لا يخلف صباح فخري موعده مع دبي. صارت زيارته السنوية إلى دولة الإمارات ما يشبه الوعد لعشاق الموشحات الأندلسية والأدوار التراثية والقدود الحلبية، التي يعد هذا الفنان القادم من مدينة حلب سفيرها إلى العرب والعالم بامتياز. وغداً يطل فخري في الليلة الثانية من ليالي العيد، ليلتقي ذواقة الطرب الأصيل خلال أمسية تستضيفها قاعة «الراشدية» الكبرى في فندق «البستان روتانا» ومن المنتظر أن يحتشد فيها أكثر من 900 شخص.
وليس بعيداً عن مكان الحفل، قصدنا ظهيرة أمس جناح الفنان صباح فخري في الفندق ذاته، وكانت الجلسة أليفة ومن دون تكلف، كما لو أننا في بيتنا، وحين بادرناه بالسؤال عن سر إطلالته السنوية في الإمارات، وخصوصاً في المناسبات السعيدة والأعياد، أجابنا على الفور: إنه القدر الجميل الذي يجعلني أزور هذا البلد الطيب، لألتقي جمهور المحبين التواقين دائماً للفن الأصيل واللحن العذب والكلمة المعبرة، مشيراً إلى أن ارتياحه للأمكنة التي اعتاد على الغناء فيها، ولا سيما قاعة «الراشدية»، جعلها أليفة وحميمة بالنسبة إليه، لناحية مساحتها الفسيحة وديكورها البديع المناسبين للغناء، فضلا عن الناس الذين يأتون إليها، وصرت أعرف معظمهم ولو من وجوههم.
* نود أن نعرف رقم هذه الزيارة إلى الإمارات في مسيرتك الفنية، خاصة أن الناس تعودت على حضور حفلاتك هنا منذ زمن طويل؟
- ( يتنهد طويلاً.. وتنفرج أسارير الذاكرة): الأمر يعود إلى حوالى 35 سنة مضت، وكانت المناسبة عظيمة بالفعل، جئنا من سوريا، كما جاء غيرنا من الفنانين من أقطار عربية أخرى، للاحتفال بإعلان قيام دولة الإمارات العربية المتحدة.
ويومها استمرت الاحتفالات أياماً وليالي، حيث أحيينا الحفلات في كافة أنحاء الدولة الوليدة ابتهاجاً بهذا الإنجاز الوحدوي العربي العظيم. وفي الفترة ذاتها، استقبلت سوريا المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بصفته أول رئيس لدولة الإمارات، حيث شاركت في العديد من الاحتفالات التي أقيمت في حلب واللاذقية ودمشق وغيرها من المدن تحية لقدوم الزائر الكبير.
* وما الجديد في حفلة الغد، وقد بات الجمهور يعرف معظم فقرات البرنامج مسبقاً، بخاصة الموشحات والقدود التي تنتقل عبر الحناجر من جيل إلى جيل؟
- (بابتسامة الخبير الواثق) أجاب قائلاً: في الحفلات التي أحييها لا بد من الجديد، وإن كان قليلاً ولا أخفيك سراً بأن أجواء الحفل هي التي تحدد محتوى البرنامج، حيث الانتقال من وصلة إلى أخرى يأتي بشكل تصاعدي، مع مرور زمن الغناء. والجديد لن يكون فقط في أغنيات لم يسمعها الناس من قبل، بل يكمن في تقديم الأغنية بشكل مختلف عن السابق، وهذه ميزة الارتجال في الغناء والموسيقى، وأود أن ألفت نظرك إلى أن عدداً كبيراً من الموشحات والأغنيات المعروفة التي قدمتها طوال مسيرتي الفنية، قد تم تسجيلها أكثر من خمسين مرة، و كل واحدة منها تختلف عن الأخرى.
(بين السؤال والسؤال، كان صباح فخري يحرص على التذكير بأهمية التربية الفنية والتنشئة الموسيقية، فهو يعتبر نفسه من حراس التراث والأصالة، لكنه مع ذلك لا يطلق النار على الغير من دون وجه حق، ويقول بلا أي حرج إنه غنى في الحفلة ذاتها مع المغنية اللبنانية هيفاء وهبي، ويصفها بأنها ذكية، بينما يطلق على نانسي عجرم «البنت الجميلة والظريفة»، ويعتبر الاثنتين صديقتين). لكن ما الجدوى من العودة إلى الأصالة في زمن تطغى فيه موجة الغناء الاستهلاكي على الساحة الفنية؟
- (يبادرنا بالقول): المسألة تكمن أساساً في تعويد الناس وتوجيههم نحو الأعمال الفنية الجيدة، ومن هنا، كانت فكرة إنشاء معهد للموسيقى والغناء في مدينة حلب السورية، الذي ستنطلق فيه الدراسة الفعلية قريباً جداً بعد إنجاز المعاملات المتعلقة به، واعتماده رسمياً من قبل الحكومة. وهذا المعهد سوف يعلم العزف على العود و«الصولفيج» (تدريب الصوت)، ويمنح شهادات معترف بها، وسوف أكون مشرفاً على هذا المعهد، وضمن الهيئة التدريسية فيه.
وبالعودة إلى سؤالك، فإن الساحة الفنية تستوعب الجميع، والجمهور هو الفيصل في النهاية، وهو الذي يحدد نجاح هذا الفنان أو فشل ذاك، وبكل صراحة، إن الغناء بالأجساد سلعة زائلة، ولعلك معي في أن غالبية الأغنيات التي نسمعها هذه الأيام سرعان ما يلفها النسيان، بينما تحتفظ الألحان المؤداة بأصوات جميلة برونقها الأول، مثل أغنيات أم كلثوم على سبيل المثال لا الحصر.
* من هم أصحاب الأصوات الجميلة هذه الأيام، ومن الذي يطربك منهم؟ - (بدبلوماسية الفنان الذي ربما سئل هذا السؤال أكثر من مرة) أجاب على الفور: الساحة الغنائية مليئة بأصحاب الأصوات الجميلة، وأذكر لك أصالة وملحم بركات ولطفي بوشناق، وأرجو أن لا يعتبر كلامي محصوراً بهؤلاء فقط. (طبعاً، اكتفى فخري بهذا الكلام، و لم يفصح عن الذي يطربه من فناني هذه الأيام، ولم نتمكن من دفعه للبوح بذلك).
وفي ختام الجلسة، تناولنا الدراما الرمضانية وحضور قصص حياة الفنانين فيها، من أم كلثوم في رمضان الماضي، إلى عبد الحليم حافظ وسعاد حسني في الموسم الحالي، وكانت مناسبة للسؤال عما إذا كان مطروحاً أن تقدم سيرته في دراما تلفزيونية؟
- (ابتسم قائلاً): كأنك كشفت ما أنا بصدده، لأنني باشرت فعلاً منذ فترة بكتابة سيرتي الذاتية، وسأكلف أحد الكتاب من سوريا أم من العالم العربي،بمعالجة السيناريو لتحويلها إلى عمل درامي يعرض على الشاشات العربية، لكنني لست أدري من الذي سيجسد شخصيتي. (يضحك طويلاً).
* وستكون السيرة جريئة، بحيث تكشف فيها أسراراً مهنية وعاطفية؟ - بالطبع، وبالمناسبة ليست لدي أسرار أخفيها، وكل ما عشته في حياتي من فرح وحزن ونجاح وإخفاق يعرفه الجميع.
دبي ـ إسماعيل حيدر:
