خلال الوقت الحالي) وعدم جنون الأسعار قامت بعض المحافظ بالتسييل نظرا لعدم حصولها على النتائج المرجوة من هذه العملية.
وخصوصا أن تمويل هذا النوع من المضاربة يعتمد على التمويل القصير المدى مما يضطر هؤلاء المضاربين إلى بيع هذه الأسهم للاستيفاء بأية التزامات مالية لدى الوسيط. وأحد الأسباب الأخرى لعدم تفاعل الأسواق مع النتائج هو أن المحافظ الاستثمارية أصبحت تعتمد استراتيجيات جديدة تتميز بالتأني في الشراء .
حيث تقوم بالشراء على فترات زمنية متباعدة وذلك يعود إلى أن أيام المضاربة التي كانت تقفز بأسعار الأسهم من 5 إلى 10% عند افتتاح جلسة التداول قد ولت (بالرغم من أنها تعود من وقت لآخر إلا أنها ليست متفشية كما كانت بالماضي).
وما رأيناه مؤخرا من عدم تجاوب الأسواق مع نتائج إعمار أو اتصالات والتي يمكن وصفها بأنها نتائج قياسية بكل المعايير لا يعني أن أسهم هذه الشركات لا قيمة لها .
حيث ان أي محلل مالي ينظر إلى مضاعف ربحية يتراوح من 14 إلى 15 مرة ونسب نمو في الأرباح تصل إلى 20 إلى 30% خلال السنوات القادمة على أنها أسهم رخيصة وأن اقتناءها حاليا يشكل فرصة استثمارية. ولكن الذي اختلف حاليا هو سياسة الشراء التي يتبعها الجمهور والتي تتسم بالتأني باتخاذ قرار الاستثمار.
والتأني في عملية شراء أو بيع الأسهم. وهذا نابع من تخوف المستثمرين من بقاء السوق على وضعه الحالي ومن تخوف من مخاطر من هبوط الأسعار مرة أخرى. وطبعا الشيء الوحيد الذي يبدد هذه التخوفات هو توفر السيولة عند المستثمرين وعودة الثقة إلى الأسواق المالية والأداء المالي للشركات المدرجة.
وبالتالي عندما تتوفر هذه العوامل معا يمكن أن نشاهد عودة الأسواق إلى ما كانت عليه. وبالطبع توفر هذه العوامل معا قد يأخذ فترة ولذلك نرى أن المحافظ تتبع استراتيجية التأني والشراء الهادئ مع المضاربة المحدودة جدا من وقت لآخر.
ومن ناحية أخرى نرى أن نتائج الربع الثالث ستكون مهمة جدا حيث انها ولأول مرة منذ ثلاث سنوات (منذ ارتفاع أسعار الأسهم بشدة) تظهر هذه النتائج الأداء المالي الحقيقي لمعظم الشركات بعيدا عن تأثير وتضخيم الإيرادات الغير متكررة الناتجة عن الأنشطة المؤقتة. وبالتالي أعتقد أن نتائج الربع الثالث ستكون حجر الأساس لتوقعات أداء الشركات ليس فقط للعام 2006 وإنما لعام 2007 أيضا.
ولذلك نرى أن بعض المحافظ بدأت بإعادة هيكلة استثماراتها عن طريق التخلص من الشركات ذات الأداء المالي المتواضع الذي لا يناسب مستويات التقييم العالية الذي منحته الأسواق لهذه الأسهم وتوجيه هذه السيولة إلى شركات ذات نوعية جيدة وذات قدرة على تحقيق الاستمرارية في الأرباح وتقييم جذاب.
وتهدف المحافظ أيضا عند إعادة الهيكلة تحقيق معدل سيولة (سهولة تسييل الاستثمار) مناسب لطموحات إدارة المحفظة وملاكها. ولذلك خلال الفترة القادمة قد نشاهد انخفاض أسعار أسهم بعض الشركات نتيجة لتسييل المحافظ لهذه الأسهم وارتفاع أسعار بعض الشركات نتيجة انتقال هذه السيولة إلى شركات ذات أداء مالي متميز وحركة تداول نشطة.
صعوبات مالية
* ما هو رأيك بالنسبة لما يتم تداوله في الأسواق من أن هناك تقريبا 20% من مكاتب الوساطة تعاني صعوبات مالية نتيجة لضعف الأسواق؟
ـ سمعنا هذا الكلام من أكثر من مصدر وأعتقد أنه لإيجاد حلول لهذه الأزمة يجب معرفة أسباب هذه الأزمة. وفي اعتقادي أن هناك عدة عوامل أدت إلى هذا الحال أهمها هو السياسات التي اتبعتها بعض مكاتب الوساطة للبحث عن مصادر أخرى للدخل وخصوصا بعد أن قامت الجهات التي تشرف على الأسواق المالية بتخفيض.
وبالنصف إيرادات هذه المكاتب من عمولة الوساطة والذي صاحبه في نفس الوقت ارتفاع في تكاليف التشغيل بعد قيام هذه الجهات بفرض متطلبات جديدة على مكاتب الوساطة مما حملها أعباء مالية تشغيلية كبيرة (زيادة في عدد الموظفين والتقنية والتأمين..إلخ) والتي كان من الأفضل فرض هذه المتطلبات على الوسطاء قبل إجبارهم على تخفيض إيرادات عمولة الوساطة بالنصف.
وبالطبع مع ارتفاع تكاليف التشغيل وانخفاض الإيرادات فإن ربحية هذه المكاتب انخفضت بشدة مما أدى بمكاتب الوساطة إلى السعي وراء مصادر دخل أخرى لتعويض النقص في الإيرادات.
وذلك عن طريق توظيف جزء من رأس المال في الأسواق المالية وتمويل مفرط للمستثمرين والسماح لهم بالتداول على المكشوف بهدف التشجيع على المضاربة لرفع حجم التداول في الشركة بالإضافة إلى أمور أخرى وبالطبع هذه الاستراتيجيات تعني أخذ الوسيط مخاطر أعلى مما كانت عليه في الماضي بهدف إعادة التوازن مرة أخرى بين الإيرادات والتكاليف.
وبالطبع نظرا لوضع السوق الحالي فقد باءت هذه الاستراتيجية بالفشل نظرا لانخفاض أسعار الأسهم بشدة والذي أثر على استثمارات هذه المكاتب وأثر على قدرة المستثمرين (أصحاب المكشوف) على الوفاء بالتزاماتهم تجاه المكاتب.
ومما زاد الطين بلة هو الترخيص لأكثر من 80 مكتب وساطة جديد وبالتالي فإن السوق أصبح أكثر من متشبع وأدت هذه العوامل إلى تردي الوضع المالي لبعض هذه المكاتب والتي تحتاج إلى إعادة هيكلة مرة أخرى لتستطيع الاستمرار بنشاط الوساطة.
دمج المكاتب
* ولكن هناك إجراءات تتخذها الهيئة بهدف إعادة تنظيم قطاع الوساطة ومنها دمج المكاتب ورفع رأسمال هذه الشركات وغيرها من الأمور ما هو تعليقك على هذا؟
ـ أولا بالنسبة لموضوع دمج هذه الشركات أعتقد أن هيئة الأوراق المالية والسلع ذكرت أكثر من مرة أنها تشجع اندماج هذه المكاتب وأعتقد أن الأمر يحتاج إلى قيام الهيئة باتخاذ خطوات إضافية لتحقيق الأهداف المرجوة من هذا الدمج. وهذا يتطلب اتخاذها لقرارات جريئة تعني بإيقاف مؤقت لإصدار تراخيص جديدة لممارسة مهنة الوساطة. وحسب ما سمعنا أنه هناك ما يفوق الـ 90 مكتب وساطة.
