استطاعت الدراما التلفزيونية الخليجية خلال شهر رمضان الحالي أن تحتل موقعها البارز على خارطة الإنتاج التلفزيوني العربي، مدعومة بما يسمى في دول مجلس التعاون الخليجي بالمنتج المنفذ،حيث تخصص نسبة كبيرة من تلفزيونات تلك الدول ميزانية سنوية لإنتاج الأعمال الدرامية التلفزيونية.

وكانت البداية بتخصيص ما يقرب من 60% من ميزانية المسلسل بالإضافة إلى منح تسهيلات خاصة بالمعدات ولربما الديكورات والاستديو في أحيان كثيرة.

وكان ذلك الأمر بمثابة الدافع والمحفز لكثرة شركات الإنتاج الخاص ،بالإضافة لوجود الأرضية الخصبة للعمل من خلال وجود الكوادر الفنية عالية الجودة والكفاءات المتميزة من الممثلين والممثلات ولغة التكامل بين تلك الدول .ولعلنا نلاحظ الآن تميز الكوادر الفنية البحرينية (تصوير وإضاءة) وشهرة نجوم الدراما في (الكويت وقطر والسعودية) وهكذا الأمر مع بقية القطاعات مثل الإخراج والتأليف والإنتاج.

ونعود إلى بيت القصيد فازدحام المسلسلات الخليجية هذا العام جاء ليجسد التفاوت الصريح في المستوى، فمن أعمال لكبار النجوم لم تستطع أن تلفت الانتباه وأخرى اقترن حضورها بالجودة العالية في الحبكة الدرامية والأداء والتمثيل. وفى هذا المجال نورد مسلسل ـ الرحى ـ (إنتاج تلفزيون دبي) وبطولة الفنانة القديرة سعاد عبدالله التي تحلق كعادتها في فضاء من الأحداث الدرامية والشخصيات المكتوبة بعناية فائقة والتي تحمل التحليل المتأني لجملة من القضايا الاجتماعية التي تحيط بالإنسان العادي .

وفي الإطار ذاته هناك مسلسل ـ لفرية ـ (إنتاج تلفزيون دبي) وبطولة وتأليف الفنانة حياة الفهد، التي تفلح في مزج مرحلتين من تاريخ الكويت والمنطقة ما قبل النفط وما بعده في قراءة اجتماعية لتلك المرحلة واثر المتغيرات التي طرأت على المجتمع بل وتكاد تعصف بكل قيمة وعاداته الايجابية التي جبل عليها.

وفى المقابل هناك علامات استفهام كبيرة حول القيمة التي تمثلها مجموعة أخرى من الأعمال التي راحت تدور في كم من المغالطات الدرامية والفنية وغياب الهوية وسذاجة الطروحات والتكرار المتخلف لبعض الصيغ القديمة في التمثيل والكتابة. وعلى الرغم من الترقب الكبير لأعمال الفنان الكبير عبد الحسين عبد الرضا إلا أنه يمر هذا العام دونما إضافة أو قيمة تسجل لصالح هذا الفنان الكبير والذي يظل بأمس الحاجة إلى الكتابة الدرامية التي تعيد اكتشاف إمكانياته وقدراته كواحد من أهم نجوم الكوميديا في العالم العربي. وهو في مسلسل- حبل المودة - يظل بعيدا عن مستواه وتاريخه الفني الكبير.

وفي ذات الاتجاه تأتي تجربة الفنان عبد العزيز المسلم في مسلسل «عتيج الصوف» والذي يعاني من حالة من التسطح على صعيد الكتابة الدرامية والتي تظل النقطة الأكثر خللا في ازدحام الدراما الخليجية.

ومثل هذا الخلل يعاني منه مسلسل ـ صاحبة الامتيازـ بطولة الإماراتية هدى الخطيب وإنتاج نايف الراشد.

حيث يقع المسلسل في متاهات بعض الصور المغلوطة عن عالم الصحافة والصحافيات، مما دفع أمين عام جمعية الصحافيين الكويتية فيصل القناعي لإصدار بيان ندد فيه ببعض الإشارات السلبية للصحافيات والصحافة بالإضافة لغياب المنطقية في كثير من الأحداث.

