يحتفظ تاريخ السينما الجزائرية بمنزلة خاصة للمخرج الإيطالي الراحل قبل أيام جيللو بونتيكورفو، إذ يكفيه شرفاً أنه مخرج فيلم «معركة الجزائر» في العام 1965، الذي يتناول صفحات من مقاومة الجزائريين من أجل بسط سيادتهم على أحد معاقل الثورة في المدينة (قصبة الجزائر) في العام 1957 من جهة، واستعار تصميم المظليين الفرنسيين على القضاء على جذوة الثورة فيها. وهو ما فتح المجال لمشاهد من الصراع من أجل البقاء بين الطرفين، مشاهد ليس بين الواقع والخيال فيها فاصل واضح، فكان «فن» التعذيب من جهة، والأعمال الفدائية ضد الاستعمار والاحتلال في الجهة المقابلة.
ويعتبر فيلم «معركة الجزائر» لدى الكثير من نقاد السينما «مرافعة ضد التعذيب». وهي اللغة غير المهادنة التي كلفته مقص الرقابة والمنع في فرنسا حتى العام 1971، تاريخ سماح السلطات الفرنسية بعرضه للجمهور في قاعات السينما للمرة الأولى، قبل إعادة منعه مرة ثانية إلى غاية العام 2004 تاريخ تخصيص عرض خاص له في قناة «آرتي» الفرانكو ألمانية. لكن قبل الوصول إلى هذه المحطة الفارقة، فهناك قصة لفيلم ومخرج تقاطع عبرهما الفن والنضال من أجل الحقيقة الإنسانية.
والمخرج جيللو بونتيكورفو المولود في مدينة بيزا في العام 1919، بدأت قصته مع السينما، بمجموعة من الأفلام الوثائقية القصيرة، ثم تعزز مساره بستة أفلام أشهرها على الإطلاق «معركة الجزائر». وللوصول إلى إنجاز «المعركة» كان لا بد أولاً، من معركة مع صوت الأمل، وهو توفر الرغبة في تناول موضوع الاستعمار سينمائياً، كما يقول، ثم كتابته هو وفرانكو ساليناس قصة بعنوان «بارا» تجري أحداثها في إيطاليا ثم في الجزائر، غير أن الفيلم لم ير النور بسبب خشية المنتج من رد فعل منظمة الجيش السري (oas).
ويضيف بونتيكورفو قائلاً: «الواقع أن «بارا» كان مشروع فيلم إيطالي، غير أنه يولي اهتماماً خاصاً بفرنسا، كما يوضح المخرج. ولدى اطلاع الجزائريين على رغبتنا تقدموا إلينا باقتراح فيلم حول مقاومتهم من أجل التحرر الوطني». كان السيناريو المقترح من قبلهم تمجيداً لهذه المقاومة.
فأجبتهم بأن رغبتي في إنجاز فيلم عن الجزائر لا تضاهى، لكن بشرط أن تكون لي فيه اليد الطولى، فكتبت القصة التي نالت إعجابهم، والواقع أن الجزائريين تعاملوا معي بوضوح تام؛ حيث إنهم ألحوا على استبعاد مشهد يظهر جزائريين وهم يعدون القنابل ويضعونها في أحد المقاهي، بينما تلحس طفلة صغيرة قطعة مثلجات، لكنني تمسكت برأيي فتركوا المشهد يمر. وفي النهاية كان الفيلم إيطالياً بنسبة 48 %وجزائرياً ب42% من خلال مؤسسة «قصبة فيلم» لياسف سعدي، الذي أدى دوره الشخصي في هذا العمل السينمائي. الأمر الذي كان له بالغ الأثر في تجنب الكثير من الأخطاء».
وعن كتابة قصة الفيلم، يقول بونتيكورفو: إن كل شيء كان جاهزاً سلفاً حيث قمنا بزيارة عمل إلى الجزائر استغرقت أسابيع عدة. كما مكننا ياسف سعدي من مقابلة جميع من لهم صلة بموضوع الفيلم. وقبل ذلك، كنا قد زرنا الجزائر من أجل كتابة «بارا»، فضلا عن انتقالنا إلى باريس من أجل الحديث مع ضباط سامين في الجيش الفرنسي للحصول على الطرحين الجزائري والفرنسي. وفي المحصلة استغرق الاستعداد للفيلم سبعة أشهر؛ أتمت كتابة السيناريو في شهرين، أما التصوير فقد أنجز في أربعة أشهر إلا أربعة أيام بطاقم من الممثلين الهواة، ما عدا صاحب دور العقيد ماتيو، الممثل المسرحي الفرنسي جان مارتان.
وعن استقبال الفيلم من قبل الجمهور، يلاحظ المخرج الإيطالي أن استقبال الجزائريين للفيلم قام في المقام الأول على تاريخهم المروي بأمانة، سيما أن جانباً من السيناريو مستوحى من سيرة كتبها ياسف سعدي قائد منطقة الجزائر الحرة لمدة أربعة أشهر قبل إلقاء القبض عليه. وأما الجانب الفني، فثانوي بالنسبة إليهم، يلاحظ بونتيكورفو.
