كان لتوفر السيولة الضخمة لدى المصارف الخليجية والرغبة في تحقيق أكبر قدر من الأرباح الدور المهم في توسيع حجم الائتمان، حيث سعت معظم مصارف دول التعاون إلى توظيف ما يزيد من أموالها في مجالات الإقراض وما يزيد عن ذلك نحو الاستثمار باعتبار أن الإقراض هو أكثر أعمال المصرف ربحية بسبب العائد المرتفع، ولكون الأرباح لازمة لإنجاح عمل أي مصرف فإنها تعد عاملا مهما في رسم السياسة الإقراضية، إذ سجل حجم القروض الشخصية الممنوحة في قبل المصارف الاماراتية المرتبة الأولى على مستوى الأنشطة الاقتصادية كافة،

حيث سجل إجمالي القروض الشخصية الممنوحة من المصارف 52 ,133 مليار دولار درهم مقابل 71, 97 مليار درهم في نهاية 2005 بنسية نمو بلغت 37%. وفي السعودية بلغت نسبة حجم الائتمان للناتج المحلي الإجمالي حوالي 39%، وفي الكويت 42 % وفي البحرين 53 % في حين بلغت هذه النسبة في قطر 54 % ، وتعتبر عُمان الأقل من حيث نسبة حجم الائتمان للناتج المحلي الإجمالي،

وأرجعت مصادر مصرفية تجاوز حجم القروض للودائع إلى سياسة الافراط في التسهيلات التي تنتهجها معظم المصارف العاملة في دول التعاون، وخاصة الوطنية منها، ويأتي في مقدمتها تمويل الاكتتابات الأولية في الربع الاول بنسب فاقت النسب المحددة من قبل المصرف المركزي، وفي العرف المصرفي كلما كانت المصارف بحاجة إلى تحقيق أرباح أكثر، كلما انتهجت سياسة إقراضية ذات مرونة أكبر، على الرغم مما تتحمله من مخاطر ائتمانية.

لا شك أن للائتمان دوراً بالغ الأهمية في توجيه النشاط الاقتصادي، حيث تقوم المصارف بدورها الرئيس في التأثير على ذلك النشاط عن طريق القروض والسلف التي تقدمها لأصحاب الأعمال، كما أن الموازنة بين السيولة والربحية مطلوبة، وهي من أبجديات العمل المصرفي، وعلى السلطة النقدية مراقبة ذلك بوسائلها الرقابية لا من باب التشكيك في السياسة الإقراضية التي تتبعها إدارة القروض وإنما هي نوع من صمام الأمان تتخذ عند اتباع سياسات ائتمانية غير محمية أو شديدة المخاطرة،

وهنا يجب الإشارة إلى أن الديون تنشأ عادة عن طريق منح ائتماني عادي تحول إلى دين متعثر غالباً ما ترتبط بأسباب ترجع إلى تباين أحوال المقترضين المالية واختلافها من وقت إلى آخر، والتي يمكن بها ان نعمم ان مردها يكمن في تفاوت قدرة المقترضين على السداد، فأحياناً يتعرض الفرد إلى ظروف خارج إرادته تحول دون قيامه بالوفاء بالسداد مؤقتاً، كالظروف الصحية أوالاجتماعية أو الوظيفية،

وفي هذه الحالة ينبغي على المصرف الممول ان يتخذ عدة إجراءات إيجابية تعاونية لعلاج التعثر حتى تتعافى الأوضاع المالية للفرد أو الشركة وتسترد صحتها، وقد تسمى هذه الإجراءات بالتعويم إذا ما تم جدولة الديون وتقديم تمويل إضافي للعميل كما يفترض منها ان تميز بين العميل الجيد الذي يتمتع بسمعة تمويلية جيدة والذي يمر بظروف قاهرة، وبين العميل غير الجاد في التسديد،

والأجدر أن يكون التعاون بين الطرفين قائماً على المتابعة المستمرة وعلى عدم الاقتصار على منح التسهيلات الائتمانية، وتنجم مشاكل الائتمان بسبب عوامل متعددة يأتي في مقدمتها التساهل في منح القروض والتسهيلات الائتمانية إضافة إلى نكوص المقترض عن التسديد، وهنا يبرز أداء دور المصرف الناجح والمتميز في تقليل خسائر القروض من خلال مركزه المتين وعلاقته المستمرة بالزبائن وتحديد سمات هذه العلاقة، فالمصارف لا تتمكن من التنبؤ بالمبالغ التي تواجهها مشاكل التحصيل في المستقبل،

وذلك لوجود متغيرات ومفاجآت اقتصادية، ومعظم المصارف لا تستطيع تفادي خسائر القروض بصورة كلية، ولكن عليها بذل المساعي لتقليل هذه الخسائر، وان يكون منح القروض على أسس صيرفية مبرمجة مع متابعة القرض أثناء الاستخدام وعند الاستحقاق. من أجل ضمان أن البنك يمارس نشاطاته بطريقة آمنة ويتماشى مع الأنظمة والقوانين.

لذا تقتضي الموضوعية في التحليل الاقتصادي النظر إلى مشكلة التعثر في سداد القروض الشخصية على أنها مشكلة طبيعية وموجودة لدى الأجهزة المصرفية العاملة في الدول الأخرى على الرغم من تسجيل حجم القروض الشخصية الممنوحة من المصارف نسب ودائعها بما هو مسموح من قبل السلطة النقدية المتمثلة بالمصرف المركزي، وإن حل مشكلة الديون يتطلب توافر جهود كافة الأطراف وبالدرجة الأولى الأطراف الدائنة وجدية إرادتها في تحقيق معالجتها. كما أصبح من الضروري صياغة سياسات جديدة تؤسس المناخ الملائم للدائنين والمدينين على حد سواء.

ومن أهم طرق العلاج التي تتبعها بعض المصارف حاليا ما تشترطه من ضمانات تأمين أو رهن صكوك ملكية عقارية أو اتباع نظام التأجير المنتهي بالتمليك أو تقديم دراسة للجدوى الاقتصادية للمشروع قبيل الموافقة على قرار القرض المصرفي، وهي قد تكون خطوة إيجابية بالنسبة إليها.

وطبقاً لما هو معمول به دولياً وإقليمياً ولما تبنَّته التشريعات والمنتديات المتخصصة كمقررات بازل1 و 2 والتي تدير دفتها البنوك المركزية، فإنه يتم تكوين مخصصات للديون المتعثرة لغرض حماية أموال المودعين، ولكي تكون ذات قدرة تعويضية في حالة عدم قدرة المصارف على تحصيل تلك الديون، والتي أضحت لحظتها حاملة لرتبة (الديون المعدومة) والتي تعنى إتمام التعويض بالمخصص الموازي للدين المعدوم على مستوى الهيكل المالي للمصرف ككل.

كاتب ومحلل اقتصادي

Kutaiba@eim.ae