تعمد البنوك في جنيف إلى إطلاق منتجات استثمارية إسلامية وفتح مكاتب جديدة لتعزيز قدرتها على خوض منافسة محتدمة مع دبي على زبائن الشرق الأوسط، بعدما أضحت مركزا لإدارة الأصول والثروات الشخصية العربية، بحكم احتضانها بيئة ومناخ أعمال وفقا لأفضل المقاييس العالمية.
ويمكن للمرء تلمس هذا الواقع بمجرد أن تطأ أقدامه ساحة مركز دبي المالي العالمي حيث سيجد قاعدة لمديري الأصول تضم الكثير من الشركات ومصارف التجزئة والجملة تقدم خدمات متخصصة في إدارة الأصول.
وبالتالي، صار في إمكان أصحاب الثروات العربية أن يوجهوا بوصلتهم إلى دبي، وليس إلى جنيف أو لندن أو نيويورك، كما هو كان معتادا في الماضي القريب،حيث يجدون هناك توليفة متنوعة من مديري الأصول والذين يقدمون طيفا متسعا من الحلول في إدارة الثروات التي لا تقل في جودتها عما هو موجود في المدن الغربية.
وعبرت العديد من المؤسسات مالية سويسرية عن حالة القلق التي تسود الأوساط المالية هناك بشأن بزوغ مراكز مالية قادرة على استقطاب الأموال إليها وذلك على غرار مدينة دبي، ويشير هنا جون ساندويك من شركة انكور ما نجمنت ومقرها جنيف أن البنوك في مدينة جنيف ربما تدير 200 مليار دولار من الأصول المملوكة لمسلمين.
ومن شأن أي تحويلات في هذه الحسابات سواء إلى منافسين سويسريين أو إلى مراكز خدمات مالية خارجية في دبي أو سنغافورة أن تثير متاعب لبنوك جنيف تماما. وأضاف أن الاتجاهات السائدة تميل إلى نظام عالمي لإدارة الثروات أكثر تنوعاً وانتشاراً. وأشار إلى حاجة البنوك لتبني نهج أكثر جرأة. ونصح بأن أموال المسلمين ستبتعد ما لم نستجب لحاجات المسلمين.
كما أعلن بنك «يو.بي.اس أكبر بنك لإدارة الثروات في العالم أنه يسعى لتنشيط السوق الثانوية لتداول الأوعية المالية الإسلامية عن طريق نوع جديد من شهادات الاستثمار المرتبطة بسلع أولية.وتقدم البنك السويسري بطلب براءة اختراع لهيكل الشهادة المتوافقة مع الشريعة الإسلامية.
وقال ديفيد كيمب مدير مجموعة التمويل الإسلامي التابعة ليو.بي.اس أن الكثير من الاستثمارات المتوافقة مع الشريعة غير قابلة للتداول بما يتوافق مع الشريعة. والسبب هو أنه ينظر إليها على إنها عملية شراء أو بيع دين.
ويرصد المحللون أن دبي قد تزايدت أهميتها في مجال إدارة الأصول، وهو ما أدي إلى فقدان جنيف الكثير من رونقها نتيجة للقواعد الضريبية الصارمة التي فرضها الإتحاد الأوروبي مؤخرا، وهو ما جعل من الصعوبة تجنب الضرائب في دول الأفشور كسويسرا.
ويلفت المراقبون الانتباه إلى أن انطلاق دبي كقاعدة لإدارة الأصول جاء في توقيت مثالي، بالنظر إلى تضافر العديد من العوامل والظروف التي تجعل أصحاب الثروات العربية ينظرون إليها على أنها المنصة المثالية لإدارة أموالهم.
ملء الفراغة
فمن جانب، ملأ مركز دبي المالي العالمي وبورصته الدولية فراغا عاني منه أصحاب الثروات العربية لعقود، وهو غياب وجود مركز مالي عربي يضع ضمن أولوياته خدمات إدارة الأصول والثروات، وهو ما جعل بوصلتهم تتجه تلقائيا إلى عواصم المال في الغرب، وذلك رغم الجدل المثار دوما حول ما درجت الأدبيات العربية على توصيفه «بالأموال العربية المهاجرة» .
وعجت هذه الأدبيات بالمقولات التي تزج بأصحاب هذه الثروات في قفص الاتهام، الأمر الذي رسخ القناعة لدي هؤلاء بأن إدارة ثرواتهم بعيدا عن هذه الأرض المترامية الإطراف، هو الضمان لشعورهم بالاطمئنان على أموالهم،وهكذا ظهرت فكرة توطين رؤوس الأموال العربية على إنها مجرد خيال محض لا تمت للواقع العملي بأية صلة.
ورغم تباين التقديرات بالنسبة لحجم الأموال العربية المهاجرة والتي تتراوح بين 800 مليار دولار أميركي إلى 3 تريليونات دولار أميركي،إلا أن الأهمية الكبرى لمثل هذه الأموال تكمن في حاجة الدول العربية إليها لتمويل المشروعات التنموية في الدول العربية التي يعول عليها كثيراً في دفع عجلة التنمية في العالم العربي الذي يعاني من نقص شديد في معدلات الاستثمار.
وما يرتبط بها من مضاعفات تؤثر سلبا على الخدمات العامة كالتعليم وصحة فضلا عن النقص الحاد في مشروعات التي من شأنها أن تساعد في محاربة آفاتي البطالة والفقر.
وتتركز الأموال العربية المهاجرة جغرافياً في الولايات المتحدة الأميركية بنسبة 70% وتتوزع النسبة الباقية وهي 30% على كل من الأسواق الأوروبية (خاصة لندن وجنيف) والأسواق الآسيوية.
ولكن جرت في السنوات الأخيرة الكثير من المياه صبت في نهاية المطاف لصالح دعم مركز دبي العالمي وبورصته العالمية كقاعدة لإدارة الأصول، سواء من ناحية جذب البنوك والمؤسسات المالية الضخمة المعنية بهذا الأمر للاستفادة من الحجم الضخم للسيولة النقدية التي صارت المنطقة تزخر بها نتيجة للطفرة البترودولارية الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط، أو من ناحية تطلع أصحاب الثروات إلى مركز دبي المالي الدولي وبورصته العالمية كمنصة مثالية وآمنة لإدارة ثرواتهم،تتوفر فيها الحلول والخدمات التي تكفل كفاءة إدارة ثرواتهم.
العوائد النفطية
وعند الطرف الأول من المعادلة، وهو انجذاب المؤسسات المالية لمركز دبي المالي العالمي وبورصته الدولية،كمقر لانطلاق عملياتهم وأنشطتهم في مجال استقطاب أصحاب الثروات، ويبرز هنا حالة السيولة النقدية التي صارت تزخر بها المنطقة نتيجة لارتفاع العوائد النفطية.
وفقا لتقرير مؤسسة التمويل الدولية، من المحتمل أن يزداد الانتعاش والرخاء الاقتصاديين في منطقة الخليج، بفضل قوة العائدات النفطية التي من المرجح أن تصل إلى 300 مليار دولا في عام 2006، وساهمت الدخول الضخمة التي تحققت في ظل أسعار نفط تجاوزت 60 دولارا للبرميل في ازدهار قطاع البناء والتشييد، وتحقيق أسواق الأسهم معدلات نمو صاروخية.
وأشار التقرير إلى أن المستثمرين الخليجيين الذين اعتادوا على الاستثمار في أسواق الأسهم الأميركية، قد حولوا بوصلتهم الاستثمارية إلى أسواق الأسهم الخليجية، تحت وطأة المشاعر المعادية للعرب في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
وعزز هذا التوجه طرح مشروعات بمليارات الدولار لامتصاص الوفرة المالية، حيث تزيد قيمة المشروعات في مجال البناء على 120 مليار دولار.
وقدر التقرير إن العوائد النفطية التي بلغت 61 مليار دولار في عام 1998 من المتوقع لها أن تصل إلى 291 مليار دولار في عام 2005 و305 مليارات دولار في عام 2006.
كما أنه من المتوقع أن يصعد الناتج المحلي بنسبة 25 % في عام 2005، وينمو الفائض التجاري لدول مجلس التعاون الخليجي بنسبة 40 %، ومن المتوقع أيضا أن ترتفع قيمة الصادرات التي تتألف أساسا من الغاز والنفط إلى 416 مليار دولار وهو ما يوازي مجموع الصادرات لكل من البرازيل وروسيا والهند.وفي السياق ذاته، من المتوقع أن تنمو فوائض الموازنات الحكومية لتصل إلى 21 % من الناتج المحلي الإجمالي.
وورد في تقرير لصحيفة «فاينانشيال تايمز» إنه خلال الفترة من نهاية 2001 حتى النصف الأول من العام الماضي حصلت الدول الأعضاء في منظمة الدول المصدِّرة للبترول (الأوبك) على 1021 مليار دولار من عائدات البترول، وفق إحصاءات المنظمة ووزارة الطاقة الأميركية.
وأنفقت هذه الدول 88% من هذه الأموال على الواردات، وهذا تغيير كبير، مقارنة بالفترة من 1973 و1981، عندما أنفقت هذه الدول 52% من عائدات البترول على الواردات. الآن تحاول دول الأوبك، التي زاد عدد سكانها وتطورت بنيتها التحتية، أن تنفق عائدات البترول في الداخل بدلاً من ادخارها في الخارج.
لكن أين ذهبت الكمية الباقية من دولارات البترول التي تبلغ 125 مليار دولار؟ لقد ذهب 10 مليارات دولار فقط للاستثمار في السندات الأميركية، حسب الأرقام الرسمية لكن هناك بيانات أخرى تفيد بأن 25 مليار دولار أخرى تم استثمارها في الأوراق المالية الأميركية من أسهم وسندات الشركات وسندات الدين الحكومية.
وقال بنك التسويات الدولي إن ودائع دول الأوبك في البنوك الدولية ارتفعت بنسبة 67 مليار دولار منذ نهاية عام 2001، وهكذا يتبقى 23 مليار دولار قد تكون اتجهت إلى أماكن مثل دبي أو سندات أميركية غير حكومية أو في استثمارات خارجية مباشرة.
وتدفقت بعض البترودولارات على سندات الخزانة الأميركية بشكل غير مباشر عن طريق مؤسسات في لندن، فقد ارتفعت الاستثمارات في بريطانيا بمقدار 142 مليار دولار، أي ما يعادل الاستثمارات في الأصول العينية. وحتى الآن، من الصعب القول إن بترودولارات دول الأوبك قد دخلت في الأسواق المالية العالمية. وتصل استثمارات دول الأوبك إلى 3% من سندات الخزانة الأميركية و2% القواعد الادخارية في البنوك العالمية.
والمتوقع أن يصل دخل دول الأوبك في العام الحالي إلى ضعف مستويات دخولها في عام 2004، واقتصادات هذه الدول ملتهبة النمو، وليس من المعروف بالتحديد إلى أين ستتجه هذه الدولارات من عائدات البترول.
مؤسسات مالية سبع نجوم
ونظره سريعة على أسماء المؤسسات المالية الدولية التي حصلت على تراخيص بالعمل في المركز، يتأكد المرء أن هذه المؤسسات تشاطر المركز رؤيته حول تحويل دبي لمركز مالي عالمي وكقاعدة لإدارة الأصول والثروات.
فقد حصل بنك «ميريل لينش» (سويس) المملوك بالكامل لشركة «ميريل لينش» العالمية ترخيصاً لمزاولة نشاطه.ويعمل البنك من خلال شبكة واسعة من المكاتب تغطي 36 دولة حول العالم وتدير أصولاً تصل قيمتها إلى 6,1 تريليون دولار، ويعتبر اختيار «ميريل لينش» لمركز دبي المالي العالمي لاحتضان مقرها الإقليمي حدثاً بالغ الأهمية بالنسبة للمركز، نظراً لتعدد الشركات التابعة لها واتساع رقعة نشاطها على مستوى العالم.
كما حصلت شركة «بيرمال» التي تعد من إبرز مديري صناديق التحوط في العالم على ترخيص بالعمل في مركز دبي المالي، وتعمل «بيرمال» منذ أكثر من ثلاثين عاماً في مجال صناديق التحوط، وتمتلك مكاتب في كل من نيويورك لندن وسنغافورة.
وتدير المجموعة 20 مليار دولار وتعتبر إحدى المجموعات الرئيسية والأكبر في مجال صناديق التحوط متعددة المدراء.وفي هذا السياق فإن تواجد بيرمال في مركز دبي المالي العالمي سيتيح لها بأن نكون أكثر قرباً من أسواق الشرق الأوسط،.
كذلك حصلت مؤسسة (فرانكلين تيمبلتون إنفستمنت مانجمنت ليمتد» الاستثمارية البارزة على ترخيص بالعمل في مركز دبي المالي العالمي، لتنضم بذلك إلى نخبة متنامية من المؤسسات المالية العالمية التي حصلت على تراخيص بالعمل في المركز.