وأن هناك احتمال ارتفاع هذا العدد إلى ما يفوق الـ 101 مع نهاية هذا العام. والنقطة هنا أنه في حالة مثلا أن شركة الفجر ترغب في شراء ودمج مجموعة من هذه المكاتب فإنه ليس هناك حافز وجدوى اقتصادية إلا إذا أعطت الهيئة ضمانات على أنها لن تقوم بالترخيص لمكاتب جديدة أخرى.
فمثلا من جهة يقوم المستثمر بشراء ودمج 20 مكتب وساطة ليتقلص إجمالي مكاتب الوساطة إلى 70 ومن جهة أخرى تقوم الهيئة بإصدار تراخيص جديدة لـ 20 مكتبا جديدا وبالتالي لم نحل المشكلة إنما تورط المستثمر في مأزق كبير.
ولذلك نقترح على الهيئة أن تعمل على خلق الجو المناسب للدمج عن طريق إيقاف الترخيص لمكاتب الوساطة الجديدة من خلال تطبيق «حظر مؤقت» )3 إلى 5 سنوات) على تراخيص مكاتب وساطة جديدة.
وهذا من شأنه أن يتيح الفرصة لمكاتب الوساطة الحالية للتأقلم مع أوضاع السوق كما سيجبر المستثمرين الراغبين في فتح مكاتب وساطة جديدة ولكن لا يستطيعون ذلك (نتيجة للحظر) على التوجه إلى المشاركة والاستثمار في المكاتب القائمة والتي تعاني من بعض المشاكل وبالتالي إعادة هيكلتها من خلال ضخ سيولة جديدة بها.
وبعد فترة 3 سنوات مثلا يتم إعادة تقييم الوضع وإذا ما كان كل شيء سليم يتم رفع الحظر على الترخيص وإذا لم يكن يتم تجديد الحظر لسنة واحدة مع عودة تقييم الوضع كل سنة.
أما من حيث رفع رأس المال لمعالجة هذه المسألة فنحن مع رفع رأس المال ولكن أن يتم الأمر بعقلانية حيث أنه يجب أن يكون رأس مال مكاتب الوساطة مناسبا لحجم أعمال المكتب. وقد سمعنا عن أرقام مثل 30 و50 و100 مليون درهم وطبعا الأرقام العشوائية غير مقبولة .
حيث يجب أن يتم تحديد رأس مال شركة الوساطة بناء على أسس علمية تعتمد على ما هو مطلوب لاستيفاء متطلبات إنشاء وممارسة هذا النشاط (احسبها) مثل تكاليف أعباء الموظفين ورسوم الترخيص والمعدات ..الخ مع الأخذ بعين الاعتبار ما هي إيرادات هذه المكاتب تاريخيا.
والهدف من ذلك هو توفير الملاءة المالية لممارسة هذا النشاط. وطبعا في ظل الظروف الحالية أعتقد أن هذا صعب وذلك يعود إلى أن قدرة مكاتب الوساطة على التحكم في التكاليف أصبحت معدومة نظرا للمتطلبات التي فرضتها الهيئة والأسواق المالية في الماضي .
وستفرضها في المستقبل والتي نتج عنها أعباء مالية إضافية على الوسطاء ونتيجة لعدم قدرة الوسيط على التحكم في الإيرادات (بعد قيام الهيئة بإجبار الوسطاء على تخفيض عمولتهم من الوساطة بالنصف).
وكلمة أخيرة أود أن اذكرها هي أن مكاتب الوساطة هي شركات تجارية محكومة بالربح والخسارة وهي ليست مؤسسات مدعومة من الحكومة أو مؤسسات خيرية ولذلك على الجهات التي تعمل على تنظيم الأسواق أن تأخذ في عين الاعتبار نوعية القرارات التي تتخذها ومدى تأثيرها المباشر والغير مباشر على إيرادات وتكاليف مكاتب الوساطة.
وأعتقد أن السياسة الحالية التي تتبعها الهيئة بالاتفاق مع الأسواق المالية والتي تضع قيودا على حجم عمولة الوسطاء وأيضا السياسة التي تتبعها في التحكم الغير المباشر في تكاليف الوسطاء (عن طريق فرض متطلبات ذات أعباء مالية جديدة) هي سياسة غير منصفة لمكاتب الوساطة ولا ينطبق عليها معايير النظام الرأس مالي أو الاقتصاد الحر.
ونتيجة لقيام الجهات المسؤولة بتحديد حجم الرسوم التي يجب أن يفرضها الوسيط وحجم الأعباء المالية التي يتحملها الوسيط فقد أصبح الوسيط لا يملك المرونة في التحكم قي النفقات والإيرادات التشغيلية .
وستؤدي هذه السياسة بالنهاية إلى تحول الوسيط إلى مؤسسة خيرية مسؤولة عن تمويل تطوير قطاع الاستثمار من جيبه الخاص (على حساب ربحية المكتب) وذلك لعدم قدرته على تحويل وتحميل جزء من هذه الأعباء على حسابات العملاء (وهم المستفيدون الأول والأخير من هذه الخدمات).
ولذلك فإن أية من الحلول المقترحة بشأن دمج الشركات أو زيادة رأس المال سيكون لها تأثير مؤقت (في حالة عدم معالجة هذا الخلل) حيث سيتم استنزاف رأس المال إذا ما ظلت الجهات المسؤولة تضع قيودا على إيرادات الوسطاء وتحمل أعباء مالية إضافية لمكاتب الوساطة في ان واحد.
ولذلك أعتقد أن قرار حجم الرسوم وعمولات الوساطة يجب أن يكون بيد مكتب الوساطة وبناء على احتياجاته الخاصة ولا دخل للهيئة في تحديده ولكن من الجانب الآخر تقوم الهيئة بوضع متطلبات تحدد أدنى المعايير الجديدة لتحسين مستوى مكاتب الوساطة في الدولة.
وبذلك نكون حققنا توازنا بين ضمان أن مكاتب الوساطة تعمل كمؤسسات تجارية تسعى إلى الربحية وفي نفس الوقت تكون تحت إشراف الهيئة التي تسعى من خلال سياستها إلى تطوير قطاع الخدمات المالية.
والسياسة المتبعة حاليا والمتمثلة في تحكم الجهات الحكومية في إيرادات وتكاليف مكاتب الوساطة في ان واحد من دون أي رأي وقول لأصحاب مكاتب الوساطة لا تعالج المشكلة وستؤدي إلى خلق أزمة جديدة لدى الوسطاء حتى ولو قمنا برفع رؤوس أموال هذه الشركات (نؤجل المشكلة حتى يتم استنزاف رأس المال الجديد).
وبالتالي أي قرار يمس بربحية هذه الشركات يؤخذ من قبل الجهة التي تنظم الأسواق المالية يجب أن يدرس بتأن وبناء على أسس علمية حتى لا نكرر غلطة تخفيض عمولة الوسطاء إلى النصف والتي أثرت سلبيا على 100% من المكاتب في الدولة مما أدى إلى ظهور مشاكل جدية عند 20% من هذه المكاتب.
أعباء كبيرة
* ولكن عمولة الوساطة التي حددتها الهيئة والأسواق المالية هي العمولة السائدة في الأسواق المالية في الدول المجاورة؟
ـ هذا صحيح ولكن لا يمكن مقارنة الأسواق المالية في دولة الإمارات مع الأسواق المالية في السعودية أو سنغافورة مثلا لأن حجم التداول اليومي في هذه الدول يفوق بأكثر من 5 مرات ما يتم تداوله في الإمارات خلال الأسبوع. ومع هذا لا يجوز أساسا ان يكون قرار حجم العمولة يعتمد على ما هو سائد في الدول الأخرى.
