تتبادل القوى الاقتصادية في العالم الأدوار حالياً، حيث تزداد مساهمة آسيا وأوروبا في دفع قارب الاقتصاد العالمي في خضم المحيط الهادر، فيما يتقلص هذا الدور الذي كانت تلعبه أميركا وحدها من قبل.

فقد اعتادت أميركا من خلال الانفاق الاستهلاكي دفع سفينة الاقتصاد العالمي بالاستيراد من بقية أجزاء العالم، لكن ارتفاع الإنفاق الاستهلاكي الآسيوي وارتفاع الصادرات الأوروبية إلى آسيا وأميركا أيضاً بدأ يدفع نسبة أكبر من الوقود في محرك سفينة الاقتصاد العالمي.

وتوقع صندوق النقد الدولي ارتفاع الإنفاق الاستهلاكي الآسيوي بنسبة 7% في العام الجاري مقابل 3% للإنفاق الاستهلاكي الأميركي. كما أن الصادرات الأوروبية لآسيا زادت على صادراتها إلى أميركا في الفترة الأخيرة.

وكان الاقتصاديون يقولون الإنفاق الاستهلاكي الأميركي هو الذي يدفع عجلة الاقتصاد العالمي، والآسيويون لا يحبون الإنفاق والأوروبيون في موقف متذبذب من حيث مساهمتهم في الاقتصاد العالمي، فإذا توقف المستهلك الأميركي عن الإنفاق بنفس القدر الحالي سيواجه اقتصاد العالم معضلات، كما تقول مجلة الايكونوميست.

وسوف يقع هذا الرأي تحت الاختبار خلال العامين المقبلين حيث من المتوقع انخفاض الإنفاق الأميركي مع تراجع سوق المنازل الذي يواجه متاعب بكل المقاييس، مبيعات المنازل وبناؤها في تراجع.

وارتفع عدد المنازل التي لا تباع إلى رقم قياسي وتشير إحصاءات إلى تراجع أسعار المنازل رغم التفاؤل البسيط من بيانات شهر سبتمبر حول الارتفاع الطفيف في الأسعار وتفاؤل المقاولين غير أن التوقعات تشير إلى أن سوق المنازل الأميركية في طريقه للهبوط.

ولم يظهر حتى الآن تأثير ذلك في الإنفاق الاستهلاكي الأميركي، والذي تأثر حتى الآن هم المقاولون فقط.

وتراجع معدل نمو إجمالي الناتج المحلي الأميركي خلال الصيف مع تقليص المقاولين لإنفاقهم، ولم يلاحظ المستهلكون ذلك لأن معدل البطالة لا يزال منخفضاً وساهم انخفاض أسعار الوقود النسبي في تعافي محافظ المستهلكين ورفع من معنوياتهم، فقد انخفضت أسعار الوقود بنسبة 30% خلال الشهرين الماضيين. وأدت قوة الإنفاق الاستهلاكي بخبراء الاقتصاد إلى القول إن أميركا تتجه نحو تصحيح اقتصادي تدريجي.

وقد يكون ذلك صحيحاً لكن مع تزايد مشكلات سوق المنازل فسوف يغل المستهلك الأميركي حتى المبذرون منهم، يده إلى عنقه. وقد تتجنب أميركا الكساد لكنها لن تتجنب التراجع في النمو فهل سوف تستمر أميركا في دفع العجلة الاقتصادية العالمية؟ الإجابة حسب الخبراء هي بالنفي لأن فكرة دفع الإنفاق الاستهلاكي الأميركي لعجلة الاقتصاد تفقد مصداقيتها.

وتفيد أرقام صندوق النقد الدولي أن آسيا هي المحرك الرئيسي للاقتصاد العالمي وليس أميركا، وذلك من خلال أسرع فترة نمو لها امتدت خمس سنوات خلال التسعينات، وليس هذا فقط لأن الآسيويين ينتجون أكثر بل لأنهم أيضاً يشترون منتجات أكثر. والإنفاق الاستهلاكي الآسيوي بدأ يرتفع وينتشر عبر سلع من الهواتف النقالة إلى الملابس.

يعرفون كيف ينفقون

آسيا هي أسرع أسواق العالم الاستهلاكية نمواً ويتوقع صندوق النقد الدولي أن يرتفع الانفاق العائلي الآسيوي بنسبة 7% خلال العام الجاري ومقابل ذلك يبدو أن ارتفاع الإنفاق الاستهلاكي الأميركي بنسبة 3% أمل يفيد. ورغم أن الإنفاق الاستهلاكي الأميركي أكبر من الإنفاق الآسيوي مقوماً بالدولار، فإن نمو الإنفاق الاستهلاكي الآسيوي في العام الجاري سوف يكون نصف الإنفاق الأميركي.

لكن الإنفاق الاستهلاكي الآسيوي يفوق الأميركي إذا ما قيس عن طريق التفاوت في القوة الشرائية هذا معيار منطقي لأن المنازل والخدمات المحلية في آسيا أرخص منها في أميركا. ولا عجب أن متاجر وال مارت للتجزئة تتوق إلى التوسع في الصين.

ويشير الاقتصاديون إلى أن الإنفاق الاستهلاكي الآسيوي لا يزال منخفضاً، ويمثل الانفاق الاستهلاكي الآسيوي 55% من إجمالي الناتج المحلي. لكنه في أميركا يمثل 71% كن سرعة نمو الإنفاق الاستهلاكي كنسبة من الناتج المحلي هي التي تحدد النمو الإجمالي، وكلما قل نصيب الإنفاق الاستهلاكي من إجمالي الناتج المحلي يعني ذلك أن هناك فرصة أكبر للنمو الأسرع.

ولا يزال المستهلك الآسيوي يشعر أن بطء النمو يعني أن أميركا سوف تشتري بضائع أقل من بقية أنحاء العالم، لذلك فالسؤال الكبير هو ما مدى اعتماد بقية العالم على التصدير إلى أميركا، والإجابة هي أقل مما يعتقد الكثيرون، والدول الآسيوية الأصغر مثل تايوان تعتمد بشكل كبير على الصادرات لكن غالبية النمو في الصين والهند واليابان يقوم في السنوات الأخيرة على الطلب المحلي.

وتسجل الصين فائضاً كبيراً في الحساب الجاري مع أميركا وساهم ارتفاع صافي صادراتها بنسبة 2% في النمو المحلي الذي يصل إلى 5 ,8% في المتوسط. لكن أميركا ليست المستورد الوحيد من الصين.

كما أن نصيب أميركا من الواردات العالمية تقلص من 21% إلى 16% خلال السنوات الخمس الماضية، وهو دليل على أن هناك طلبا أعلى في أماكن أخرى. فإذا كانت واردات أميركا تتقلص، فإن إجمالي الناتج المحلي الآسيوي سوف يتباطأ لكن بنسبة أقل من التي يتوقعها المتشائمون.

ولا بد أن ارتفاع الطلب الآسيوي سوف يساعد أوروبا على النمو أيضاً، إذا كانت الصادرات الأوروبية أكثر اعتماداً على آسيا وأقل اعتماداً على أميركا. وقد بلغت الصادرات الأوروبية إلى آسيا 244 مليار يورو في العام الماضي مقابل 44 مليار يورو عام 2001، و185 مليار يورو فقط إلى أميركا.

ترجمة: أشرف رفيق