ويكتسب إصدار الترخيص أهمية خاصة، ليس فقط لأنها مؤسسة استثمار دولية بارزة تابعة لإحدى أكبر شركات إدارة الموجودات المالية في العالم، وإنما أيضاً لأنه أول ترخيص أصدره المركز لمؤسسة أميركية، الأمر الذي جسد توجه المركز لاستقطاب أبرز المؤسسات المالية من مختلف أرجاء العالم للعمل انطلاقاً منه).
وتشتهر «فرانكلين تيمبلتون إنفستمنت مانجمنت ليمتد» التابعة لمؤسسة «فرانكلين ريسورسز» التي تعد من أكبر شركات إدارة الموجودات المالية في العالم، بكونها تقدم حلول إدارة استثمارات دولية ومحلية. وتتخصص الشركة بتوفير تشكيلة واسعة من الصناديق الاستثمارية، وصناديق الاستثمار والتوفير الخاصة بالتقاعد إلى جانب توفير حسابات منفصلة تخدم قطاعات البيع بالتجزئة، العملاء المؤسسيين والأثرياء.
وهناك الكثير من الدلائل والمؤشرات التي تبين تزايد اهتمام المؤسسات المالية سواء الوطنية أو الدولية باتخاذ دبي مقرا لإدارة الأصول والثروات، إذ شكل بنك دبي الوطني في لندن لجنة من الخبراء الخارجيين المطلعين على حاجات المستثمرين من الشرق الأوسط وتوفير المشورة لهم في حيازة وتمويل وملكية الاستثمارات العقارية التجارية في لندن.
وفي السياق ذاته، قال فرانسوا دوبييس مدير العمليات المصرفية الخاصة في بنك «بي ان بي باريبا» الفرنسي أن بنك باريبا يتطلع إلى مضاعفة حجم الثروات الخاصة التي يديرها البنك لصالح مستثمرين في الخليج من 5 مليارات إلى 10 مليارات بحلول 2008. حيث بدأت وحدات البنوك الخاصة التابعة للبنك عملياتها في فروعنا الموجودة بالفعل في المنطقة.
ولهذا بدأت وحدات البنوك الخاصة التابعة للبنك عملياتها في فروعنا المتواجدة بالفعل في المنطقة، في الوقت الذي ينتقل فيه كبار موظفينا للعمل في هذه الفروع وذلك في مسعى منا لتعزيز نشاطاتنا.
واستدرك موضحا أن الفترة المقبلة ستشهد تواجد أكثر من 45 من خبراء «بي.إن.بي باريبا» لتوفير خدمات إدارة الثروات للنخبة من العملاء. إضافة إلى أن البنك يهدف إلى توثيق صلاته وعلاقاته بعملائه المحليين وذلك من خلال فروعه في منطقة الشرق الأوسط.
وتشير التقديرات إلى أن 60 % من الشركات والمؤسسات التي أعربت عن اهتمامها باتخاذ المركز مقرا لعملياتها وأنشطتها تنتمي إلى فئة الشركات التي تدير الأصول.
أما على الطرف الآخر للمعادلة والمتعلق بتطلع أصحاب الثروات إلى مركز دبي المالي العالمي وبورصته الدولية كمنصة مثالية لإدارة استثماراتهم، فقد ساهم في هذا الأمر جملة من العوامل والمتغيرات والتي يبرز في مقدمتها، حالة القلق التي انتابت أصحاب الثروات العربية من تواجد ثرواتهم في عواصم الدول الغربية، وذلك في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حيث صار المستثمرون الخليجيون يفضلون الآن الاستثمار محلياً داخل بلدانهم.
وقد تعززت مكانة مركز دبي العالمي وبورصته العالمية من واقع إدراك القائمون علية التغييرات التي طرأت على عقلية المستثمرين وأصحاب الثروات العربية، حيث أنهم صاروا أكثر اهتماما بالانخراط في مجالات استثمارية غير تلك التي اعتادوا عليها في الماضي كأسواق العقارات والسندات.
وبالتالي أكثر اهتماما بتنويع محافظهم الاستثمارية بامتلاك فئات أصول متنوعة سواء من حيث نوعها أو من حيث درجات المخاطر، وهو ما يفترض أن تكون هناك قاعدة لإدارة الأصول تتيح لأصحاب الثروات منتجات استثمارية متنوعة.
وفي التوقيت ذاته، تتمتع بدرجة سيولة نقدية عالية. وهنا يكمن،سر نجاح مركز دبي المالي العالمي، بحيث صار في الإمكان القول بأن دبي بدأت في سحب البساط من تحت أقدام العواصم الغربية كمركز لإدارة الأصول.
دبي ـ مجدي عبيد