رغم أن فيلم «معركة الجزائر» رأى النور قبل أربعة وأربعين عاماً، إلا أنه ومن دون سابق إنذار، طفا على مسرح الأحداث الثقافية والعسكرية في مطلع الألفية الجديدة. حيث عمدت وزارة الدفاع الأميركية إلى عرضه على ضباط قيادة الأركان والاستخبارات في العام 2003، أي غداة اجتياح القوات الأميركية للعراق واحتلاله. وذلك «لأخذ صورة تقريبية ودقيقة عن حرب العصابات في المدينة، إبان معركة الجزائر ومحاولة إسقاط ذلك على حرب العصابات في العراق». وبالتالي استخلاص العبر من التجربة الفرنسية خلال معركة الجزائر، والعمل على تجنب الأخطاء التي وقع فيها الجيش الفرنسي.
وما قام به الأميركيون أثار جدلاً إعلامياً واسعاً حول الفيلم وقيمته الفنية والوثائقية. فهذا ياسف سعدي، الممثل في الفيلم، وأحد قادة «المنطقة الحرة للجزائر (ZAA)» يرى في الموقف الأميركي «دليلا على أن «معركة الجزائر» فيلم خالد...». وبكل المقاييس البيداغوجية والفنية، والدليل، يقول قائد «الزاد.آ.آ» من جوان إلى سبتمبر من العام 1957، «عرضه في البنتاغون».
مضيفا بأن عناصر من المخابرات الأميركية وكذا سفيرة سابقة عاملة في الجزائر قد فاتحوه في موضوع حرب العصابات الجزائرية في المناطق الحضرية باعتبارها «قوة موازية». إلا أنني نبهتهم بأنهم إذا وضعوا أقدامهم في العراق، فسيكون الفشل الذريع حليفهم مسبقا. ليضيف قلت لصديقي زبيغنيو بريزنسكي (المستشار السابق للرئيس الأميركي جيمي كارتر) بأن المقاومين العراقيين سيتحدون من أجل تحرير بلدهم، رغم اختلافاتهم الإيديولوجية والدينية والمذهبية. إلا أن الأميركيين لم يحملوا كلامي بعين الاعتبار . مع التنبيه إلى أن هذا لا يعني أنني أعنت الأميركيين.
لقد كانت رغبتي أن يعرض الفيلم في العراق. وأنا أقف إلى جانب أشقائي العراقيين ، يقول ياسف سعدي. وأما مخرج الفيلم فيرى أن عمله «معركة الجزائر» لا يعلم خوض الحروب، بل يعلم فن السينما. ليس هناك فيلم يعلم المتخصصين عمل شيء في مجال تخصصهم. إنه باختصار فيلم من ساعتين حيث لا يتيسر لضابط تعلم أي شيء، وإن كان بإمكانه اشتمام شيء بسيط من عبق اللحظة.
وفي الاتجاه ذاته، تساءلت المجاهدة الجزائرية زهرة ظريف بيطاط عن الطريقة التي يمكن للأميركيين من خلالها أن يستخلصوا درساً من معركة الجزائر ؟ في الوقت الذي يدور فيه جوهر الفيلم حول كون الجزائريين في وطنهم وتعرضوا لهجوم من جانب الفرنسيين. وهو الأمر ذاته بالنسبة للأميركيين الذين هاجموا العراقيين في عقر ديارهم. معلقة بالقول: لو فهم البنتاغون الأميركي رسالة فيلم معركة الجزائر جيدا لاقتنع بضرورة الانسحاب من العراق ولكان السلام قد حل في ربوعه منذ فترة طويلة .
كما كتبت صحيفة نيويورك تايمز عن معركة الجزائر تقول إنه يعطي نظرة تاريخية عن سير العماليات الحربية الفرنسية في الجزائر . كما رأى أحد النقاد السينمائيين أن الفيلم يمكن أن ينظر إليه كتجربة لسينما الحقيقة، حقيقة ما يقع حينما تفرض أمة غربية نفسها على شعب مسلم .
ومهما يكن، فالواقع التاريخي في الجهة الأخرى يذكر أن أجيالا من الأوروبيين كبرت مع أسطورة الثورة الجزائرية التي يعد فيلم معركة الجزائر إحدى وسائط تجليها. ومع ذلك ظل بونتيكورفو شخصاً غير مرغوب فيه في بعض المحافل الفنية الأوروبية، وبالخصوص لدى مهرجان كان السينمائي بسبب مواقفه السياسية المناوئة للاستعمار، إلى أن نال جائزة الأسد الذهبي لمهرجان البندقية في العام 1966 التي عوضته عن بعض الظلم الذي سلط عليه من قبل في فرنسا؛
حيث لم يؤمن وسطها الفني بالحلم الذي طالما راود هذا الفنان المناصر لقضايا التحرر الوطني، ومن ضمنها قضية الجزائر خلال العقد الخامس من القرن الماضي، خاصة وهو المناضل السياسي اليساري إلى جانب فنانين من بلده وبلدان أخرى،وكان آخر تكريم ناله بونتيكورفو من جمعية الصحافة الأجنبية في روما بتتويجه بجائزة الكرة الذهبية عن مجمل مساره الفني.
وشاءت الأقدار أن ينقش جيللو بونتيكورفو، الحاصل على دبلوم في الكيمياء وآخر في الصحافة، توقيعه في الفن السابع الذي قدمه للناس كمخرج ملتزم ومتمكن من حرفته. وذلك من خلال روائع من قبيل: «كابو» 1960، و«كيمادا»، 1969، و«أوغرو»، 1979 وغيرها. وأما وقد رحل الآن، فإن الأقدار ستسجل بلا شك أن رسالته، ولا سيما في «معركة الجزائر»، 1965، لا تموت لأن جوهرها خالد خلود الفن.
الجزائر ـ مراد الطرابلسي: