انتهى المخرج اللبناني إيلي خليفة من تصوير فيلمه الروائي الطويل الأول «يا نوسك» (عنوان مؤقّت)، علماً أنه سيُنهي عملياته الفنية كلّها في خلال الأشهر القليلة المقبلة، على أن يُصبح الفيلم جاهزاً للعرض السينمائي في المهرجانات والصالات التجارية في مطلع العام المقبل. وتأتي هذه التجربة السينمائية الجديدة لخليفة بعد ثلاثة أفلام روائية قصيرة له، هي: «تاكسي سرفيس» )6991( و«مرسي ناتكس» 8991 و«فان إكسبرس» 4002.

وقبل فيلمه الأخير هذا، انتظر المهتمّون بالسينما اللبنانية فيلماً طويلاً لخليفة، لكنه فاجأهم بثالث قصير: «استطعت إنجاز «فان إكسبرس» لأنه من دون تمويل أو إنتاج لبناني أو عربي أو أجنبي»، كما يقول موضحا أنه تعاون مع أصدقاء له عملوا في التمثيل والفريق الفني والتقني، ويشير إلى أنه صوّره بنفسه «كي أختبر تجربة التصوير بحدّ ذاتها، وكي أتبيّن مدى إمكانية تصوير مشروعي الروائي الطويل بهذه الطريقة.

أردت اختبار آلية العمل ومعرفة النتائج. حملت آلة التصوير، ولم أستخدم أية إضاءة ولم أجلس أمام شاشة الـ «مونيتر». «فان إكسبرس» مهم جداً بالنسبة إليّ، لأني أمضيت أعواماً طويلة من دون أن أنجز فيلماً واحداً، ولأنه أتاح لي فرصة التجريب، تقنياً وفنياً. حقّقت قبله فيلمين قصيرين بإنتاج سويسري وألماني ولبناني مشترك. بفضل هذا الإنتاج، تعاونت مع مدير تصوير وثلاثة أو أربعة مساعدين. هذا أمر يختلف تماماً عن مسألة أن أعمل لوحدي، كما في «فان إكسبرس»، إذ حملت كاميرا «ميني دي في» وصوّرت مشاهد الفيلم من دون أي مساعدة مباشرة تقريباً. أما في «يا نوسك»، فتعاونت مع مديرة تصوير (راشيل عون) ومصوّر سينمائي (طلال خوري)».

يروي «يا نوسك» حكاية شاب سويسري جاء إلى بيروت محمّلاً بأفكار مسبقة عن المرأة الشرقية المثالية، فإذا به يغوص في تحوّلات المجتمع وتقلّباته وهواجس أبنائه، وذلك بأسلوب بصري يمزج الفكاهة بالواقع الاجتماعي المرير، ويصنع من اللحظات المضحكة مدخلاً جميلاً إلى ما يعتمل في أعماق هذا الواقع من ألم وبؤس. لكن الفيلم لن يكون درامياً، بل كوميدياً مسلّياً، كما يقول إيلي خليفة، مضيفاً أن هناك فكرتين أساسيتين شغلتا باله وأدّتا به إلى تحقيق هذا الفيلم: «أولاً، هناك أفلام أوروبية عدّة تتناول العرب المقيمين على أراضيها، كالمغاربة والجزائريين في فرنسا واللبنانيين في السويد، مثلاً.

أردت أن أقلب المسألة، فأنجزت فيلماً عن شاب أوروبي يقيم في لبنان. أردتُ أن أكشف من خلال هذا الشاب الغربي مشاكله ومشاكل المجتمع اللبناني الشرقي، محاولاً إدخال هاتين الثقافتين بعضهما ببعض. هذا كلّه، في إطار فيلم طريف ومسلّ. ثانياً، أردتُ أن أنجز فيلماً نابعاً من مناخ البحر الأبيض المتوسّط، بدل أن يكون فيلماً لبنانياً فقط، وأن يكون فيلماً كوميدياً فعلياً، له طابع متوسطي. لكني لم أختر ممثلاً فرنسياً، بل ألماني يؤدّي دور رجل سويسري يأتي إلى بيروت ليقيم فيها.