وفى مسلسل الإمبراطور تأليف وإنتاج الكاتبة الكويتية فجر السعيد تذهب بنا هذه الأخيرة إلى عوالم جديدة وأحداث مقرونة بالمغامرة والهشة لطبيعة تطورها وكأنها تجري في عالم وهمي لا يمت إلى الواقع الخليجي على وجه الخصوص بأي صلة. وبعيدا عن الدراما الكويتية يعود الثنائي السعودي ناصر القصبي وعبدالله السدحان بالجزء الرابع عشر من مسلسل - طاش ما طاش- إخراج عبد الخالق الغانم وإنتاج مركز تلفزيون الشرق الأوسط (ام بى سى).

وكعادتهما يفجرا الكثير من القضايا الاجتماعية السعودية على وجه الخصوص بكثير من الشفافية المحببة والعمق في الطرح ولا شيء مجانيا او هامشيا في هذا المسلسل. ومن ابرز الموضوعات التي توقف عندها المسلسل في عامة الحالي الإرهاب والمرأة والحريات-،عدد آخر من الموضوعات الاجتماعية الساخنة والتي لا يمكن إلا للقصبي والسدحان التعرض لها دون غيرهما وذلك للمكانة التي يتمتعان بها والثقة الكبيرة بهما وبأعمالهما لدى الجمهور السعودي على وجه الخصوص.

ويمكن القول إن ازدحام الدراما الخليجية حالة صحية نباركها ونؤكد عليها ولكن ما هو أهم هو حصاد هذا الازدحام وهم أمر يتطلب وقفة كبيرة لإعادة تقييم تجربة المنتج المنفذ من اجل استمرارية جديدة أكثر تميزا وأكثر قدرة في التعبير عن قضايا الإنسان في تلك الدول . ومما يحزن أن نسبة كبيرة من نتاجات هذا العام تظل بعيدة جدا عن قضايا الإنسان والمجتمع رغم فضاء الديمقراطية الذي تتنفسه نسبة كبيرة من دول المنطقة وقد آن الأوان للدراما أن تسير في ذلك الركب وان تعبر وبشكل حقيقي عن البعد الحضاري والاجتماعي لهذه الدول لتكون صناعة الدراما التلفزيونية رديفا في عملية البناء الحضاري والتغيير.

وكان النائب مسلم البراك قد شن هجوما عنيفا على وزير الإعلام محمد السنعوسي بسبب تدني مستوى المسلسلات التلفزيونية التي تعرض في تلفزيون الكويت خلال شهر رمضان المبارك. ووجه البراك سلسلة أسئلة إلى السنعوسي عن المسلسلات التي تعرض حصريا على تلفزيون الكويت والمبالغ التي صرفت عليها سواء من قبل وزارة الإعلام إذا كان الإنتاج مباشرا أم عن طريق التعاقد إذا كان من خلال المنتج المنفذ.

كما طلب إفادته عن تكاليف كل مسلسل على حدة وتزويده بصور من العقود المبرمة بين تلفزيون الكويت والمنتج المنفذ، وطلب أيضا إفادته عن اللجنة المختصة بقبول أو رفض مثل هذه الأعمال وأسماء الممثلين والممثلات الذين شاركوا في هذه المسلسلات وجنسياتهم.

وسأل أخيراً إذا ما قدمت لجنة الرقابة التي اطلعت على المسلسلات التلفزيونية التي عرضت بتلفزيون الكويت تقريرا لمسؤولي وزارة الإعلام عن طبيعة هذه المسلسلات التي تسيء إلى دولة الكويت كوطن وشعب، وهل تأكيد الوزير على أن بعض هذه الأعمال من مسلسلات وبرامج بأنها رديئة وأكثر من رديئة وفاشلة لا يعتبر مبررا لأن تصدر أمراً بوقفها ومحاسبة المسؤولين الذين اتخذوا قراراً بإجازتها؟