قال محللون إن المحرك الحقيقي للاقتصاد العالمي هو آسيا، التي مثلت أكثر من نصف النمو العالمي منذ عام 2001، وحتى بسعر الدولار فإن آسيا تساهم في الاقتصاد العالمي بنسبة 21% في المتوسط سنوياً، مقابل 19% من أميركا. لكن الأسعار بالدولار حالياً تقلل من الوزن الاقتصادي العالمي لآسيا، لأن في الصين والدول الفقيرة الأخرى في المنطقة، أسعار المنازل والخدمات المحلية أرخص من نظيرتها في الدول الغنية، لذلك فإن إنفاق الدولار في هذه الدول يشتري المزيد. وإذا قارنا الإنفاق الاستهلاكي في البلاد جميعاً يكون من المنطقي تحويل العملات المحلية في الانفاق إلى الدولار بمعيار التفاوت في القوة الشرائية وليس سعر الدولار.
ومع ذلك يعتقد المتشائمون أن النمو الآسيوي نفسه يعتمد على الصادرات إلى أميركا، لأن الطلب المحلي الآسيوي ضعيف. ودليل هؤلاء على ذلك هو أن آسيا تسجل فائضاً في الحساب الجاري يزيد على 400 مليار دولار بما يفيد بأنها تساهم في التوريد للعالم أكثر من الاستهلاك. ولذلك إذا تراجع الطلب الأميركي فسوف ينخفض أيضاً إسهام آسيا في الاقتصاد العالمي.
وسوف تتراجع الصادرات الآسيوية بشكل كبير مع تراجع الطلب الأميركي، لكن التغير في صافي الصادرات هو الذي يساهم في معدل النمو لأي بلد، وليس حجم الفائض فقط. ومنذ عام 2001، ساهم الفائض الآسيوي من الميزان التجاري مع أميركا بنسبة أقل من 1% في متوسط النمو الاقتصادي الآسيوي البالغ 7% وبالتالي فإن النسبة الأكبر من النمو الآسيوي تأتي من الداخل.
وحقيقي أن الطلب الداخلي الآسيوي زاد بمعدل أقل من النمو الاقتصادي في العام الماضي باستثناء ماليزيا، لكن في معظم الحالات كان الفارق ضعيفاً، خاصة في الصين والهند واليابان واندونيسيا، وكان الوضع عكس ذلك في كل من تايوان وهونغ كونغ وسنغافورة التي اعتمدت بشكل أكبر على الطلب الخارجي خلال العام الماضي.
وحقيقي أيضاً أن الصادرات تمثل 40% من إجمالي الناتج المحلي الصيني، لكن هذه الصادرات تقوم على مداخيل كبيرة من الواردات، وتساهم الصادرات بربع قيمتها فقط في قيمة الناتج المحلي، وبالتالي فإن تراجع الصادرات من حيث النمو سوف يعادله تراجع الواردات. وتأتي غالبية نسبة نمو إجمالي الناتج المحلي الصيني من الطلب المحلي الذي ينمو بنسبة 9% في السنوات الأخيرة.
والقول بأن النمو الصيني يقوم بالأساس على الصادرات ليس هو الخرافة الوحيدة المنتشرة، ويقول جوناتان أندرسون الخبير الاقتصادي في بنك «يو بي إس» إن الانفاق الاستهلاكي الصيني ضعيف، وتقول أرقام إن الإنفاق انخفض من 50% من إجمالي الناتج المحلي عام 1995 حتى 42% حالياً. غير أن هذا يعكس طفرة أقوى في انفاق رأس المال وأشياء أخرى. وينمو الانفاق الاستهلاكي الحقيقي بمتوسط مستوى يبلغ 15% خلال العقد الماضي، وهو أسرع معدل نمو في العالم بل ويفوق نظيره في أميركا أيضاً.
وهناك ما يدعو للاعتقاد بأن الأرقام المسجلة تقلل من قيمة الانفاق الاستهلاكي في الصين لأنها لا تغطي كل الخدمات، فقد ارتفع انفاق العائلات الصينية على المشتروات بسرعة كبيرة منذ السماح لهم عام 1998 بذلك، غير أن هذا الانفاق أيضاً لا يدخل في الأرقام الرسمية، وإذا أضيف هذا الانفاق في الأرقام الرسمية كما يقول اندرسون لا يكون هناك أي انخفاض في الانفاق الاستهلاكي كنسبة من إجمالي الناتج المحلي.
فكيف يتوافق ذلك مع المفهوم العام بأن المدخرات العائلية الصينية ترتفع بشكل كبير. والحقيقة أن هذا غير دقيق تماماً، فقد انخفضت المدخرات العائلية الصينية من 20% إلى 16% من إجمالي الناتج المحلي خلال العقد الماضي. والسبب الرئيسي في أن المدخرات الصينية تبدو مرتفعة (قرب 50% من الناتج المحلي) هو أن الشركات الصينية تدخر نسبة أكبر من أرباحها.
انخفاض حجم الاستهلاك
يقول جوناتان أندرسون الخبير الاقتصادي في بنك «يو بي إس» أن الاستهلاك انخفض كنصيب من إجمالي الناتج المحلي في دول آسيوية أخرى أو غالبيتها، لا يعني ذلك أن العائلات ترفع مدخراتها. فقد انخفض الادخار العائلي في الدول الآسيوية باستثناء الصين والهند من 15% من الناتج المحلي في أواخر الثمانينات إلى 8% حالياً.
والتضارب في ذلك يتضح من ارتفاع الأجور بمعدل أبطأ من نمو الناتج المحلي، لأن الإنتاج أصبح كثيف الاعتماد على رأس المال. لكن هذا يعني أن المستهلك الآسيوي ينفق نسبة أكبر من دخله من خلال الاقتراض أو خفض الإدخار. والمثير للدهشة أن معدل إدخار العائلات في اليابان انخفض بشكل كبير من إدخار عائلات أميركا خلال العقد الماضي. ويقول صندوق الدول بأن آسيا إجمالاً سجلت نمواً في الإنفاق الاستهلاكي بمتوسط 3, 6% سنوياً خلال 2005 و2006.
وباختصار إذا تراجع الإنفاق الأميركي، فإن اقتصاد الصين والدول الآسيوية الأخرى سوف يتراجع أيضاً، برغم نمو الإنفاق الداخلي في آسيا، لكنه ليس من المحتمل أن يصاب الاقتصاد الآسيوي بنكسة. غير أن هذا قد يؤثر على آسيا بطرق غير مباشرة، لأن هذا من المؤكد أن يثير مخاطر ويصيب الأسواق بجفاف السيولة النقدية وبخفض الأسعار في آسيا وكذلك في أميركا، ويقال إدا عطست أميركا تصاب اقتصاديات العالم بالانفلونزا وإذا ارتعد وول ستريت أصابت الهزات أسواق المال العالمية.
ترجمة: أشرف رفيق
