المتابع لبرنامج الخصخصة المصري منذ بدايته مطلع تسعينات القرن الماضي يجد أن صفقات بيع البنوك هي الأكثر جدلا خاصة مع تسارع وتيرة بيع البنوك المصرية سواء المشتركة أو الصغيرة في السنوات الأخيرة وأخيراً بنك الإسكندرية، حيث ذهب الكثيرون إلى أن اغلب هذه الصفقات بيعت بأقل من أسعارها العادلة بفوارق كبيرة.
ويرى محللون أن الحكومة المصرية تستحق الثناء في العديد من الصفقات والتي تمت بنجاح خلال هذه الفترة منها صفقة بيع الشركة المصرية للأسمدة التي اشترتها مجموعة القلعة الاستثمارية بقيمة تجاوزت 9 ,738 مليون دولار بما يزيد على 3, 4 مليارات جنيه مصري، كما تستحق التصفيق في صفقة المحمول الثالثة والتي بلغت 9 ,2 مليار دولار أو نحو 17 مليار جنيه.
لكنهم يقولون إنه بالنسبة لصفقات البنوك كان الأمر مختلفا وهذا لا يعنى وجود تخاذل من الحكومة في هذه الصفقات ولكن كان لكل حالة طبيعتها وظروفها الخاصة سواء في صفقات بيع حصص الحكومة في بنك مصر الدولي أو البنك الأهلي سوستيه جنرال أو في البنك التجاري الدولي-مصر أو في البنك المصري الأميركي وكلها ثار حولها جدلا واسعا خاصة فيما يتعلق بقيمتها.
ويقول أحد المحللين لا يمكن إغفال نجاحات الحكومة المصرية في صفقات أيضاً داخل القطاع المصرفي خاصة في خصخصة البنوك الصغيرة مثل بنك الدلتا الدولي الذي اقتربت قيمته من مليار جنيه واشترته مجموعة خليجية من بنوك الأهلي القطري والكويت الشرق الأقصى والأهلي المتحد البحريني وعدد من الشركات الكويتية إضافة إلى صفقة بنك القاهرة الشرق الأقصى الذي تجاوزت قيمتها نصف مليار جنيه واشتراه بنك عودة اللبناني .
وكذلك بنك الإسكندرية التجاري والبحري الذي اشتراه بنك الاتحاد الإماراتي بقية تعادل مرتين ونصف المرة لقيمته الاسمية ونفس الحال بالنسبة للبنك المصري التجاري الذي اشتراه بنك بيريوس اليونانى. ولم يمر سوى 3 شهور تقريبا على هدوء الجدل الواسع بشأن صفقة بيع البنك المصري الأميركي.
والذي اشتراه بنك كاليون الفرنسي هذا الجدل الذي امتد إلى البرلمان المصري وحتى إلى ساحات المحاكم اعتراضا على الصفقة بسبب رؤية البعض أنها تمت بثمن بخس بما يمثل إهداراً للمال العام خاصة أن وزيرين حاليين يوجدان في هيكل ملكية البنك المشترى.
وعاد هذه الأيام الجدل من جديد إلى الأوساط المصرفية المصرية وان بدا حتى الآن جدلا متحفظا متراجعا أمام الأصوات التي تصفق للحكومة في صفقة بيع بنك الإسكندرية والتي فاز بها بنك سان باولو الايطالي بقيمة إجمالية تجاوزت 1 ,2 مليار دولار فيما تعادل الحصة التي اشتراها البنك الايطالي والتي تقدر بنحو 80% بما يزيد على 6 ,1 مليار دولار.
ويأتي الجدل حول صفقة بيع بنك الإسكندرية بين مصفق للحكومة ومعارض لقيمة الصفقة نظرا للمبالغ الضخمة التي صرفتها الحكومة المصرية على إعادة هيكلة البنك لتهيئته للخصخصة تلك المبالغ التي وصلت إلى أكثر من 10 مليارات جنيه .
وهى القيمة التي تقل بنحو 2 ,1 مليار جنيه فقط من حصيلة بيع إجمالي البنك وهو ما يعني أن البنك بيع بثمن بخس خاصة أن التوقعات كانت تذهب إلى أن قيمة الصفقة ربما تتراوح ما بين 15 -20 مليار جنيه.
يقول راضي عبد الباري المحلل المصرفي إن صفقة بيع بنك الإسكندرية تعد من أرخص الصفقات التي شهدها القطاع المصرفي بعد صفقة البنك المصري الأميركي، مشيرا إلى أن الاسم التجاري لبنك الإسكندرية يعادل ربع قيمة مبلغ البيع.
وأضاف أن القول إن البنك بيع بخمسة أضعاف قيمته الدفترية لا يستحق كل هذا التحليل والتصفيق مشيرا إلى أن هناك العديد من وسائل التقييم لم تراع في عملية البيع ومنها حجم الأصول وحجم التدفقات النقدية ومضاعف الربحية مع العلم أن البنك في مرحلة إعادة الهيكلة.
ويبلغ رأسمال بنك الإسكندرية 800 مليون جنيه موزعة على 160 مليون سهم بقيمة اسمية قدرها 5 جنيهات للسهم الواحد وتبلغ إجمالي ميزانية البنك بنهاية العام الماضي 4 ,38 مليار جنيه ويبلغ إجمالي القروض الممنوحة 7 ,16 مليار جنيه وسجل إجمالي استثمارات 2, 17 مليار جنيه وبلغ معدل كفاية رأس المال 1 ,16 في المائة وبلغ إجمالي حقوق المساهمين 5 ,1 مليار جنيه.
ويرى الخبير المصرفي ورئيس مجلس إدارة البنك الوطني المصري السابق أحمد قورة أن مصر خسرت كثيرا في صفقة بيع بنك الإسكندرية خاصة أن البنك تمت إعادة هيكلته بشكل كامل وتم حل جميع مشكلاته وهو ما كان يعني أن بيعه يجب أن يكون بقيمة أعلى من المعلنة والبالغة 6,1 مليار جنيه.
وطالب قورة بضرورة وقف عمليات الاستحواذ التي تقوم بها على البنوك المصرية،معتبرا أن عمليات الاستحواذ هذه تضر بالاقتصاد الوطني وتجعله غير قادر على النهوض نظرا لأنها تتم بأسعار بخسة واقل من تقييماتها الفعلية بما يحقق خسائر على الدولة.
ويرى الخبير الاقتصادي محسن عادل أن البنك بيع بأقل من سعره العادل أو تقييمه الحقيقي هي نظرة من جانب واحد، مشيرا إلى انه يجب النظر بشكل أوسع نطاقا إلى نجاح الصفقة في جذب استثمارات أجنبية جديدة إلى السوق المصرية واستخدام هذه الاستثمارات في عمليات إعادة هيكلة الاقتصاد من خلال ضخ سيولة في مختلف قطاعاته كما فعلت صفقة المحمول الثالثة.
وقال إن القيمة المالية للصفقة تعادل 6 أضعاف القيمة الدفترية لسهم البنك بالرغم من عدم اكتمال عمليات إعادة الهيكلة والإصلاح والمالي التي تقوم بها الحكومة حيث لا يزال يعانى من ضعف معدلات الربحية مقارنة بحجم استثماراته وأصوله.
القاهرة ـ محسن محمود