كما كان متوقعا خلال العام 2006 فإن شركات التأمين أو تلك الشركات التي تستثمر أكثر في أسواق الأسهم عانت من تراجع كبير في أرباحها مع تراجع أسواق المال نفسها مقارنة بعام 2005 الذي كان استثنائيا وقياسيا على جميع المستويات دفعت بأرباح بعض الشركات لأن تقفز الى 300 بالمئة.
التراجع الكبير في أرباح شركات التأمين خلال هذا العام قد لا يشكل تأثيرا كبيرا على الاقتصاد الوطني عموما لكن تأثيره سيكون اكبر على تلك الشركات التي استثمرت مبالغ كبيرة في أسواق الأسهم وبعضها حصل على تسهيلات كبيرة من البنوك وهي سيولة ما زالت مجمدة كما يؤكد بعض الخبراء لا تستطيع هذه الشركات التصرف فيها أو بيعها بسبب الانخفاض الكبير الذي ظهر كثيرا على شاشات أسواق الأسهم هذا العام.
وبلا شك فإن هذا التراجع كما يقول البعض هو تصحيح مؤلم وعودة الأمور الى نصابها بعد عام 2005 الذي لن يتكرر وفق بعض الآراء حين ارتفعت أسهم شركات أضعافا كثيرة عن مستوياتها وحققت الشركات أرباحا خيالية ومن هنا فإن ما يحدث في السوق اليوم هو رد فعل طبيعي لما حدث خلال العام الماضي وقد تستمر الموجة حتى نهاية العام الجاري وربما العام المقبل.
ويقول المحلل المالي زياد الدباس ان قطاع التأمين هو الأكثر خسارة بين مختلف القطاعات هذا العام بسبب تأثره الشديد بأسعار الأسهم والتركيز الكبير للشركات في هذا المجال.
وأضاف ان الكثير من شركات التأمين الوطنية تتمتع بسيولة عالية وهناك شركات تستثمر أموالها في أكثر من قطاع اقتصادي وهذه الشركات قد لا تتأثر أرباحها خلال هذا العام فهي تنوع من استثماراتها في المحافظ والعقار وغيرها من أوجه الاستثمار ومن هنا فإن أرباحها قد تنمو بعكس تلك الشركات التي ركزت استثماراتها في أسواق المال فهي حتما ستتأثر كثيرا مع تراجع أسعار الأسهم وقد تؤثر على خططها في النمو والتوسع.
وأضاف ان أرباح شركات التأمين تسير على قدمين عادة هما الجانب الفني أو الأرباح الفنية وهي تلك المحصلة من النشاطات التأمينية والجانب الآخر هو الأرباح الاستثمارية من أسهم وعقار وسندات وغيرها وقد نشطت شركات التأمين كثيرا في مجال الأسهم وبعضها وضع جزءا كبيرا من سيولته في هذه الأسواق .
وبالتالي حققت هذه الشركات خلال الأعوام الماضية خصوصا في 2005 أرباحا كبيرة فاقت التوقعات لكن أرباحها التشغيلية لم ترق الى المستوى المطلوب وقد لا تتجاوز 10 بالمئة من أرباحها الإجمالية خصوصا ان معظم أموالها موظفة في أسواق المال.
ويشير الدباس الى التأثير المتوقع لهذا التراجع سيكون على توسع ونمو تلك الشركات في أنشطتها التأمينية وأعمالها وبرامجها التأمينية خصوصا تلك الشركات التي وظفت جزءا كبيرا من أموالها في أسواق الأسهم وبالتالي فإنه من الطبيعي ان تتراجع أرباح تلك الشركات وقد تحقق خسائر فعلية ستنعكس على نتائجها المالية بشكل عام.
واستبعد الدباس أي تأثيرات على الاقتصاد الوطني جراء هذا التراجع في شركات التأمين موضحا ان هناك شركات تتمتع بحجم سيولة كبيرة ولديها احتياطيات فنية عالية تمكنها من الاستمرار في أعمالها الفنية وتوسعاتها بل ان بعضها حقق نموا في الأرباح خلال الشهور الماضية من العام.
ويقول عمر حسن الأمين مدير عام شركة المشرق العربي للتأمين ان التراجع في أرباح شركات التأمين خصوصا تلك التي تستثمر في أسواق المال سينعكس في صورة منافسة شديدة على أسعار التأمين ذلك ان بعض الشركات الخاسرة في أسواق المال ستواجه نقصا في حجم السيولة لديها وقد تلجأ الى تقديم أسعار تحطيمية لمنتجات التأمين خصوصا تلك التي حصلت على تسهيلات كبيرة من البنوك.
وأضاف ان بعض شركات التأمين وكما يظهر في سجلات أسواق المال حصل على مبالغ تزيد ثلاثة أضعاف عن رأس مال الشركة وتاجرت أو ضاربت بالأسهم التي عانت هذا العام من تراجع كبير اثر على ربحية هذه الشركات.
وقد يضع بعضها في موقف الإفلاس. هناك سيولة مجمدة لهذه الشركات في أسواق الأسهم لا تستطيع بيعها بسبب انخفاض الأسعار ومن هنا فقد تؤثر على التزاماتها في السوق وقد يلجا بعضها الى تقديم أسعار لمنتجات تأمينية تصل الى مستويات منخفضة أو تحطيمية.
