تعتمد شركات التوزيع السينمائية عادة، على احياء المناسبات والأعياد، لتعرض الأفلام الجديدة كي تحقق أعلى مداخيل ممكنة، من أفلام جيدة وأخرى متدنية تعوض على أصحابها خسائر متوقعة، فيصير الجمهور بهذه الحالة، مخدوعا، ويتحمل نفقات التعويض للخاسرين،. أو على الأقل أنه يدفع ثمن التذكرة ولا يحصل على وجبة بصرية فنية جيدة.

من الأفلام التي تبدأ الصالات المحلية بعرضها منذ اليوم فيلم مارتن سكور سيزي «المغادرون» من بطولة ليورناردو دي كابريو، مات دامون، جاك نيكلسون، مارك والبرغ والسيناريو مقتبس عن فيلم «شؤون جهنمية» الصيني، أخرجه في العام 2002 واي كونغ لاو، وسو فاي ماك الذي تشارك بإعداد السيناريو هنا مع سكور سيزي ووليم موهان سكوت الشهير صاحب سيناريو «مملكة الجنة» من إخراج ريدلي سكوت عرض في العام الماضي، الفيلم الذي يعد من أكثر الأفلام التي أنصفت العرب والمسلمين في تاريخ السينما الغربية، كما أن مومان مكلف بإعداد الجزء الجديد من سلسلة أفلام «الحديقة الجوراسية» الذي سينتج بعد عامين من إخراج جو جوهانسون.

قصة فيلم «المغادرون» تدور حول العصابات الإيرلندية القوية في جنوب مدينة بوسطن الأميركية، حيث يقطن الرأس الكبير لاضخم جماعة تروج المخدرات، فران كوستيللو «الممثل جاك نيكلسون» الذي يخترق الشرطة بجاسوس تابع له «الممثل مات دامون» بشخصية كولين سوليفان، الذي يقابله الشرطي بيلي كوستيغان «ليورناردو دي كابريو» في اختراق مضاد للعصابة، التي تعلم أنها مخترقة لكن لا تعرف من هو المخترق، كما هو حال الشرطة، التي لا تعرف من الذي يقبع في مكاتبها، هذان الأمران يضيفان على الحرب بين الطرفين المزيد من العنف،

وتتسع دائرة الدماء بشكل قوي وبلا هوادة، مع تصاعد درامي يتكئ على سيناريو مأساة، ملحمية، إذا ما قورن بفيلم «شؤون جهنمية» ليبدأ الأول مسليا وطريفا، هذا لا يعني أن العنف مع سكور سيزي مجانيا، بقدر ما هو يؤدي وظيفة في مناخ، أو أنه بنية مناخ الفيلم فيه هذا الصراع الابدي بين «الخير» و «الشر»؛ وأحيانا تبدو لعبة القط والفأر تجري على ايقاع بطيء، لكنه مغناطيسي يسحب هذا وذاك إلى عصب المواجهة والسرعة المحسوبة بضراوة، تتماثل مع ضراوة العنف، لشخصيات لا تتراجع، لا تخف، والروح تسوق الجسد إلى حتفه، من دون ندم، أو التوقف لبرهة، فليس من يفكر في الهرب، فقط التيقظ ضروري والأيادي على «قبضات» المسدسات التي قد تنطلق مع انطلاقة أصوات سيارات الأسعاف.

ليونارديو دي كابريو في تعاونه الثالث مع سكور سيزي، منع مع مات دمون جالك نيكلسون من سرقة الفيلم، فقدما أداء تعبيريا، وأكملا بعضهما بعضا، من دون ان يتقابلا وجها لوجهة، لكنهما استطاعا أن يمررا مساحات، خوفا من «الذئب الشيطاني» نيكلسون الحائز على ثلاث أوسكارات، والذي عمل مع كبار مخرجي هولييوود والعالم أمثال ستانلي كوبريك وايليا كازان، لكنه فهم أكثر من غيره من المخضرمين أنه يوجد بين الممثلين الشباب اليوم من هم سيجلسون قريبا على مقاعد الكبار بجانبه، لأنهم يستحقون، كما أعرب بنفسه عن لقائه بهم، فلم يخف إعجابه، إضافة إلى تقدير خاص للمخرج مارتن سكور سيزي الذي يعمل معه للمرة الأولى.

سيرة ضخمة بلا جوائز

لا يستطيع تاريخ السينما أن يمر مرور الكرام على أعمال مارتن سكور سيزي، ببساطة، أو من دون التوقف عندها، فأفلام مثل «سائق التاكسي» و «الثور الهائج» و «الطيار» و (الأغواء الأخير) و «عصابات نيويورك» أو بعمله الوثائقي «ذا لاست والتذ» «الفالز الأخير» عن فرقة موسيقية مشهورة في ستينات القرن المنصرم، مع أن هذا المخرج الكبير لم يكرم بأوسكار لاي من أعماله الكبيرة. ففي كل دورة أوسكار يحصل شيء ما،

ويستبعد عن حيازة هذا التمثال بوقفته الصارمة، على الدوام أمام سكور سيزي، الذي في اعتقادي شاهد هذا الصارم يبتسم كثيرا لغيره، اقترب منه مراراً حد الالتصاق، لكنه دائما يغير في اللحظات الأخيرة. فهل يحصل عليه الان مع «المغادرون»؟؛ الأوساط النقدية داخل الولايات المتحدة الأميركية بأكثريتها تجمع على هذا العمل كما أجمعت سابقا على أفلامه الكثيرة، لكن الأمنيات لم تتحقق، حتى أن الناقد المعروف لي مارتن وينبرغ في هوليوود ريبورتر قال ساخراً «لا تدعوني أبكي عليكم» قاصدا لجنة منح الأوسكار... «أراخوا بأنفسكم»

مزايا سكور سيزي كثيرة، في أعماله في صنع كوادره في إدارة ممثليه، في الإضافات العميقة على شخصيات المروي. الذين ينتمون إلى قضاياهم بالكامل، ليسوا متطرفين «أغبياء»، لكنهم يتمسكون بمشاريعهم، ولا يحيدون عنها، كما هو هذا المخرج الفذ، المدهش بتقديم حالة تجدد في كل فيلم، وكأن الأسلوب عنده لا يستكين بين فيلم وآخر، على عكس مجايليه من الكبار، الذين كثيرا ما كرروا أساليبهم، من فرانسيس فورد كوبولا إلى غيره، بالطبع ستانلي كوريك يبقى خارج دائرة المقارنة،

وهذا لا يقلل من قيمة سكور سيزي لانه في الأصل يحمل خصوصية قد تكون إلى حد ما بمستوى خصوصية كوبريك، من دون مقارنة بينهما، ليس لانها لا تصح فقط، بل لان كوبريك يمثل عدة اتجاهات في تاريخ السينما، هي أقل عند سكور سيزي، الذي يعبد طريقه إلى الأوسكار هذه المرة بـ «الدماء» التي تجري كالأنهار في فيلم « المغادرون».

دبي ـ حسين قطايا: