صباح فخري الذي شاهدناه الليلة قبل الماضية، يصدح لأربع ساعات على مسرح قاعة «الراشدية» في فندق «البستان روتانا»، واصلاً ليل دبي بفجرها، لم يكن الرجل نفسه الذي قصدناه في المرات السابقة إلى المكان ذاته، والقصد أنه لم يقدم ما جادت به حنجرته الذهبية مثل كل مرة يصعد فيها لملاقاة عشاق صوته، وتلك ميزة ربما ينفرد بها، صاحب الصوت العذب والأداء الذكي الذي يرتجل لحظات الغناء ويقدمها في كل مرة بلون ونكهة جديدين.
امتلأ المكان بقاصديه كما كان متوقعاً، والقاعة أفردت مساحتها الفسيحة لذواقة الموشحات والأدوار التراثية والقدود الحلبية. وقبل أن يحين لقاء منتصف الليل مع نجم الحفل، قدم صوت من الفرقة عدداً من روائع وردة وعبدالحليم حافظ وكارم محمود، ليرحب بعدها طلال البرازي منظم الحفل بالفنان الكبير ونخبة الوجوه المتذوقة للفن الأصيل، ثم يفاجئ الإعلامية منتهى الرمحي بدعوتها إلى المسرح لتقديم الأمسية، فلبت الدعوة موضحة أنها «مع أمثال «العملاق» صباح فخري فقط، يشرفها القيام بهكذا مهمة».
أما صباح فخري الذي جاء من الباب، وليس من خلف الكواليس، كما هي العادة في الحفلات الفنية، فقد قطع المسافة بهمة الشباب، وهو الذي تجاوز السبعين من العمر، وسط تصفيق حار ضجت به أرجاء المكان. ولما بلغ المنصة، بادر إلى مخاطبة الحضور مرحباً بهم جميعاً، وخص بالذكر الذين يعرفهم، ومن اعتاد على رؤيتهم في حفلاته المتكررة في دبي، ووعد الجميع «بالغناء حتى تأمرنا الحكومة بالتوقف».. فاشتعلت القاعة هتافاً وتصفيقاً.
وبعد أن تفقد الفرقة الموسيقية، فتح «المايسترو» خزانته الزاخرة بجواهر التراث الغنائي الحلبي والأندلسي، واستهل الإنشاد بالأدوار.. «ياسيد الملاح»، و«حياة عيني»، «عالروزانا»، «عالا لا ولا لا »، وانطلقت الآهات مع «ياشوق رفقاً الفؤاد يذوب / سمراء لعل وصلك للفؤاد طبيب»، وتصاعد إيقاع الحفل مع «ابعتلي جواب»، حيث تمايلت الأجساد الذكورية والأنثوية، متأثرة بالأغنية الجميلة التي يتناقلها الناس جيلاً بعد جيل، وبالرقصات الرصينة التي كانت ترافق غناء صاحب الحفل. حتى أن زميلاً يجلس قبالتي سألني بدهشة عن سر هذا الفنان وحيويته وجمهوره الآتي من أجيال متعددة.
كان المطرب «مايسترو» في متابعته توزيع الأدوار على العازفين، ليؤدي كل منهم مقطوعة منفردة على آلته، كما في مرافقته الموسيقى نزولاً وصعوداً حسب مجريات الحفل. وابتداءً من منتصف البرنامج، صار الإيقاع يتصاعد مع الأغنيات والمواويل الأثيرة . «فوق النخل»، و«اللؤلؤ المنثور»، ثم «خمرة الحب اسقنيها» التي لها مقام خاص لدى الناس، حيث تفاعلت القاعة بحماس على مدى عشرين دقيقة مع مقاطعها الرائعة، لتتوالى بعدها «قل للمليحة»، «يا رب»، «على حسبي وداد قلبي»، «ياجملون»، «سكابا يا دموع العين»، «على دلعونا»، «عمي يا بياع الورد» ..
بينما كان الجمهور يعيش لحظات من التأثر والانفعال، حتى نهاية الحفل قبيل طلوع الفجر بقليل، وهي حالة فنية لا يتقن صنعها إلا من وهبه الخالق حنجرة صباح فخري.
دبي ـ إسماعيل حيدر