بهذا المعنى، فإن حوارات الفيلم مكتوبة باللغتين الإنجليزية والعربية، وهذا ما يدفع بالفيلم إلى أن يكون عالمياً على مستوى اللغة أيضاً. أردته فيلماً مضحكاً وطريفاً، شرط أن تكون الكوميديا فيه «كوميديا موقف». هكذا تكوّنت لديّ فكرة تحقيق فيلم عن شاب سويسري يعمل في بيروت ويعاني مشاكل عدّة مع الفتيات اللواتي يلتقيهنّ. جاء إلى لبنان بحثاً عن الحبّ والمرأة الشرقية المثالية، لأنه لم يعثر على هذا الحبّ وتلك المرأة في بلده. اختار لبنان، وجاء للعمل فيه، ولكي يتعرّف على الفتاة الشرقية المرسومة في ذهنه، والتي ترمز إلى الوفاء والحب الأبدي. ما يُضحك في الفيلم، أنه سيلتقي فتيات مختلفات يعانين أزمات الحياة اليومية ومشاكلها، فيستخدمنه «فشّة خلق»، خصوصاً أن كل واحدة منهنّ لديها قصّة أو مأزق أو مشكلة».

تعاون إيلي خليفة، لتحقيق جديده هذا، مع فريق عمل مؤلّف من أحد عشر شخصاً فقط، وأنهى تصوير المشروع في عشرين يوما. ويُفترض بمدّة الفيلم أن تبلغ تسعين دقيقة: «صوّرته بتقنية جديدة متطوّرة عن تقنية «HD»، وهي ليست كاميرا كبيرة بل صغيرة. أجريت اختباراً: اخترت ثلاث دقائق من الفيلم وحوّلتها إلى نسخة 35 ملم، فكانت النتيجة جيّدة للغاية. ألكسندر مونييه اهتمّ بالجوانب التقنية كلّها، في حين أن عمليات التحميض والنفخ وما شابه ذلك ستتمّ في سويسرا».

أضاف خليفة: «كل العاملين في الفيلم قدّموا دعماً لا مثيل له لإنجاح المشروع. تخلّوا عن جزء كبير من رواتبهم. أبدوا حماسة كبيرة في العمل. لم يتردّدوا عن تصوير لقطات تخطر على بالي أثناء الاستراحة، غير مكتوبة في السيناريو. والمفارقة الجميلة، أن معظم العاملين معي وجدوا أنفسهم في وظائف متفرّقة هي الأولى لهم: الممثل الرئيسي سيغفريد تربوورتن يؤدّي دوراً أول للمرّة الأولى في حياته، مديرة التصوير راشيل عون استلمت هذا المنصب للمرّة الأولى أيضاً، بعد أن عملت مساعدة ثانية في أكثر من مشروع، وأيضاً المصوّر السينمائي طلال خوري، الذي اشتغل لفترة كمساعد مصوّر (كما في «باب الشمس» ليسري نصر الله)».

من ناحية أخرى، اختار إيلي خليفة عدداً من الممثلين التلفزيونيين المعروفين، وآخرين جاءوا من تجارب فنية مختلفة (زينة دكّاش، يوسف فخري، آماليا أبي صالح، جورج دياب، أنطوان نادر، ختام اللحام، نيكول كاماتو، ريتا إبراهيم، ألكسندرا قهوجي، جورج قاصوف، حسين مقدم، طارق يعقوب، نبيلة عساف): «اخترت هؤلاء جميعهم لأنهم يتلاءمون والأدوار التي كتبتها.

ثم إن الفيلم قريبٌ جداً من الواقع، لذا، ستشعر في بعض الأحيان أن ما تراه على الشاشة ليس تمثيلاً بل حقيقة. بعض هؤلاء الممثلين لا يمثّل بل يُقدّم نفسه تماماً، كما هو في حياته اليومية. مثلٌ آخر: هناك دور لمغنية شابة، على غرار أولئك المغنيات الشابات اللواتي يتكاثرن في لبنان حالياً. لم أختر ممثلة لتأدية هذا الدور، بل تعاونت مع المغنية الشابة دانا، التي قدّمت نفسها كما هي في الواقع».

يسعى إيلي خليفة إلى التمايز عن زملائه السينمائيين، الذين اختاروا مرارة الواقع الإنساني اللبناني، وأنجزوا أفلاماً بلغة درامية لا تختلف عن درامية الحياة اليومية. أراد، ببساطة، أن يستكمل عالمه السينمائي الذي بدأه بأفلامه القصيرة: استخدام أسلوب النكتة الجميلة والسخرية المرّة والضحكة الأليفة: «أردت أن أصوّر مدينة غارقة في التفاؤل والناس فيها «مشرقطين» أو مجانين بالمعنى الإيجابي للكلمة. لا يعني هذا أني أتغاضى كلّياً عن المشاكل الاجتماعية التي يعانيها اللبنانيون، بل على العكس من ذلك تماماً: كل واحدة من شخصيات الفيلم تعاني أزمة أو مشكلة. لكني لم أنجز فيلماً درامياً قاسياً، بل أردته كوميدياً».

بيروت ـ نديم جرجوره: