قال تقرير أعده كل من جوزيف ستيجليتز الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2001، وهو مؤلف كتاب »إنجاح العولمة« الذي سيصدر قريباً وأنطون كورينيك من جامعة كولومبيا قال فيه الكاتبان إن إستراتيجية فرق تسد التي تتبناها الولايات المتحدة من شأنها أن تقوض النظام التجاري التعددي والذي يعتمد على مبدأ عدم التمييز، فقد وقعت على سلسلة من الاتفاقيات التجارية الثنائية الأكثر أحادية وظلماً بالنسبة للدول النامية وهو ما قد يدفع أوروبا أيضاً لمحاكاة أميركا.

وقال التقرير إن الآمال التي كانت معقودة على جولة التنمية في إطار محادثات التجارة العالمية والتي تتمثل في فتح أبواب الفرص أمام الدول النامية لتحقيق التنمية وتقليص الفقر قد أحبطت وذهبت أدراج الرياح.

وأضاف التقرير »على الرغم من دموع التماسيح التي نستطيع أن نراها في كل مكان، إلا أننا نحتاج إلى قياس مدى الإحباط الناجم عن خيبة الأمل هذه فمن المعروف أن باسكال لامي رئيس منظمة التجارة العالمية، كان حريصاً لمدة طويلة على تقليص التوقعات إلى الحد الذي كان من الواضح معه أن المحصلة النهائية أياً كانت لن تقدم للدول الفقيرة إلا فوائد محدودة على أفضل تقدير«.

ورأى التقرير أن هذا الفشل لم يأت كمفاجأة وأشار إلى تراجع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي منذ مدة طويلة عن الوعود التي بذلتها الدولتان في الدوحة عام 2001 بتصحيح الخلل في التوازن والذي شاب الجولة السابقة من محادثات التجارة وهي الجولة التي بلغت حداً من الظلم والجور جعل أفقر دول العالم في حال أسوأ من ذي قبل.

ومضى يقول »مرة أخرى كان النصر لعجز أميركا عن الالتزام بالتعددية، وعنادها، واستعدادها لتقديم النفعية السياسية على المبادئ بل وحتى مصالحها الوطنية. ففي ظل اقتراب انتخابات نوفمبر، لم يكن بوسع الرئيس جورج دبليو بوش أن يضحي بمزارعي القطن الأثرياء (25 ألف مزارع)،

أو مزارعي الأرز الميسورين (عشرة آلاف مزارع)، ومساهماتهم في الحملة الانتخابية. والحقيقة أن التاريخ نادراً ما شهد تخلي مثل هذا العدد الهائل من الناس عن ذلك القدر الضخم من المنفعة لمجرد حماية مصالح هذا العدد الضئيل من الناس«.

وكانت المحادثات التجارية التعددية قد انزلقت إلى مستنقع عميق من الخلافات بشأن الزراعة، حيث لا تزال الإعانات والقيود التجارية أعلى كثيراً من نظيراتها في مجال الصناعة. فمع اعتماد ما يقرب من 70% من مواطني الدول النامية بشكل مباشر أو غير مباشر على الزراعة،

أصبحوا يمثلون الطرف الخاسر طبقاً للنظام الحالي، لكن التركيز على الزراعة أدى إلى تحويل الانتباه عن أجندة أوسع نطاقاً، وكان تنفيذ مثل هذه الأجندة من شأنه أن يخدم مصالح الشمال والجنوب في الوقت ذاته. وعلى سبيل المثال، كان من الواضح أن تطبيق ما يسمي بـــ »التعريفة المتصاعدة« ،

التي تفرض على السلع المصنعة ضريبة أعلى كثيراً مما تفرضه على السلع غير المصنعة، يعني أن التعريفات الخاصة بالتصنيع سوف ترغم الدول النامية على الإحجام عن القيام بالأنشطة ذات القيمة المضافة الأعلى والتي من شأنها أن توفر فرص العمل وتدعم الدخول.

وربما كان أكثر الأمثلة فظاعة تعريفة الاستيراد التي فرضتها أميركا على الإيثانول، والتي بلغت 0.54 من الدولار على الغالون، بينما لم تفرض أي تعريفة على النفط، وفرضت تعريفة قدرها نصف دولار فقط على الغالون من الجازولين.

وهذا يتناقض بشكل واضح مع الإعانة التي تحصل عليها شركات الولايات المتحدة المنتجة للإيثانول بمقدار 0.51 من الدولار عن كل غالون. وبهذا فلن يتسني للمنتجين الأجانب أن يدخلوا في المنافسة ما لم تكن تكلفة إنتاجهم للغالون أقل من التكلفة التي يتحملها المنتجون الأميركيون بمقدار 1.05 دولار عن كل غالون.

ويعني هذا الحجم الضخم من الدعم أن الولايات المتحدة قد أصبحت أكبر منتج للإيثانول على مستوى العالم. ولكن على الرغم من هذه الميزة الضخمة، إلا أن بعض الشركات الأجنبية ما زال بوسعها الوصول إلى السوق الأميركية في هذا المجال. ومن المعروف أن تكلفة إنتاج الإيثانول البرازيلي من السكر أقل كثيراً من تكلفة إنتاج الإيثانول الأميركي من الذرة.

والحقيقة أن الشركات البرازيلية أكثر كفاءة من الصناعة الأميركية المدعومة، والتي تستهلك قدراً هائلاً من الطاقة في بذل الجهود من أجل الحصول على الدعم والإعانات من الكونغرس بدلاً من تحسين كفاءة الإنتاج. حتى أن بعض الدراسات تؤكد أن تصنيع الإيثانول الأميركي يتكلف قدراً من الطاقة يتجاوز ما يحتويه ذلك الإيثانول من الطاقة بالفعل. وإذا ما عملت أميركا على إزالة هذه الحواجز التجارية الجائرة فلسوف يكون بوسعها أن تشتري قدراً أكبر من الطاقة من البرازيل وقدراً أقل من الطاقة من الشرق الأوسط..

في إطار محادثات التجارة أكدت أميركا أنها لن تقطع الدعم إلا إذا ردت الدول الأخرى بفتح أسواقها. وفي هذا الإطار يقول أحد وزراء الدول النامية »مزارعينا يستطيعون منافسة مزارعي أميركا، إلا أننا لا نستطيع منافسة وزارة الخزانة الأميركية.

الحقيقة أن الدول النامية لا تستطيع ولا ينبغي لها أن تفتح أسواقها بالكامل للسلع الزراعية الأميركية ما لم تبادر الولايات المتحدة إلى إلغاء الدعم بالكامل، لأن المنافسة على أساس متساو من شأنه أن يجبر هذه الدول على دعم مزارعيها، الأمر الذي يعني إهدار مواردها الضئيلة اللازمة لدعم التعليم، والصحة، والبنية الأساسية«.

وفي مجالات تجارية أخرى أصبح مبدأ الرسوم التعويضية معترفاً به، فحين تبادر احدى الدول إلى تقديم دعم أو إعانة، فإن الدول الأخرى من حقها أن تفرض ضريبة إضافية لموازنة الميزة غير العادلة الممنوحة لمنتجي تلك الدولة. وإذا ما انفتحت الأسواق، فلابد وأن تحصل الدول على الحق في موازنة الإعانات الأميركية والأوروبية. وهذا في حد ذاته يشكل خطوة إلى الأمام في إطار الجهود الرامية إلى تأسيس نظام تجاري عادل يهدف إلى دعم التنمية.

مخاوف الدول النامية

شعرت أغلب الدول النامية بانزعاج شديد في بداية الأمر، ليس فقط إزاء تراجع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة عن وعودهما بل وأيضاً بشأن الاحتمالات القائمة بأن يتفاقم موقف تلك الدول سوءاً نتيجة للاتفاق المحتمل.

كما أن هناك خطراً آخر ما زال قائماً، فقد يتصور العالم أن الاتفاق يُعَد في حد ذاته إنجازاً لأهداف جولة التنمية التي تم تحديدها في الدوحة، ثم تتحول المفاوضات التجارية مرة أخرى إلى جعل الدورة المقبلة على القدر نفسه من الظلم الذي شهدته الجولات السابقة.

متابعة ــــ كفاية أولير