لا يخفى على أحد الصراع المهني القائم بين فضائيتي «الجزيرة» و«العربية»، هو صراع مفيد لنا نحن المشاهدين العرب طالما كان مهنياً، وطالما قدم لنا المزيد من الأخبار والمعلومات والتحليلات الجيدة.وإذا كانت الفضائيات العربية تتنافس بالمسلسلات خصوصاً في شهر رمضان، فإن التنافس بين الفضائيات الإخبارية يكون عادة بالخبطات الصحافية من تحقيقات أو حوارات أو فكرة برنامج جديد.

«الجزيرة» تمكنت عبر هامش الحرية الواسع جداً وكسر «التابوهات» من تسجيل نقاط تفوق واضحة في السنوات الأخيرة، هامش الحرية مضافاً إليه وجود نخبة من الإعلاميين المحترفين وخبطات مثل برنامج «مع هيكل» أعطى لهذه القناة المزيد من الشعبية في الشارع العربي.

«العربية» بدورها لا تعدم وجود الكفاءات، ولديها طاقم تحريري متميز، لكن المشكلة كما أتخيلها وربما كانت غير صحيحة أنه مقابل سقف الحرية الواسع المتاح أمام فريق الجزيرة فإن هذا السقف ينخفض أحياناً خصوصاً عندما يتعلق الأمر ببعض الملفات، وهي النقطة التي تلعب عليها الجزيرة بمهارة، فتقوم بالتركيز عليها و«فرقعتها» أو بالتعبير المصري العامي «شعللتها».

في الأسابيع الأخيرة تمكنت فضائية «العربية» من تسجيل نقطة تفوق واضحة تحسب لها مهنياً وذلك عبر برنامج «صناعة الموت» الأسبوعي الذي بدأ حلقته الأولى في الثامن من سبتمبر الماضي، البرنامج توفرت له كل عوامل النجاح فنجح، بداية من الاسم المثير ونهاية بالمضمون.

ثم ان كل حلقة تتناول موضوعاً مثيراً وجدلياً، فالحلقة الأولى «أغلى ثلاثة مطلوبين في العالم» ركزت على نشأة وطفولة، أسامة بن لادن وأيمن الظواهري وأبو مصعب الزرقاوي عبر محاورة زملائهم أيام الطفولة والشباب أو عبر محللين وخبراء وكتاب متخصصين في الحركات الإسلامية.

والحلقة الثانية كانت أكثر امتاعاً من «التجنيد إلى التوبة» وركزت على ملامح عالم الجماعات المتطرفة، كيف يجندون الشباب الصغار ويقنعونهم بأفكارهم.وفي الحلقة الثالثة كان الموضوع بين «القاتل والمقتول»، وتناولت قضية ضحايا الموت المجاني الذي يتربص بالآمنين، وهل الضحايا هم من يفقدون حياتهم أو أرزاقهم في هذه العمليات الإرهابية. أم أن القاتل أيضاً يمكن اعتباره ضحية للفقر أو الجهل أو اختلاط المفاهيم.

هذه الحلقة تحديداً كانت شديدة التأثير لأنها تتناول جانباً إنسانياً لأشخاص أبرياء كل ذنبهم أنهم كانوا يسيرون في شارع أو يتواجدون في مكان قرر شخص ما أن ينهي حياتهم في هذه اللحظة. وفي عنوان آخر لحلقة أخرى من صناعة الموت كان «الدراما ودورها في محاربة الإرهاب» واستضاف السيناريست المصري وحيد حامد والمخرج السوري نجدة أنزور، وركزت الحلقة على دور الفن عموماً والدراما خصوصاً سواء كانت في التلفزيون أو المسرح وكيف أن الفنانين وقفوا على الخط الساخن ونقلوا بعض ما دار في عالم الإرهاب السري إلى دائرة الضوء.

نجاح هذا البرنامج له أكثر من سبب، أولاً الفكرة جيدة ومثيرة، ثانياً مقدمة البرنامج ريما صالحة متميزة بالفعل، فهي ليست من أولئك المذيعات اللاتي يعتمدن على الأسئلة والمحاور التي يقدمها المعد وكفى. من خلال مناقشتها للضيوف تشعر أنها ليست مقدمة فقط بل معدة ومشاركة في البرنامج من ألفه إلى يائه، ثالثاً معد البرنامج أو فريق الإعداد هو العامل الحاسم في النجاح، فلو توافرت كل الظروف ولم يكن هناك الإعداد الجيد، فلن نحصل على برنامج جيد، يتضح من خلال البرنامج الجهد الواضح للمعد من المعلومات إلى اختيار الضيوف إلى محاور البرنامج المتنوعة.

لكن ألا توجد أي سلبيات في البرنامج؟

الصورة ليست وردية تماماً وهناك بعض الهنات الصغيرة، فمثلاً هناك مشكلة تواجه كل البرامج المشابهة لـ «صناعة الموت» ألا وهي تكرار الضيوف غالبيتهم تراهم في كل الفضائيات ومع التقدير الكامل لآرائهم وأفكارهم، فإنهم مع التكرار يكررون أنفسهم، ويبدو الأمر وكأن الأمة العربية من محيطها إلى خليجها لا يوجد فيها إلا عشرة خبراء في الجماعات الدينية.

ثالثاً: البرنامج يتناول موضوعاً شائكاً وهو «الإرهاب»، لكن المشكلة أحياناً أن ضيوفه ذوي اتجاه واحد، لا نطلب من البرنامج بالطبع أن يستضيف «إرهابياً» كي يشرح وجهة نظره، المقصود أن يكون هناك من هو قريب من هذه الأفكار، كي يحدث الجدل المطلوب ويخرج المشاهد بوجهتي النظر، لأن مشكلة أي برنامج يركز على وجهة نظر واحدة هي أنه ينتهي ليكون برنامجاً وعظياً، لن يشد أحداً إلى متابعته.

الخلاصة أن هذا البرنامج «صناعة الموت» انعش قناة العربية، وضخ دماء جديدة في شرايينها نرجو أن تتواصل مع برامج أخرى، حتى يعود التنافس الحقيقي مرة أخرى إلى الفضائيات الإخبارية.