وأوضح ان ما جرى هذا العام في أسواق الأسهم هو ارتداد طبيعي وعودة التوازن الى أسواق المال خصوصا بعد عام 2005 وما قبله حيث نشطت المضاربات الكثيرة وحققت شركات أرباحا استثمارية هائلة زادت بـ 20 ضعفا وهي ظاهرة غير طبيعية في جميع أسواق العالم. الأسواق المالية تعود حاليا الى أوضاعها الطبيعية والتصحيح المؤلم سيستمر الى نهاية العام وربما العام المقبل.
وقال ان الاقتصاد الوطني لن يتأثر بتراجع أرباح شركات التأمين وهناك الكثير من القطاعات الاقتصادية التي حققت نموا بارزا.
وأضاف: العام الجاري 2006 كان بداية لعودة الأمور الى طبيعتها الى أسواق المال .
وهو ليس بالأمر المقلق بقدر ما هي إعادة التوازن الى السوق موضحا ان النشاط الاستثماري لشركات التأمين بجب ان يصاحبه نشاط مماثل في أعمال التأمين إذ ان شركات التأمين ليست محافظ استثمارية و الأرباح المتأتية من العمل الفني لهذه الشركات أكثر ديمومة مقارنة مع تلك المتأتية من الأنشطة الاستثمارية التي تكون دوما معرضة للتراجع وهي من طبيعة عمل السوق وعموما فإن الأرباح الاستثمارية تحمل في طبيعتها مخاطر على الشركات الانتباه لها دوما.
البعض يؤكد ان نتائج هذا العام ستدفع شركات التأمين الى ان تعيد حساباتها وتلجأ الى تنويع هذا الاستثمار بدلا من التركيز في أسواق المال الذي ألحق بها خسائر كبيرة والشركات مطالبة أيضا بمزيد من البرامج التأمينية والخدمات النوعية المبتكرة فهو مجال عملها الرئيس وسوق التأمين في الدولة سوق واعد ويتوقع نموا كبيرا في حجم الأقساط التأمينية يتراوح بين 12 الى 18 بالمئة خلال السنوات المقبلة وسط فورة القطاع العقاري واتساع النشاط العمراني .
ونمو حركة التصدير ودخول منتجات جديدة لقطاع التأمين إضافة الى النمو الديمغرافي ومن هنا فإن الشركات وخصوصا الوطنية منها مطالب بتعزيز بنيتها اللوجستية وأنظمتها الداخلية وجاهزيتها استعدادا للتحديات المقبلة.
وتطالب البعض شركات التأمين بأخذ زمام المبادرة في طرح المنتجات الجديدة مع تنامي سوق التأمين والذي يتوقع ان يتجاوز حجمه خلال السنوات العشر المقبلة 40 مليار دولار في المنطقة العربية مقارنة مع 8 مليارات حاليا .
مما يفرض على الشركات الوطنية المزيد من الجهود وطرح منتجات وخدمات تأمينية جديدة ومتطورة حتى تستطيع المنافسة مع الشركات الأجنبية بعد ان سمح لهذه الأخيرة بفتح فروع لها في الدولة إضافة الى ان اتفاقية التجارة المرتقبة مع الولايات المتحدة باتت على الأبواب الأمر الذي يتطلب وجود كيانات تأمينية كبرى للتعامل مع هذه المتغيرات وطرق أبواب جديدة في هذا القطاع المتنامي.
وتعمل في سوق الإمارات اليوم أكثر من 50 شركة تأمين وإعادة تأمين إلا ان الشركات ووفق رأي احد العاملين في القطاع مازالت تركز على العنصر السعري وتحقيق أرباح سريعة دون تقديم منتجات مبتكرة أو نوعية في ظل غياب الاستراتيجيات المستقبلية لدى عدد منها للتعامل مع المتغيرات الاقتصادية المتلاحقة ومنها بالطبع ثورة العقار في دبي ووجود مشاريع ضخمة تتطلب شركات تأمين قوية قادرة على التعامل مع هذه المتغيرات.
هناك مجالات عمل كبيرة تنتظر شركات التأمين ومنها التأمينات الشخصية وهي مسؤولية الشركات بتعزيز الوعي التأميني في هذا المجال إذ ان التأمينات الشخصية في العالم تشكل 60 بالمئة من حجم أقساط التأمين في حين لا تتجاوز في المنطقة العربية 2 الى 3 بالمئة برغم وجود أكثر من 350 شركة تعمل في الأسواق العربية.
لكن السؤال يبقى هل تستفيد شركات التأمين مما حدث هذا العام وتركز أكثر على الجانب الفني وهو مجال عملها؟ وهل تبادر هذه الشركات بتعزيز بنيتها التحتية وكوادرها الفنية والبشرية لمواجهة التحديات المقبلة في القطاع وأهمها استحقاقات اتفاقيات التجارة العالمية ودخول كبرى الشركات العالمية الى هذا السوق؟ سؤال قد تجيب عنه السنوات المقبلة.
يذكر ان 22 شركة تأمين مدرجة في أسواق المال المحلية حققت خلال العام 2005 أرباحا صافية بلغت 5 ,3 مليارات درهم فيما تجاوزت حقوق مساهميها مبلغ 12 مليار درهم . وحقق هذه الشركات تلك بسبب المحافظ الكبيرة والأنشطة الاستثمارية التي ما زالت تستأثر بأكثر من 80 بالمئة من أرباحها.
دبي ـ علي الصمادي