يحذر تقرير بريطاني من أن التغيرات المناخية قد تصيب الاقتصاد العالمي بالكساد، بل أسوأ كساد في التاريخ الحديث. ويقول سيرنيكولاس ستيرن الخبير الاقتصادي السابق بالبنك الدولي إن الحكومات في العالم لا بد أن تتعامل مع هذه المشكلة مقدماً من خلال تقليل انبعاث الغازات وإلا ستواجه عواقب اقتصادية وخيمة.

ويثير هذا التحذير جدلاً حول الإحترار العالمي ويرجح القول بأن محاربة هذا الإحرار سوف ينقذ أموال ا لدول الصناعية من الضياع. وقد رفضت أميركا التوقيع على اتفاقية كيوتو التي تحد من انبعاثات الغازات الكربونية في الغلاف الجوي لأن جورج بوش الرئيس الأميركي يعتقد أن الانضمام للبروتوكول سيكون له تأثير ضار على الاقتصاد الأميركي.

وكان تقرير سير ستيزن عن اقتصادات التغيرات المناخية في طي الأسرار حتى تم الكشف عنه في مؤتمر وزراء البيئة في المكسيك خلال الشهر الجاري، لكن سير ديفيد كنج كبير المستشارين العالميين للحكومة البريطانية قدم تصوراته حول هذا الموضوع لصحيفة الجارديان.

وقال كنج إن كل توقعات ستيزن المتصلة على أساس نماذج حاسوبية تدرس الوضع حتى 2100 تشير إلى أننا إذا لم نتخذ خطوات نحو خفض انبعاث الغازات في الجو سوف نواجه كساداً اقتصادياً رهيباً. وإذا لم يتم اتخاذ خطوات سوف نواجه انحساراً اقتصادياً لم يحدث منذ الكساد العالمي الكبير والحربين العالميتين. وقال سير ديفيد إن هذا التقرير هو أكثر التحليلات الاقتصادية تفصيلاً يعتقد أن أحداً لم يتوصل إليه حتى الآن.

ويثير التقرير خطر ارتفاع مستوى مياه البحر. وقال سير ديفيد إذا نظرنا إلى ارتفاع مستوى مياه البحر وحده وأثر ذلك على الاقتصاد العالمي والدول التي سوف تغمرها المياه، نلاحظ أن هذا سوف يسبب زحزحة وانتقالا لملايين البشر.

وتعكس ملاحظات سير ديفيد رأي مارجريت بيكيت وزيرة الخارجية التي قالت إنها ليست مشكلة بيئية فقط بل مشكلة دفاعية، ومشكلة الذين يتعاملون مع الاقتصاد والتنمية والوقاية من الحروب والزراعة والتمويل والإسكان والنقل والابتكار والتجارة والصحة.

ويقول سيرنيكولاس إن معالجة المشكلة قد لا يسبب آلاماً اقتصادية كما يتوقع بعض الخبراء، فالاستثمار في التقنيات ذات الانبعاث الكربوني المنخفض قد يساعد الاقتصاد العالمي، وقال سير ديفيد إن تحليل سير ستيزن سوف يرهش كثيرا من الناس من حيث انخفاض تكلفة معالجة المشكلة.

وتتوقع الوكالة الدولية للطاقة أن هناك حاجة إلى استثمارات مقدارها 15 تريليون دولار »8 تريليونات جنيه إسترليني« في مواد الطاقة الجديدة خلال الأعوام المقبلة. وقال سير ديفيد إن برنامج الاستثمار المكثف أمامنا هو فرصتنا للوصول إلى مرحلة خفض الانبعاث الكربوني إلى صفر. وعملية الاستثمار سوف تعكس الاتجاه نحو الكساد الاقتصادي.

وقال سير ديفيد أمام مؤتمر التغيرات المناخية السريعة إن التوصل إلى إجماع سياسي عالمي حول هذه القضية سيكون صعباً. وأعرب عن رأيه بأن هذا هو أكبر تحدي للنظام السياسي العالمي في تاريخه. وقال لم نواجه عملية اتخاذ قرار كهذا بشكل جماعي من كل الدول الكبرى من قبل. وأضاف يقول إن الإطار الزمني أيضاً غير مسبوق،

فالخطوات التي نطلب من النظام السياسي العالمي اتخاذها اليوم سيكون تأثيرها واضحاً بعد نصف قرن على الأقل، لذلك لأول مرة نطلب من النظام السياسي العالمي أن يتخذ قرارات بشأن أخطار تحيط بسكان العالم في إطار زمني خارج أي دورات انتخابية.

ورسم سير ديفيد خطوطاً متوازية بين النصح العلمي والإحترار العالمي من جانب وتحذيرات خبراء الحركات الأرضية قبل وقوع موجات التسونامي العاتية. وقال إن وفداً حذر حكومات الدول الواقعة على شاطئ المحيط الهندي بشأن خطر داهم متوقع

ونشاط تكتوني غير عادي تحت سطح البحر قبل شهر من هجوم موجات التسونامي، ولم تتخذ أي حكومة خطوات للحماية ضد هذه الموجات. وقال إن هذه الحكومات قدرت أن تركيب نظام تحذير مبكر يتكلف 30 مليون دولار، باهظ جداً، لكنه كان باستطاعته إنقاذ نحو 150 روحاً من الموت.

وكان جوردون براون وزير الخزانة قد طلب من سير نيكولاس شيرن في يوليو الماضي تحليل الآثار المالية الناتجة عن تغير المناخ، فقال في تقرير إن هذه التغيرات تهدد الاقتصاد العالمي وسوف يكون من الأرخص معالجة هذه المشكلة حالياً مقارنة بمعالجة آثارها بعد تفاقمها مستقبلاً.

لكنه يبدو أن المشكلة الجدلية هي ما يطلبه العلماء من إنفاق للوقاية وما يراه الاقتصاديون من تكلفة باهضة لمعالجة مشكلة تكون في آثارها المستقبلية، تماماً كما حدث في حالة أمواج التسونامي.

ترجمة: أشرف رفيق