يناقش طوماس فيشر (Thomas Fisher)، عميد كلّية الهندسة والمناظر الطبيعيّة في جامعة مينيسوتا (Minnesota) قائلاً: «بقي تعليم الهندسة المهنيّة على ثباته فعليّا لأكثر من قرن. رغم التغييرات التي طرأت على الايديولوجيا، كتعليم كلاسيكيّ مهّد الطريق أمام التعليم العصرانيّ ثمّ التعليم ما بعد العصرانيّ، فقد بقيت البيداغوجيا المعتمدة على دراسة الهندسة الموجّهة نحو التصميم على حالها».

ويقترح روبرت أيفي (Robert Ivy)، وهو عضو فخريّ في المركز الأميركيّ للمهندسين (FAIA)، في افتتاحيّة له في «السجلّ الهندسيّ» (Architectural Record) الصادر في شهر نوفمبر 2004: «إنّ صنع الروابط، إنْ ضمن السيرة الهندسيّة أم بين الهندسة والمذاهب الأخرى في حرم الجامعة، هو، كما نظنّه، التحدّي الوحيد الأكثر أهميّة الذي يواجه البرامج الهندسيّة».

وتبرز اليوم، أداخل الحدود الرسميّة للهندسة أم خارجها، طاقة هائلة يتمّ تكريسها لإعادة النظر في كيف أنّ المباني، الشوارع والمساحات الخضراء، تؤثّر في حياتنا، مجتمعاتنا، اقتصادنا، ديمقراطيّتنا، وإدراكنا لنفسنا. والاقتباسان المميّزان للسيّدين أعلاه، ذلك الاتّجاه الجديد في التصميم، ما هو إلاّ تحوّل رقيق إنّما مهمّ من «المشروع» إلى «المكان».

وهذا التعديل الطفيف في التركيز يؤدّي إلى تغيير هائل في النتائج. فعندما يصبح الهدف خلق مكانٍ، تحتلّ مسائل مهمّة الأولويّةَ، تلك المسائل التي تتعلّق بما يحدث حول المبنى أو التطوير وخلالهما.

وذلك على بعد خطوة من رؤية القرن العشرين لعمل المهندس كنَصرٍ معزول من التفاني الجماليّ (وحتّى الولع) إلى فكرة المصمّم الأكثر شموليّة للقرن الحادي والعشرين كجزء من عمليّة تضجّ بالحياة، والفوضى، والبهجة لخلق مجتمع حيويّ قادر على التنفّس.

وينطوي القيام بهذه القفزة، من المشروع إلى المكان، على نتائج عميقة بالنسبة إلى المهنة؛ إذ يفقد المهندسون مفهوم «سيادة المهندس» في تحديد كيف يجب على الأشياء أن تكون. فالأفكار، القرارات وحتّى الوحي يأتي من تنسيق أوسع للمصادر التي تتضمّن الناس الذين يعيشون هناك، يعملون هناك، أو يقومون بزيارة هناك. ولا بدّ من صياغة مجموعة من المذاهب لخلق الأماكن بحسب الحاجات المتنوّعة والعادات الكثيرة للناس الذين يستعملونها.

لقد أدرك بعض المهندسين أصحاب المفاهيم ما تحمل قراراتهم بشأن التصاميم من قيمة بالنسبة إلى نوعية التجربة الإنسانيّة. وأضاف علماء الاجتماع والسلوك الاجتماعيّ طبقة أخرى من الأبحاث التي تهذّب إدراكنا لكيف أنّ التصميم يؤثّر على تلك التجارب، حتّى أصبح اليوم بالإمكان استعمال أبحاث العلم العصبيّ للإجابة على السؤال الخطير حول سبب حدوث ذلك. كيف ذلك؟

نتيجةً للأبحاث التي قام بها علماء الأبحاث العصبيّة حول العقل والذهن، بواسطة تجهيزات مسحٍ حديثة، أصبح بالإمكان معرفة أكثر فأكثر كيف أنّ البشر «يختبرون» محيطهم، حول سبب حصولهم على هذه التجارب، وحول ما يمكن أن يقوم به المصمّمون ليؤثّروا على التجربة.

أمّا قلقي الوحيد فهو، ماذا لو قام، يوماً ما، علماء الأبحاث العصبيّة هؤلاء، وبهدف فهم تجاربنا الإنسانيّة في المشاريع العقاريّة المختلفة في البلدان العربيّة، بمسح لأذهاننا، فما الذي يستطيعون قياسه بدقّة، الكآبة أم الهذيان؟

zena@arabianocept.com