ولكن يجب أن يأخذ بعين الاعتبار وضع السوق الداخلي من حجم التداول وعدد المكاتب المرخص لها وأعباء تكاليف إنشاء وممارسة هذه المهنة التي يتحملها مكتب الوساطة فمثلا أعتقد أن إيجار المكاتب في الدولة أعلى بعدة أضعاف مما هو عليه في دول الخليج ورسوم الترخيص والأعباء الإضافية بالنسبة للعمالة من الوسطاء والمدقق الداخلي والـ CPA والـ CFA.
والمتطلبات الخاصة بسوق أبوظبي والمتطلبات الخاصة بسوق دبي والمتطلبات الخاصة بالهيئة (الوسيط يدفع رسوم الترخيص والغرامات إلى 3 جهات مختلفة مقارنة بجهة واحدة في الدول الأخرى) هذه كلها تؤدي إلى تكبد الوسيط الإماراتي أعباء أعلى مما يتحملها أي وسيط في أي من الدول الأخرى (احسبها).
وبالتالي فإن رسوم الوساطة التي يفرضها الوسيط يجب أن تعكس الواقع الإماراتي فقط وليس واقع دولة أخرى نظرا لأن تكلفة التشغيل في الإمارات أعلى من تكلفة التشغيل في الدول المجاورة فأعتقد يجب أن تكون عمولة الوسيط أعلى مما هو سائد في الدول المجاورة لتحقيق نفس مستوى الربحية التي تحققه هذه المكاتب في الخارج.
مصلحة المستثمر
* ولكن أين مصلحة المستثمر في كل هذا حيث أن رفع عمولة الوساطة يحمل أعباء مادية إضافية للعملاء؟
ـ هذا غير صحيح لأننا لم نر المستثمرين يتذمرون من عمولة الوسطاء القديمة (3 ,0% من إجمالي قيمة العملية أو 3 فلوس على كل ألف درهم) التي كان متعامل بها مسبقا.
حيث أن سوق الأسهم حقق أرباحا رأس مالية تفوق الـ 230% خلال السنوات الثلاث التي سبقت هبوط الأسعار وبالتالي فإن تأثير تكاليف عمولة 3 ,0% على أرباح بـ 230% بسيط جدا ولا يذكر .
وبالتالي لم يتذمر أحد في ذلك الوقت والآن نرى أنه بعد انخفاض أسعار الأسهم بحوالي 44% من أعلى نقطة بلغها السوق في العام الماضي وتخفيض العمولة من (30 ,0%) إلى (15 ,0%) أن هذا القرار لم يخفف اي عبء على المستثمر ولكنه اثر سلبيا وبشدة على الوضع المالي لمكاتب الوساطة.
فقد نتج عن سياسة التخفيض غير المدروسة أن أثرت على نوعية الخدمات التي تقدمها مكاتب الوساطة إلى العملاء وفي العادة يهتم المستثمرون بالحصول على أفضل الخدمات بهدف رفع احتمال نجاح استثماراتهم ولا يمانعون في تحمل أعباء أو رسوم إضافية إذا ما كانت توفر حماية إضافية لاستثماراتهم.
حيث أنه ما النفع لو قدمت مكاتب الوساطة خدمة الوساطة مجانا إذا كانت حسابات العملاء خاسرة أو أداؤها اقل من المستوى المطلوب نظرا لعدم حصول العميل على مستوى خدمة جيد.
أنا شخصيا مستعد أن أدفع 3 أضعاف العمولة الحالية إذا ما توفرت لي خدمة جيدة تساعدني على تقليص خسارة محفظتي عن السوق عند هبوط أسعار الأسهم وتزيد من أرباحها عن السوق عند ارتفاع أسعار الأسهم.
وأؤكد لك ان الاعتقاد السائد بأن تخفيض عمولة الوسيط هو من مصلحة العميل اعتقاد غير صحيح حيث أنه «نعم» انخفضت تكاليف بيع وشراء الأسهم على العميل ولكن في ذات الوقت أصبحت استثمارات العميل عرضة أكبر للخسارة (بنسب تفوق أضعاف الأضعاف تحمله العمولة القديمة) نظرا لأن قدرة هذه المكاتب على تقديم خدمة متميزة أصبحت محدودة بعد انخفاض الإيرادات.
وبالطبع كما ذكرت سابقا أن مكاتب الوساطة ليست مدعومة حكوميا وليست مؤسسات خيرية إنما هي مؤسسات مالية تسعى وراء الربح.
وبالتالي وبناء على وضعنا الحالي يلجأ الوسيط إلى تقليص النفقات لتحقيق الربحية عن طريق تفنيش محلل أو وسيط أو مجموعة من الموظفين التي تقدم خدمات المساندة أو اللجوء إلى موظفين ذوي مستوى خبرة قليل أو مستوى مهني ضعيف وبالتالي انخفاض مستوى الخدمات المقدمة للعملاء وبالتالي تأثر محافظ العملاء سلبيا نتيجة لذلك.
كما أن قرار تخفيض إيرادات الوسيط أدى إلى اندفاع بعض مكاتب الوساطة لاتباع أساليب وممارسات متهورة على أمل تعويض النقص في الإيرادات (وهذا ما رأيناه منذ ان تم تفعيل قرار تخفيض العمولة) .
ويكون ذلك عادة عن طريق تشجيع العملاء على المضاربة المتهورة والتمويل غير المسؤول وغيرها من الممارسات التي تنعكس سلبيا على الوسيط والعميل والأسواق المالية كما رأينا من ارتفاع حجم المضاربات.
ولذلك يجب ألا ينحصر السؤال فقط بأين مصلحة العميل إنما يجب أن يكون السؤال هل كان هناك توازن بين مصلحة العميل ومصلحة الوسيط عندما قررت الجهات المسؤولة تخفيض عمولة الوساطة؟ حيث أعتقد ان تحقيق توازن بين المصلحتين يصب في مصلحة الطرفين بشكل مباشر.
حل مؤقت
* نعم ولكن الهيئة والأسواق تعمل على أن تقدم مكاتب الوساطة مستوى معينا من الخدمات للعملاء من خلال إجبارها على رفع رأسمالها لضمان توفر السيولة لتمويل هذه الخدمات فما الضرر في ذلك؟
ـ هذا صحيح ولكن هذا الحل يكون حلا مؤقتا إذا لم تستطع مكاتب الوساطة أن تحقق مستوى معينا من الأرباح لتستطيع الاستمرار في تقديم هذه الخدمات للعملاء ونذكر أن الهدف الأساسي هو تمويل هذه الخدمات ذاتيا من ربحية الشركة وليس من رأسمال الشركة.
حيث أنه إذا ما ظل الوضع على ما هو (ربحية قليلة نتيجة لمتطلبات تخلق أعباء مالية جديدة على الوسطاء وضعف إيرادات الوساطة نتيجة لتقليص عمولة الوساطة وزيادة عدد مكاتب الوساطة) فإن رأس المال سيتم استنزافه تدريجيا في تمويل هذه الخدمات إلى أن ينتهي وفي تلك الحال نعود إلى نقطة الصفر (20% أو أكثر من المكاتب تعاني من وضع مالي مترد) ومن ثم ماذا يكون الحل؟
هل نقوم برفع رؤوس أموال هذه المكاتب مرة أخرى؟ إن المتطلبات التي تفرضها الهيئة والأسواق على مكاتب الوساطة يجب أن تناسب وضع السوق الحالي بحيث يمكن تمويلها على المدى المتوسط والبعيد من ربحية مكتب الوساطة وليس بناء على رفع رأسمال الشركة.
ولتحقيق الربحية المنشودة يجب على مكاتب الوساطة أن يكون لها القرار والقدرة على التحكم بالنفقات والإيرادات وهذا القرار والقدرة أصبح رهينة قرارات الهيئة والأسواق المالية نتيجة لقيام الهيئة والأسواق بوضع قيود (تخفيض) على الإيرادات ووضع متطلبات ترخيص جديدة تحمل المكاتب أعباء مالية إضافية.
أبوظبي ـ أحمد محسن

